لم تُعد الألعاب الإلكترونية مجرد ترفيه منزلي أو شخصي، بل أصبحت مدخلًا لفهم التحولات المُتسارعة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
فبحسب شركة نيوزو المتخصصة في أبحاث سوق الألعاب الإلكترونية (2024)، يشكل هذا القطاع إحدى أسرع الصناعات الرقمية نموًا على مستوى العالم؛ إذ يشمل سوق الألعاب الإلكترونية جميع الإيرادات الناتجة عن الألعاب الرقمية عبر مختلف المنصات، بما فيها ألعاب الهواتف الذكية وألعاب الحاسوب وألعاب الأجهزة المنزلية إضافة إلى مبيعات الألعاب والمشتريات داخلها والاشتراكات والإيرادات المرتبطة بالأنشطة التنافسية والرياضات الإلكترونية.
وتُظهر بيانات شركة نيوزو أن سوق الألعاب الإلكترونية العالمي حقق إيرادات بلغت نحو 190 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع توقعات بتجاوز حاجز 200 مليار دولار أمريكي خلال عام 2026، مدفوعًا بنمو ألعاب الهواتف الذكية ونماذج الاشتراك والخدمات الرقمية.
ووفقًا لتقرير تحليلات قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات (2024) الصادر عن شبكة ديلويت العالمية للخدمات المهنية، تشير خريطة الدول الرائدة في سوق الألعاب الإلكترونية إلى الولايات المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية بوصفها قوى محركة رئيسة عالميًّا لهذا السوق، غير أن أسباب الريادة تتجاوز حجم السوق المحلي. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يرفد القطاع منظومة تقنية ومالية تتيح تمويل الاستوديوهات والاستحواذات وتوسيع النشر عالميًّا، بينما تُسهم في الصين ضخامة قاعدة المستخدمين وتطور منصات الدفع الرقمي في تسريع نماذج المجاني مع المشتريات داخل اللعبة.
أما اليابان وكوريا الجنوبية فتقدمان مثالًا على التراكم المعرفي في التصميم والإنتاج، إلى جانب ثقافة تنافسية وبيئة احترافية للرياضات الإلكترونية، بما يعكس أن التفوق الحقيقي يتكوّن عندما تتكامل عناصر المواهب وحاضنات الأعمال والناشرون وقنوات التسويق والأطر التنظيمية والتشريعية لحماية الملكية الفكرية وتنمية الاقتصاد الإبداعي.
في السياق الخليجي، أشار تقرير غلوبال داتا - تحليلات سوق الألعاب الإلكترونية (2024) إلى أن المملكة العربية السعودية برزت خلال السنوات الأخيرة بوصفها تطبق سياسات توطين صناعة الألعاب، بدلًا من الاكتفاء باستهلاكها. وفي هذا الإطار، اتجهت المملكة العربية السعودية إلى الاستثمار في منظومة الألعاب والرياضات الإلكترونية عبر تمويل واستقطاب الشركات وبناء فعاليات كبرى تدعم السوق وتخلق وظائف نوعية في مجالات البرمجة والتصميم وإدارة المجتمعات الرقمية. وتُظهر المقارنات القطاعية أن السياسات الناجحة هي التي توازن بين جذب الاستثمار وبناء القدرات الوطنية، حتى لا يتحول السوق إلى إنفاق استهلاكي صِرف. ووفقًا لصندوق الاستثمارات العامة السعودي (2022) فإن المملكة العربية السعودية تستهدف استثمار ما يصل إلى نحو 38 مليار دولار أمريكي في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، ضمن استراتيجية طويلة الأجل تهدف إلى توطين الصناعة وبناء منظومة رقمية مولِّدة للقيمة وفرص العمل.
وفي السياق العُماني، يمكن لسوق الألعاب الإلكترونية أن يشكل رافعة للاقتصاد الرقمي إذا نُظر إليه كصناعة محتوى قابلة للتصدير، لا كمجرد نشاط ترفيهي.
فالألعاب تجمع مهارات وتقنيات تُعد من ركائز التحول الرقمي، تشمل البرمجة والذكاء الاصطناعي وتصميم الواجهات وتجربة المستخدم والرسومات ثلاثية الأبعاد والأمن السيبراني وتحليل البيانات. ومن هذه الزاوية، تصبح الألعاب بوابة لتأهيل الكوادر الوطنية لوظائف رقمية عالية القيمة، وتفتح مجالًا لشركات صغيرة ومتوسطة تقدم خدمات تصميم ورسوميات وصوتيات وتسويق رقمي يمكن تصديرها خارجيًّا. هذا يتقاطع مع منطق البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي الذي تشرف عليه وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، من حيث بناء قطاعات رقمية مولِّدة للدخل وفرص العمل.
ورغم هذه الإمكانات، فإن واقع سوق الألعاب الإلكترونية في سلطنة عُمان يبدو أنه يتشكل على هيئة مُبادرات متفرقة ومواهب فردية، مع حضور محدود نسبيًّا لاستوديوهات إنتاج قادرة على الإطلاق التجاري العالمي. التحديات في سوق الألعاب الإلكتروني في سلطنة عُمان: يشمل نقص التمويل المتخصص للمشاريع الإبداعية ومحدودية الناشرين والشركاء التسويقيين وفجوة التدريب المتقدم في التصميم والإنتاج وضعف حماية الملكية الفكرية والتحويل التجاري للأفكار.
