جدل الوحدة والانفصال في سياقه التاريخي !
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
تشكل قضية الوحدة اليمنية وانفصال الجنوب واحدة من التعقيدات السياسية الحديثة التي تتطلب فهماً دقيقاً للسياقات التاريخية والتحولات الإيديولوجية. فعندما أعلن المناضل علي سالم البيض رحمة اللَّه عليه في عام 1994م عن الانفصال وعودة “جمهورية اليمن الديمقراطية ” من دون ” الشعبية “، كان ذلك الإعلان في جوهره تأكيداً على فشل نموذج الوحدة الذي تم في 22 مايو 1990م، وليس تنكراً للهوية اليمنية الجامعة.
إن مشروع الجنوب الحالي ” الجنوب العربي ” يمثل تحول من التحرر الوطني إلى التبعية الاستعمارية، حيث يشهد المشروع الجنوبي تحولاً جوهرياً في توجهاته الإيديولوجية والسياسية. فبينما كان مشروع البيض يستند إلى إرث ثورة 14 أكتوبر التحررية ضد الاستعمار البريطاني، نجد أن الدعوة المعاصرة لمشروع ” الجنوب العربي ” تتجه نحو تبني إطار مرجعي استعماري بائد. هذا المشروع، كما يبدو من خطابه الرسمي ورموزه، يسعى عمداً لقطع الصلة التاريخية والهوياتية مع الأرض اليمنية والثقافة اليمنية المشتركة، وهو ما يمثل انزياحاً خطيراً عن منطق التاريخ والهوية.
وإذا نظرنا إلى السياق العالمي المتمثل في صراع الأمم ضد الهيمنة الاستعمارية. فإنه صراع يأتي ضمن توجه عام في لحظة تاريخية فريدة تشهد فيها معظم دول العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، صحوة وطنية ضد أشكال الهيمنة الجديدة. فمن تجربة بوليفار في أمريكا اللاتينية إلى حركة عدم الانحياز التاريخية، نجد أن منطق العصر ينحو نحو التحرر والاستقلال الحقيقي للقرار الوطني. حتى أن بعض الدول الخليجية شهدت في العقد الأخير تحولاً جوهرياً في سياستها الخارجية، مؤكدة على أولوية المصالح الوطنية والاستقلال الاستراتيجي.
وفي هذا السياق العالمي، يبدو إصرار بعض الفاعلين الجنوبيين على إحياء الهيمنة الاستعمارية من خلال مشروع ” الجنوب العربي ” بمثابة سير عكس اتجاه التاريخ.
هناك دوافع نفسية وسياسية دفعت إلى تبني هذا المشروع، حيث لا يمكن فهم هذا التناقض دون تحليل الظروف النفسية والسياسية التي ولدت هذا التوجه ” المشروع البائس “. فمعاناة الجنوبيين تحت نظام فساد ما بعد 7 يوليو 1994م، خلقت حالة من اليأس والإحباط الجماعي، تحولت إلى رغبة عاطفية جامحة في البحث عن أي مخرج، حتى لو كان على حساب الهوية والاستقلال الحقيقي.
ومن هنا تتداخل العاطفة مع السياسة، حيث أفضت ” الكارثة التأسيسية ” (حرب 1994م) لتوليد كراهية عمياء تجاه الشمال والهوية معاً، تدفع نحو قبول أي بديل حتى وإن كان استعمارياً أو عبر التطبيع مع كيان صهيوني نازي مجرم ارتكب إبادة جماعية ضد سكان قطاع غزة وشعب فلسطين (وهنا تبرز مفارقة صارخة كيف يمكن لمن يدعي بأنه يمثل قضية شعبية، وفي نفس الوقت يبدي استعداده للتطبيع مع كيان يبيد ويغتصب حق شعب أخر ” الشعب الفلسطيني ” ).
وهناك خلل في فهم الاستبداد الداخلي وعلاقته بالهيمنة الخارجية. إذ يقع داعمو مشروع ” الجنوب العربي ” في خطأ تحليلي جوهري، فهم يعتقدون أن الاستبداد الداخلي يمكن مواجهته بالارتماء في أحضان القوى الخارجية. لكن التاريخ السياسي المعاصر يثبت عكس ذلك، فمن تجربة شاه إيران (المدعوم أمريكياً) إلى الديكتاتوريات الأمريكية اللاتينية، نجد أن الأنظمة المستبدة غالباً ما تتعزز وتستمر بدعم خارجي. كما لاحظ ذلك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه ” الثقافة والإمبريالية ” حين قال : ” لا يمكن مقاومة الاستعمار بتبني أدواته “. فالاستبداد المحلي، في كثير من الحالات، ليس نقيضاً للهيمنة الخارجية، بل هو نتاج تحالف مصالح بين النخب المحلية والقوى الخارجية.
وفي الختام يبرز سؤال ما الحل ؟
نحو رؤية مستقبلية واقعية
إن التحدي الحقيقي أمام الجنوب ليس في البحث عن هوية مصطنعة منفصلة، ولا في تبني مشاريع وظيفية تخدم مصالح خارجية، بل في بناء حركة تحرر وطنية حقيقية، تستلهم إرث ثورة أكتوبر دون انغلاق، وتتعامل مع الشمال كشريك في مصير مشترك، دون تنازل عن الحقوق. فالوحدة الحقيقية هي التي تقوم على الاختيار الحر والتكافؤ والعدالة، وليست الوحدة القسرية أو الانفصال التابع.
إن القوى الخارجية المهيمنة التي أوجدت نظام 7/7 ودعمت استمراره، بل وشنت حرباً لإعادته إلى السلطة، هي نفسها التي قد يلجأ إليها مشروع ” الجنوب العربي ” اليوم. وهذا الارتماء في أحضان الهيمنة الخارجية لن ينتج سوى نظام جديد يشابه في استبداده وتبعيّته نظام 7/7، وإن اختلف عنـه في كونه يحمل واجهةً جنوبية، إذا ما نجح المشروع الانفصالي في تحقيق غايته.
ويمكن القول إن مشروع ” الجنوب العربي ” في صيغته الحالية يمثل انزياحاً خطيراً عن منطق التحرر الوطني، ولا يحمل حلاً لمشاكل الجنوب، بل يهدد بتحويله إلى كيان وظيفي تابع، يعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة. ولذا فإن المستقبل الحقيقي يكمن في مشروع وطني يضمن حقوق كل اليمنيين وفق علاقة تعاقدية متكافئة يضمن حقوق المواطنة والتعدد الثقافي فيه ويحقق العدالة الاجتماعية، وليس في العودة إلى أحضان الهيمنة الخارجية.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.