في ثقافة اليابان القديمة ولد فن الكينتسوجي Kintsugi كطريقة لعملية إصلاح الفخار المكسور لكنه سرعان ما تجاوز حدود المادة ليصبح فكرة إنسانية كاملة ترى في الانكسار بداية جديدة لا نهاية مؤلمة .

يقوم هذا الفن على إعادة جمع القطعة المحطمة باستخدام ورنيش ممزوج بمسحوق الذهب بحيث تتحول الشقوق إلى مسارات لامعة تشبه خيوط الضوء وكأنها تعلن أن الجرح ليس عيبا بل شهادة على النجاة وبينما قد يحاول الإنسان إخفاء ندوبه يختار الكينتسوجي Kintsugi أن يظهرها بوضوح ليقول إن ما نمر به من كسور يمكن أن يصبح هو ذاته مصدر الجمال وقوة الهوية.

تعكس هذه الفكرة مفهوم " الوابي سابي Wabi Sabi " الذي يحتفي بالنقص واللااكتمال ويستقبل التغير بوصفه جزءاً من جوهر الحياة وهو ما يقود إلى منظور إنساني عميق فالحياة لا تسير على خط مستقيم وكل تجربة مؤلمة تترك أثرها في الداخل لكن هذه الآثار لا ينبغي أن تطمس أو تخجل الإنسان منها بل يمكن أن تصبح جزءا من حكمة الوجود التي يحملها معه كلما تقدم خطوة إلى الأمام فالإنسان الذي يواجه انكساره بشجاعة ويتعامل مع ألمه بوعي يشبه تلك القطعة التي صارت خطوط الذهب فيها أكثر حضورا من كسورها.

يقدم " الكينتسوجي Kintsugi " إستعارة واضحة لما يحدث حين ننكسر وننهض إذ لا يعود الهدف إلى إستعادة ما كان كما كان بل إلى خلق معنى جديد ينبع من التجربة نفسها فالترميم هنا ليس عودة إلى الماضي بل عبورا إلى مستوى أعمق من النضج وهو ما يجعل الشقوق القديمة تتحول إلى دليل على الصمود والاستمرار فالأشخاص الذين تجاوزوا صدماتهم يحملون عادة هدوءا مختلفا ورؤية أكثر رحابة لأن الألم صقلهم ومنحهم قدرة على التعاطف وإحترام هشاشة الإنسان.

وهكذا يصبح " الكينتسوجي Kintsugi " دعوة لإعادة تعريف علاقتنا بذواتنا وبالعالم فكل ندبة تحمل قصة وكل جرح يمكن أن يتوهج يوما ما إذا واجهناه بوعي وصبر ليست القوة في أن نظل بلا كسور بل في أن نتعلم كيف نعيد تشكيل حياتنا بخطوط ذهبية تضيء الطريق نحو نسخة أعمق وأجمل من أنفسنا.

المستشار فرحان حسن

X: https://twitter.com/farhan_939

‏e-mail: fhshasn@gmail.com

اليابانفن الكينتسوجيقد يعجبك أيضاًNo stories found.

المصدر

المصدر: صحيفة عاجل

كلمات دلالية: اليابان

إقرأ أيضاً:

غروسي: لا يمكن إنهاء حرب إيران دون رقابة صارمة على الاتفاق النووي

أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن الوكالة لا تقدم لدولة الإمارات العربية المتحدة دعماً معنوياً فحسب، بل تشمل أيضاً دعماً فنياً في إطار التعاون القائم في مجال الطاقة النووية السلمية.

وأضاف غروسي الثلاثاء٬ أن التوصل إلى أي اتفاق لإنهاء الحرب في إيران لا يمكن أن يكون ممكناً دون التحقق الصارم من بنود الاتفاق ومراقبتها بشكل دقيق، مشدداً على أهمية دور الوكالة في ضمان الالتزام بالمعايير الدولية في هذا الملف الحساس.

وفي سياق متصل، أشار غروسي إلى أن السلطات الإماراتية تعاملت بسرعة وكفاءة مع حادث محطة براكة النووية، موضحاً أنه جرى إيقاف أحد المفاعلات بشكل احترازي نتيجة فقدان الطاقة الخارجية، في إطار إجراءات السلامة المعتمدة.

كما لفت إلى وجود عدد من الأنشطة الفنية التي سيتم تنفيذها لتعزيز التعاون ومواصلة تطوير منظومة الرقابة والدعم الفني في قطاع الطاقة النووية السلمية.

وجاءت تصريحات غروسي خلال استقباله في الدوحة من قبل الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، حيث جرى بحث علاقات التعاون بين دولة قطر والوكالة الدولية للطاقة الذرية وسبل تعزيزها، إلى جانب مناقشة آخر التطورات المرتبطة بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني وعدد من الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بحسب ما أفادت مصادر دبلوماسية.

مقالات مشابهة

  • مفوضية اللاجئين للأحرار: لا توطين للمهاجرين في ليبيا، وتركيزنا على الدعم الإنساني
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • غروسي: لا يمكن إنهاء حرب إيران دون رقابة صارمة على الاتفاق النووي
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • حزب الله يهدد إسرائيل بـرد أعمق على أي غارات تستهدف الضاحية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • سلطنة عُمان ومركز الحوار الإنساني يستعرضان نتائج التعاون وخطط تعزيزه
  • الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