أدوات الإمارات الجديدة لمعركة الاستنزاف في اليمن
تاريخ النشر: 18th, January 2026 GMT
لم يكن الإذعان الإماراتي لطلب الانسحاب العسكري من أراضي الجمهورية اليمنية خلال مدة أقصاها 24 ساعة فقط، سوى انحناء للعاصفة، وتقدير مبكر لواقع ميداني سوف تتبدد فيه القوة العسكرية الميدانية المساندة، وقد كان، ولدورٍ إقليمي لها انحسرت عنه المشروعية والغطاء القانوني، فأضمرت على الفور نية لاعتماد أساليب جديدة واستخدام أدوات مختلفة أهمها تفعيل دبلوماسية ظلٍ مكثفةٍ في الأروقة الدولية، مسنودة بكتائب التشويه متعددة الجنسيات المرابطة في قلب المشروع الصهيوني، والاستخدام المستميت للشارع اليمني، كأدوات بديلة لخوض معركة استنزاف طويلة الأمد ضد السعودية.
فقد عاود المحتجون المساندون للمشروع الانفصالي، وغالبيتهم العظمى من منتسبي التشكيلات المسلحة لما عُرف خلال السنوات القليلة الماضية بـ"القوات المسلحة الجنوبية"، التجمّّعَ الأسبوعي في ساحة العروض في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، في محاولة للحفاظ على الزخم المفتعل للمشروع الانفصالي، وأملا في مواجهة طويلة الأمد تخوضها أبو ظبي عبر الاحتجاجات الشعبية، ضد الدولة اليمنية وضد التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، في خضم معركة إثبات المشروعية التي حسمها الرئيس رشاد العليمي بصورة نهائية لصالح حفظ الكيان القانوني للجمهورية اليمنية، الذي كانت الإمارات وعبر حلفائها المحليين قد وجهت له أعظم تهديد أوائل شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
تدرك الحكومة اليمنية ومعها السعودية في هذه الأثناء، خطورة استمرار الإمارات في توظيف الشارع الواقع تحت وطأة أزمة معيشية ثقيلة، لمواصلة المشاركة في التجمعات الاحتجاجية، بفضل التمويل العابر للحدود، خصوصا في ظل توفر مؤشرات على أن هذه الاحتجاجات تتحول بصورة سريعة إلى مصدر للكسب المالي للمئات من المحرضين، وهو أمر قد يؤثر على الجهود المبذولة لتوحيد القوى العسكرية والأمنية تحت مظلة الحكومة، ولتطبيع الأوضاع وترسيخ دعائم الدولة اليمنية، وصولا إلى إنهاء كافة التهديدات التي لا تزال تتعرض لها.
هناك إصرار على تحويل التجمعات الاحتجاجية المحدودة من وسيلة للتعبير عن رغبة جزء من الشعب في "الانفصال"؛ إلى رأسمال سياسي إماراتي متحرك في جنوب اليمن. وتوجه كهذا لدى قادة أبو ظبي يخالطه شعورٌ بالزهو لعودة حضورهم في قلب المشهد اليمني محمولا على أكف المحتجين وحماسهم وتأييدهم المعلن للإمارات، بل إنه تحول إلى وسائط صاخبة لإيصال الشتائم والإساءات الإماراتية المزعجة للحكومة الشرعية، ولحليفتها المملكة العربية السعودية وقادتها، على نحو يعيد إلى الأذهان، المستوى المتدني من خطاب الأزمات الذي شهدناه إبان الأزمة الخليجية.
هناك غرفة عمليات سياسية وعسكرية وإعلامية تأسست في أبو ظبي، واستقطبت إليها متطوعين لا يختلفون كثيرا عن فرق القتل المأجورة التي استقدمتها الإمارات وضمت ضباطا وجنودا إسرائيليين وأمريكيين وفرنسيين، إلى مدينة عدن عام 2016، لاستهداف فئات سياسية محددة ينتمي معظمها إلى ما يعرف بـ"تيار الإسلام السياسي".
عبر هذه الغرفة عاود عيدروس الزُّبيدي إرسال الرسائل إلى مؤيديه، ليظهر كزعيمٍ لم يفقد صلته بمشروع "الجنوب العربي"، وذلك عبر تصريحات تتكئ بشكل كبير جدا على تجمعات عدن الاحتجاجية، وتبني عليها سياساتٍ ومواقف، وتصيغ من وحيها رسائل تحدٍ للاعب الأهم في الساحة اليمنية وهو المملكة العربية السعودية.
وفي خط مواز، تنشط الإمارات بحماس كبير جدا في محاولة لنبش الهوية الإسلامية "المتشددة" للمملكة العربية السعودية، عبر شبكة متعددة الجنسيات من الكتاب والصحفيين والإعلاميين والنشطاء والمؤثرين، مع محاولة لإقامة رابط بين الحكومة السعودية وبين الإسلام السياسي (الاخوان المسلمين) على وجه الخصوص.
تتوسل المعركة الإماراتية في هذه الجبهة، التصنيف الأخير الذي صدر من قبل وزارة الخزانة الأمريكية بحق حركة الإخوان المسلمين في منطقة الطوق العربي حول فلسطين المحتلة، حيث تبرع المنخرطون في المعركة الإماراتية الدعائية هذه، بإثبات أن الفرع الأخطر من جماعة "الإخوان المسلمين" موجود في اليمن.
