كيف تحولت حمائية ترامب إلى بنية جديدة للاقتصاد العالمي؟
تاريخ النشر: 18th, January 2026 GMT
عندما فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية واسعة على واردات الصلب والألمنيوم، وعلى سلع صينية تزيد قيمتها على 360 مليار دولار في عام 2018، جرى تفسير هذه الخطوة في حينه بوصفها خروجا حادا -لكن قابلا للتراجع- عن عقود من سياسات تحرير التجارة.
ففي ذلك الوقت، كانت الحمائية لا تزال تُفهم وفق تعريفها الاقتصادي الكلاسيكي من حيث كونها تشوّها في السياسات التجارية يتركز على الرسوم الجمركية والحصص، يُستخدم على نحو ظرفي، ويُفترض أن يُلغى مع تراجع الضغوط السياسية.
وبحسب تحليل صادر عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ارتفع متوسط الرسوم الجمركية الأميركية المطبقة من نحو 1.5% في عام 2017 إلى أكثر من 3% بحلول عام 2019، وهو ما مثّل أشد انعكاس في مسار السياسة التجارية الأميركية منذ منتصف القرن العشرين.
غير أن المؤسسات الاقتصادية الدولية لم تعد، بحلول عام 2025، تصف هذه الإجراءات بوصفها صدمات مؤقتة، بل بات يُنظر إليها على أنها تبلور لحالة اقتصادية جديدة تعيد تشكيل التجارة والاستثمار والسياسات الصناعية على مستوى العالم.
من تعريفات 2018 إلى واقع 2025في عام 2018، كانت منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي لا تزالان تنطلقان من افتراض أن الانفتاح التجاري يمثل حالة التوازن الطويلة الأجل للاقتصاد العالمي.
وقد صنّفت تقارير المنظمة الحمائية حينها بوصفها تصعيدا جمركيا مضرا بالرفاه الاقتصادي، ومدفوعا باعتبارات سياسية، ومتناقضا مع متطلبات النمو، وهو ما جعل الحرب التجارية التي أطلقها ترامب تُوصف كاستثناء عن النظام التجاري القائم.
غير أن هذا الإطار تبدّل جذريًا بحلول عام 2025؛ فوفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي، ولا سيما آفاق الاقتصاد العالمي والدراسات المتعلقة بـ"التجزئة الجيو-اقتصادية"، لم تعد الحمائية تُعرّف كرسوم جمركية فحسب، بل تحولا نحو تدخل حكومي منظومي يعيد هيكلة التجارة وسلاسل الإنتاج بما يخدم المرونة والأمن والاستقلالية الاستراتيجية، حتى على حساب الكفاءة.
إعلانوبالمثل، حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها لعام 2024 حول السياسات الصناعية وتشوهات التجارة من أن الدعم الصناعي وضوابط التصدير وفحص الاستثمارات ومتطلبات المحتوى المحلي باتت سمات بنيوية في استراتيجيات النمو، تعمل في الغالب خلف الحدود الجمركية، ما يجعل الحمائية الحديثة أكثر رسوخًا وأقل قابلية للتراجع من نظيرتها التقليدية.
من صدمة إلى نظاموشكّلت رسوم ترامب في ولايته الأولى بين عامي 2018 و2019 لحظة نشوء الحمائية الجديدة، فقد مثّلت الرسوم على الصلب والألمنيوم، المفروضة بموجب المادة 232 بدعوى الأمن القومي، تلتها الرسوم الواسعة على الواردات الصينية بموجب المادة 301، أكبر تصعيد جمركي تشهده الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وفق مقارنات تاريخية أوردتها منظمة التجارة العالمية.
غير أن اقتصاديين كثر يرون أن الأثر الأعمق جاء خلال الولاية الثانية لترامب، حين توقفت الرسوم عن كونها أدوات تفاوضية، وأصبحت جزءًا من بنية سياسية دائمة، متكاملة مع الدعم الصناعي، وضوابط التصدير، وسياسات إعادة توطين سلاسل التوريد.
وتكمن أهمية هذا التحول، وفق صندوق النقد الدولي، في أن توقعات الشركات هي التي تحدد قرارات الاستثمار. فبحلول أوائل العقد الحالي، بدأت الشركات بإعادة تصميم سلاسل إنتاجها على أساس أن القيود التجارية لم تعد مؤقتة، بل أصبحت عنصرًا دائمًا في بيئة الأعمال العالمية.