وفي المقابل، تمتلك سلطنة عُمان فرصًا تنافسية: تشمل، استثمار المواهب الشابة وبناء محتوى يعكس الهوية الثقافية العُمانية بأسلوب عالمي وتطوير خدمات مساندة والصوتيات والتوطين اللغوي.
ولرفع مساهمة سوق الألعاب الإلكترونية في الاقتصاد الرقمي في سلطنة عُمان، يتطلب وضع حزمة عمل مترابطة تبدأ بوضع مسارات تعليمية قصيرة ومركزة، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص، وتشمل مجالات مثل الرسوميات وإدارة المنتج وتطوير الألعاب وغيرها. ويُضاف إلى ذلك توفير تمويل أولي للمشروعات الناشئة وحاضنات متخصصة للألعاب، تعمل على ربط الاستوديوهات الناشئة بالمرشدين والناشرين وشبكات التوزيع.
كما تتطلب هذه الحزمة وضع أطر تنظيمية وتشريعية واضحة لحماية الملكية الفكرية وتسهيل تأسيس الشركات وتعاقداتها. وفي السياق نفسه، تبرز أهمية تبنّي استراتيجية التصدير أولًا عبر شراكات توزيع وتسويق واختبارات جودة وتشجيع بناء خدمات مساندة قابلة للتدويل.
كذلك يُعد الاستثمار في الفعاليات والرياضات الإلكترونية عاملًا مُهمًّا لتوسيع السوق المحلي وخلق طلب مستدام يحفّز المنتجين. وبهذه المقاربة، يمكن أن تتحول الألعاب الإلكترونية من إنفاق استهلاكي إلى صناعة رقمية مُنتجة ترفد مستهدفات الاقتصاد الرقمي وتُسهم في بناء وظائف مستقبلية بما يتوافق مع مستهدفات البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي و«رؤية عُمان 2040».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: سوق الألعاب الإلکترونیة والریاضات الإلکترونیة
إقرأ أيضاً:
العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط
في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة ملايين الأشخاص حول العالم، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذا الحضور الرقمي المكثف على الصحة النفسية والسلوكية للأفراد.
ولم تعد منصات التواصل مجرد أدوات للتفاعل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى بيئات رقمية متكاملة تؤثر في أنماط التفكير واتخاذ القرار وبناء العلاقات الاجتماعية، خاصة لدى الأجيال الشابة التي نشأت داخل العصر الرقمي.
معدلات استخدام الإنترنت
ومع الارتفاع الكبير في معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، بدأت مؤسسات بحثية وطبية في التحذير من التداعيات المحتملة للإفراط في استخدام الشاشات، في ظل مؤشرات متزايدة تربط بين الاستخدام المفرط وظهور اضطرابات نفسية وسلوكية ومعرفية تؤثر على جودة الحياة اليومية.
كما اتسع الجدل عالميًا حول مدى مسؤولية شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي عن تصميم تطبيقات تستهدف إبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة داخلها، وهو ما دفع جهات تعليمية وقانونية للمطالبة بإعادة النظر في هذه السياسات ووضع ضوابط تحد من آثارها السلبية.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور أحمد هارون، استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان، من التأثيرات المتصاعدة لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والسلوكية، مؤكدًا أن العالم بات أكثر إدراكًا للمخاطر المرتبطة بالاستخدام المفرط لهذه المنصات، خصوصًا بين الأطفال والمراهقين الأكثر تأثرًا بالمحتوى الرقمي.
وأوضح هارون أن هناك عددًا متزايدًا من الدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركات ومنصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يتعلق بتداعيات هذه المنصات على الصحة النفسية للنشء والشباب، إضافة إلى اتهامات تتعلق بآليات تصميم تشجع على الإدمان الرقمي وزيادة زمن الاستخدام.
وأضاف أن الجمعية الأمريكية لعلم النفس أشارت إلى مفهوم «تعفن الدماغ» أو Brain Rot، والذي يصف مجموعة من التأثيرات المعرفية الناتجة عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي والتعرض المستمر للشاشات، بما قد يؤدي إلى تراجع بعض القدرات الذهنية والإدراكية.
وبيّن أن هذه الحالة قد ترتبط بضعف الذاكرة وتشتت الانتباه وصعوبة التركيز، إلى جانب الشرود الذهني واضطرابات النوم وزيادة العصبية وتغيرات الشهية وانخفاض الدافعية لإنجاز المهام اليومية.
وأكد استشاري الصحة النفسية أن تأثير الاستخدام المفرط لا يقتصر على الجانب الذهني فقط، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع، حيث يقلل الانشغال المستمر بالهواتف من جودة التواصل المباشر بين الأفراد.
واختتم بالتأكيد على أن الاستخدام المتوازن والواعي للتكنولوجيا أصبح ضرورة أساسية، داعيًا إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والرياضية والثقافية، لتحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية والحفاظ على الصحة النفسية وجودة العلاقات الإنسانية.