إيلون ماسك، مالك منصة إكس، غرد مذكرا بالأفرع الأخرى التي لم يتم ضمها إلى قائمة التصنيف الأمريكية، في حين أعد الصحفي النمساوي مانفريد ماورر تقريرا مطولا نشرته صحيفة إكسبريس النمساوية، استمد مادته، على ما يبدو، من مصادر إماراتية، وركز فيه بشكل لافت على الحقوقية اليمنية العالمية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، بصفتها عضوا سابق في حزب الإصلاح الذي يعتبره الذراع السياسي للإخوان المسلمين.
وهنا يحرض الكاتب بشكل واضح على وجود السيدة كرمان ضمن لجنة معايير دولية لمحتوى شركة ميتا العالمية، وعلى تصريحات لها مؤيدة للديمقراطية في تركيا والرئيس أردوغان. أما المحفز الأكبر لهذا التحريض فيعود إلى الترحيب الذي أبدته كرمان بالتحول الأخير الذي أحدثته السعودية في الساحة اليمنية، ونتج عنه إخراج الإمارات من اليمن وهزيمة القوات الانفصالية في شرق البلاد.
واختتم ماورر تقريره بإشارة تكشف عن جوهر المحتوى الوظيفي لتقريره، حينما رأى أن الابتهاج المزعوم للإخوان المسلمين، بالتطورات الأخيرة في اليمن، ليس إلا "مواجهة مع الدولة العربية (يقصد الإمارات) التي تحذر الغرب مرارا من انتشار الإسلام السياسي، إلى حد أنها خفضت مؤخرا المنح لمواطنيها للدراسة في الجامعات البريطانية بسبب النفوذ الإسلامي هناك".
وفي حين تبقى تهديدات التدخل الإماراتي جدية للغاية، ثمة إصرار سعودي واضح على المضي بخطى متسارعة لدعم السلطة الشرعية بشكل مختلف هذه المرة، وتعزيز نفوذها عبر سلسلة من التدابير ذات الطابع العسكري والأمني والنقدي، مع نتائج ممتازة تتحقق كل يوم.
وما من شك في أن ما تقوم به الرياض، هو المسار الوحيد الذي ستبقى أمامه معركة الإمارات، يائسة ومحدودة الأثر، واستنزاف غير محسوب لمكانتها الإقليمية والدولية.
x.com/yaseentamimi68
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الإماراتي اليمنية السعودية السعودية اليمن الإمارات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة العربیة السعودیة
إقرأ أيضاً:
خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد
تشير توقعات ديموغرافية حديثة صادرة عن مراكز أبحاث دولية، من بينها مركز “بيو” للأبحاث، إلى أن العالم الإسلامي مقبل على إعادة تشكيل واضحة في خريطته السكانية بحلول عام 2030، مع بروز باكستان كأكبر دولة من حيث عدد السكان المسلمين عالميًا.
وتُظهر البيانات أن باكستان تتجه لتسجيل نحو 256.1 مليون مسلم، لتنتزع الصدارة من إندونيسيا التي يُتوقع أن يبلغ عدد سكانها المسلمين حوالي 238.8 مليون نسمة، بينما تحافظ الهند على موقع متقدم في المرتبة الثالثة بعدد يقدّر بنحو 236.2 مليون مسلم، ما يعكس استمرار الثقل الديموغرافي الكبير لجنوب آسيا داخل العالم الإسلامي.
وتؤكد هذه التقديرات أن مركز الثقل الإسلامي سيظل متمركزًا في آسيا وأفريقيا، مع نمو متسارع في دول ذات كثافة سكانية مرتفعة، بالتوازي مع توسع حضري وتحولات اقتصادية واجتماعية تؤثر مباشرة على معدلات النمو السكاني.
وفي المشهد العربي، تظهر مصر كأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان المسلمين المتوقع، بنحو 101.2 مليون نسمة، ما يعزز موقعها ضمن قائمة الدول العشر الأولى عالميًا، فيما تحافظ السعودية على حضورها في المراتب المتقدمة بعدد يقارب 35 مليون نسمة، إلى جانب الجزائر بنحو 41.2 مليون نسمة، والعراق بـ54.7 مليون نسمة، واليمن بـ37.1 مليون نسمة، والسودان بـ44.7 مليون نسمة، وسوريا بنحو 24.7 مليون نسمة.
كما تُظهر التوقعات استمرار تركيا وإيران ضمن المراتب الأولى في المنطقة، حيث يُتوقع أن يصل عدد السكان المسلمين في إيران إلى 89.6 مليون نسمة، مقابل 89.1 مليون في تركيا، ما يعكس تقاربًا ديموغرافيًا لافتًا بين البلدين داخل التصنيف العالمي.
وتشير البيانات كذلك إلى دخول دول غير تقليدية في قائمة أكبر التجمعات الإسلامية مثل نيجيريا وإثيوبيا وتنزانيا والنيجر، إضافة إلى أوزبكستان والصين، ما يعكس اتساع رقعة التوزيع الجغرافي للمسلمين عالميًا خارج الإطار التقليدي للشرق الأوسط.
ويرى خبراء ديموغرافيا أن هذه التحولات تعكس تغيرات طويلة الأمد في معدلات الخصوبة، والبنية العمرية للسكان، ومستويات التنمية، وهو ما يعيد رسم موازين القوة السكانية عالميًا، ويعزز دور آسيا وأفريقيا كمحركين رئيسيين للنمو السكاني في العالم الإسلامي خلال العقود المقبلة.