تعميم الحمائية عالميًاولم يكن التحول الأميركي معزولًا، إذ تُظهر تقارير منظمة التجارة العالمية تسارع فرض القيود التجارية عالميًا منذ الأزمة المالية العالمية، مع قفزة إضافية بعد جائحة كوفيد-19.
ففي الولايات المتحدة، خصّص قانون الرقائق وقانون خفض التضخم أكثر من 400 مليار دولار لدعم أشباه الموصلات والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، مع ربط الدعم بالإنتاج المحلي، وهو ما وصفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه انتقال من الحياد السوقي إلى الاستهداف الصناعي.
وفي الاتحاد الأوروبي، أُطلقت آلية تعديل حدود الكربون التي وصفها البنك الدولي بأنها تعرفة كربونية فعلية لحماية الصناعات الخضراء، بالتوازي مع توسيع قواعد المساعدات الحكومية.
أما الصين، فعززت استراتيجية "التداول المزدوج" التي تركز، وفق صندوق النقد الدولي، على الطلب الداخلي والاكتفاء التكنولوجي في القطاعات الاستراتيجية.
ووسّعت الهند مبادرات "صُنع في الهند" ورفعت الرسوم على مئات السلع بين 2020 و2025 بحسب بيانات منظمة التجارة العالمية، فيما أطلقت اليابان وكوريا الجنوبية برامج دعم لصناعة الرقائق، واعتمدت المملكة المتحدة بعد بريكست أطرًا تنظيمية ودعمًا صناعيًا متمايزًا عن الاتحاد الأوروبي، وفق مراجعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
يتفق اقتصاديون على أن عودة الحمائية تعكس ضغوطًا بنيوية متراكمة في الاقتصاد العالمي، ويتجلّى ذلك في عدد من التحولات الرئيسية، من بينها:
إعلان أظهرت أبحاث المكتب الوطني الأميركي للبحوث الاقتصادية، ولا سيما دراسات ديفيد أوتور وديفيد دورن وغوردون هانسون، أن مكاسب العولمة الكلية رافقتها خسائر مركّزة جغرافيًا في أسواق العمل، ما غذّى ردود فعل سياسية واجتماعية مناهضة للتجارة الحرة. كشفت جائحة كوفيد-19، بحسب البنك الدولي، هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في المعدات الطبية والأدوية وأشباه الموصلات، ما دفع الحكومات إلى تحويل الأولوية من الكفاءة إلى المرونة الاقتصادية. وسّعت اعتبارات الأمن القومي نطاقها الاقتصادي؛ إذ تُظهر تحليلات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن قطاعات أشباه الموصلات، والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للطاقة باتت تُعامل كأصول استراتيجية، لا كسِلَع خاضعة لمنطق السوق وحده. تداخل السياسات المناخية مع التجارة؛ إذ لاحظ البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الدعم الأخضر وآليات تسعير الكربون تؤدي وظيفيًا دور حواجز تجارية، فيما يُعرف اقتصاديًا بـ"الميركنتيلية الخضراء". ما الذي تسعى إليه الحمائية وما كلفتها؟بحسب صندوق النقد الدولي، تستهدف الحمائية الحديثة ثلاثة أهداف رئيسية:
أمن سلاسل التوريد. استقرار التوظيف. الاستقلالية الاستراتيجية.ونظريًا، يمكن للتدخل الانتقائي معالجة إخفاقات السوق في القطاعات ذات الأهمية الأمنية أو الاقتصادية.
لكن عمليًا، تُظهر نماذج الصندوق أن التجزئة التجارية العميقة قد تخفّض الناتج العالمي بما يصل إلى 7% في السيناريوهات القصوى، مع زيادة الضغوط التضخمية وتراجع الإنتاجية.
كما حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن الدعم الصناعي غير المنضبط قد يؤدي إلى سوء تخصيص رأس المال وترسيخ الشركات غير الكفؤة.
ويشير الاقتصادي داني رودريك، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، إلى أن التوتر الأساسي لا يكمن بين العولمة والحمائية بحد ذاتهما، بل بين عمق التكامل الاقتصادي والشرعية السياسية الداخلية، وهو طرح قدّمه ضمن ما يُعرف بـ"مفاضلة العولمة" في كتابه "مفارقة العولمة"، بما يفسّر تفضيل الحكومات الحالية للعزل الاقتصادي على سياسات التكيّف الداخلي المكلفة سياسيًا.
