"سكن لكل المصريين" هل يعيد السكن صياغة العقد الاجتماعي في مصر؟
تاريخ النشر: 18th, January 2026 GMT
على مدار العقد الأخير، لم يكن برنامج «سكن لكل المصريين» مجرد مشروع إسكان اجتماعي واسع النطاق، بل تجربة سياسية اقتصادية بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث أصبح السكن أحد المجالات التي حاولت الدولة من خلالها إعادة بناء خيط الثقة، لا عبر الخطاب، بل عبر سياسة عامة ملموسة.
السؤال الأهم اليوم، بعد مرور عشر سنوات على إطلاق البرنامج، ليس كم وحدة تم بناؤها فقط؟ بل: هل يمثل «سكن لكل المصريين» نواة حقيقية لعقد اجتماعي جديد، أم مجرد تدخل تصحيحي محدود في سوق مختل؟
تاريخيًا، كان السكن في مصر جزءًا من منظومة الحماية الاجتماعية، حتى وإن شابتها تشوهات تشريعية واقتصادية، لكن مع التحول التدريجي نحو اقتصاد السوق منذ التسعينيات، تراجع هذا الدور دون أن تظهر بدائل تمويلية أو مؤسسية كافية.
النتيجة كانت واضحة: سوق عقاري يتوسع أفقيًا، لكنه ينفصل تدريجيًا عن احتياجات غالبية السكان.
في هذا السياق، جاء «سكن لكل المصريين» كتحول نوعي في فلسفة التدخل العام، فالبرنامج لم يُطرح باعتباره نشاطًا عقاريًا، بل كسياسة متعددة الأبعاد، تجمع بين:
• الدعم الاجتماعي
• التمويل العقاري طويل الأجل
• التخطيط المكاني
• والشراكات الدولية وهو ما يميّزه عن تجارب سابقة ركزت على البناء دون معالجة الإطار الاقتصادي والاجتماعي الأوسع.
وفق البيانات الرسمية المحدثة حتى يناير 2026، ضخّت الدولة أكثر من 200 مليار جنيه استثمارات عامة في البرنامج منذ 2014، إلى جانب تمويل دولي ميسّر بقيمة مليار دولار من البنك الدولي.
لكن الأهم من حجم التمويل هو كيفية توظيفه، فالبرنامج وفّر سكنًا لائقًا لأكثر من 4 ملايين مواطن في مختلف المحافظات، وساهم في تطوير سوق التمويل العقاري ليصل حجمه إلى 95 مليار جنيه بنهاية 2025، بعد أن كان هامشيًا قبل عقد، وأدخل فئات واسعة إلى النظام المصرفي، إذ تشير التقديرات إلى أن 65% من المستفيدين تعاملوا مع البنوك لأول مرة عبر هذا المسار.
بهذا المعنى، لم يكن السكن هدفًا نهائيًا فقط، بل مدخلًا للشمول المالي وإعادة دمج فئات كاملة في الاقتصاد الرسمي.
من منظور الاقتصاد الكلي، لعب البرنامج دورًا مهمًا في تنشيط الطلب المحلي، ودعم قطاع التشييد والبناء، الذي يسهم بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وخلق ما يُقدَّر بـ 4.2 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال عشر سنوات.
لكن هذا الدور لا يخلو من مفارقة: فالبرنامج نجح في تحريك الاقتصاد، لكنه يعمل داخل سوق عقاري لا يزال يحكمه منطق المضاربة والتحوّط، لا منطق الاستخدام الاجتماعي.
أحد الجوانب الأقل تناولًا في النقاش العام هو البعد المكاني للبرنامج، إذ لم يقتصر «سكن لكل المصريين» على أطراف المدن الكبرى، بل امتد إلى معظم المحافظات، في محاولة لتقليل فجوة التنمية والهجرة الداخلية نحو القاهرة، كما استهدف فئات محددة بوضوح كالمرأة المعيلة (بنسب وصلت إلى 40% في بعض الطروحات)، والشباب ومحدودي ومتوسطي الدخل.
هذه الاختيارات ليست محايدة، بل تعكس تصورًا ضمنيًا لدور الدولة في إعادة توزيع الفرص، لا الاكتفاء بضبط المؤشرات الكلية.
رغم هذا النجاح النسبي، تظل التجربة محكومة بحدود واضحة فالبرنامج لا يغطي كل احتياجات الإسكان، خصوصًا للطبقتين الوسطى والدنيا في المدن القائمة، ويظل مرتبطًا بدعم مباشر أو غير مباشر من الدولة، ما يجعله عرضة لضغوط المالية العامة، ولا يعالج بمفرده اختلالات سوق الإيجار، ولا أزمة الوحدات المغلقة، ولا التشوهات التشريعية المتراكمة.
بعبارة أخرى، «سكن لكل المصريين» لا يمكنه وحده أن يحمل عبء العقد الاجتماعي بأكمله.
إن القيمة الحقيقية للبرنامج لا تكمن فقط في عدد الوحدات أو حجم التمويل، بل في الرسالة السياسية الكامنة خلفه: إن الدولة لا تستطيع إدارة التحولات الاقتصادية الكبرى دون توفير حد أدنى من الأمان السكني، لكن تحويل هذه الرسالة إلى عقد اجتماعي مستدام يتطلب توسيع البرنامج ليشمل الإسكان المتوسط الحضري، وربطه بإصلاح تدريجي لقانون الإيجار، وتوجيه خفض أسعار الفائدة المتوقع لدعم السكن الحقيقي لا المضاربة، ودمجه في سياسة عمرانية شاملة مرتبطة بفرص العمل والنقل والخدمات.
عمومًا فإن «سكن لكل المصريين» ليس حلًا نهائيًا لأزمة السكن في مصر، لكنه أهم تدخل عام في هذا الملف منذ عقود، وهو يطرح سؤالًا أوسع من الإسكان ذاته: هل تعود الدولة للعب دورها كضامن للحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، أم يظل تدخلها استثناءً مؤقتًا داخل سوق غير منضبط؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان السكن سيبقى مجرد أصل مالي أم يعود ليكون أحد أعمدة العقد الاجتماعي في مصر.
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: سکن لکل المصریین فی مصر
إقرأ أيضاً:
العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟
الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.
وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.
الاقتصاد كمشروع جماعي
تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.
في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.
وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.
وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.
خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد
يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".
ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.
أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.
ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.
أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.
نقد للنمو التقليدي
من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.
وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.
وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.
وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.
إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟
يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.
فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.
ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.
كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال
ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.
فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.
وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.
ما بعد منطق السوق
في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.
ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".
وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.
ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.