تجزئة لا انهيارورغم المقارنات المتكررة مع ثلاثينيات القرن الماضي، تختلف الحمائية الحالية جوهريًا عن الحروب الجمركية في تلك الحقبة، إذ تُظهر بيانات منظمة التجارة العالمية استمرار نمو التجارة العالمية -وإن بوتيرة أبطأ من نمو الناتج- حتى عام 2024.
ويوصَف الواقع الاقتصادي العالمي بدقة أكبر بالتجزئة لا التفكك؛ إذ يُظهر تقرير الاستثمار العالمي لعام 2025 الصادر عن الأونكتاد أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعت عالميًا في 2023، لكنها تعافت في مناطق "التقارب السياسي"، بما يعكس اندماجًا انتقائيًا لا انسحابًا شاملًا.
الحمائية كحالة اقتصادية جديدةوبحلول عام 2025، لم تعد الحمائية انحرافًا مؤقتًا عن مسار العولمة، بل أصبحت حالة بنيوية في الاقتصاد العالمي. وكما تقرّ بذلك مؤسسات عالمية، باتت الدول تعيد تشكيل التجارة والاستثمار بما يراعي المرونة والأمن والاستقرار السياسي.
والسؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت الحمائية ستستمر، بل كيف ستُدار. فالتدخل غير المنضبط قد يؤدي إلى تضخم وتجزئة وعدم كفاءة، بينما قد تتيح المقاربات الأكثر انضباطًا التوفيق بين المرونة والنمو.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات منظمة التعاون الاقتصادی والتنمیة منظمة التجارة العالمیة صندوق النقد الدولی عام 2025 لم تعد
إقرأ أيضاً:
وزير التخطيط يشارك في اجتماعات مجلس منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على المستوى الوزاري بباريس
وصل الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى العاصمة الفرنسية باريس للمشاركة في أعمال اجتماع مجلس منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على المستوى الوزاري 2026، والذي يُعقد خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026، تحت عنوان «إعداد سياسات اقتصادية صحيحة من أجل أسواق منفتحة ونمو وازدهار».
ومن المقرر أن يستعرض الدكتور أحمد رستم التجربة المصرية في تنفيذ البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية وأثره في دعم النمو الاقتصادي بالجلسة الأولى للاجتماع الوزاري بعنوان «تحقيق التوازن بين أهداف وآثار السياسة الاقتصادية »، كما يشارك بالجلسة الفرعية المعنية بـ«الاستدامة المالية والسياسات الاقتصادية » والمنعقدة ضمن فعاليات الجلسة الثانية للاجتماع.
كما يشارك الدكتور أحمد رستم بالجلسة التمهيدية لوضع الإطار العام لمناقشات السياسة الصناعية، وبالجلسة المنعقدة تحت عنوان «مواءمة السياسات الصناعية مع التجارة المفتوحة والعادلة وتكافؤ الفرص»، وكذلك بالجلسة الفرعية الخاصة بـ«تهيئة بيئة داعمة للاستثمار».
وعلى هامش المشاركات، من المقرر أن يعقد الدكتور أحمد رستم عددًا من اللقاءات الثنائية مع كبار مسؤولي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تضم لقاء السيد/ ماتياس كورمان، الأمين العام للمنظمة، والسيد أندرياس شال، مدير مركز العلاقات العالمية والتعاون، والسيدة منال كوروين، مديرة مركز السياسة والإدارة الضريبية بالمنظمة، والسيد لويز دي ميلو، مدير إدارة الاقتصاد، والسيدة إلسا بيليشوفسكي، مديرة إدارة الحوكمة العامة بالمنظمة، كما يلتقي بالسيدة راغنهيدور إلين أرنادتير، مديرة مركز التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
كما من المقرر أن يلتقي الدكتور أحمد رستم؛ السيد/ رولان ليسكور، وزير الاقتصاد والمالية والصناعة والطاقة والسيادة الرقمية الفرنسي، كما يلتقي بالسيد/ ديفيد كلارينفال، نائب رئيس الوزراء ووزير التشغيل والاقتصاد والزراعة في بلجيكا، إلى جانب لقاء السيدة نادية هاي، سفيرة فرنسا لمنطقة البحر المتوسط بوزارة أوروبا والشئون الخارجية الفرنسية، وذلك لبحث مجالات التعاون المشترك وتبادل الخبرات في مجالات التنمية الاقتصادية والاستثمار والسياسات العامة.