د. احمد بن إسحاق

 

أثار اللقاء التشاوري الذي عُقد في الرياض تمهيدًا لما وُصف بالحوار الجنوبي–الجنوبي، وما رافقه من رفع العلم الجنوبي وترديد النشيد الوطني الجنوبي بحضور قيادات جنوبية بارزة، موجة واسعة من القراءات المتباينة، تجاوزت الشارع الجنوبي إلى الأوساط السياسية والإعلامية اليمنية والإقليمية، وفتحت بابًا واسعًا للتساؤل حول دلالات هذا المشهد غير المسبوق داخل عاصمة المملكة.

 

من زاوية أولى، رأى قطاع من المراقبين أن المشهد موجّه أساسًا للداخل الجنوبي، في محاولة لتهدئة شارع لا يزال يغلي، ودحض الشائعات التي تتحدث عن تقييد حركة القيادات الجنوبية أو وضعها تحت الإقامة الجبرية، إضافة إلى بعث رسائل طمأنة للقوات الجنوبية بشأن مستقبلها السياسي والعسكري والاقتصادي. ويعزز هذا الفهم توصيف اللقاء بأنه “تشاوري” لا يحمل مخرجات ملزمة، وغياب أي بيان سياسي واضح، بما يوحي برغبة في الفصل بين ما جرى اليوم وبين الحوار الجنوبي الشامل المرتقب، وعدم تحميل هذا اللقاء أي التزامات مستقبلية.

 

وفق هذا الاتجاه، يُنظر إلى السماح برفع العلم الجنوبي بوصفه توظيفًا رمزيًا مؤقتًا، يهدف إلى امتصاص التوتر وإدارة اللحظة السياسية، لا إلى إعلان تحول استراتيجي. فالحوار الجنوبي الحقيقي – بحسب هذه القراءة – قد لا يبدأ إلا بعد أن تستكمل السعودية ترتيباتها على الأرض، وتضمن تحييد أي احتمالات للتصعيد أو التمرد أثناء مساره، على أن يُدار لاحقًا بسقوف منخفضة، بعيدًا عن شعارات تقرير المصير أو الانفصال، مع ترجيح مخرجات توافقية كإعادة تشكيل قيادة جنوبية تحت مظلة الشرعية.

 

في المقابل، يذهب اتجاه تحليلي آخر، لا يقل حضورًا، إلى قراءة المشهد بوصفه موقفًا سياسيًا متقدمًا، لا يمكن اختزاله في كونه تكتيكًا مرحليًا أو رسالة علاقات عامة. فرفع العلم الجنوبي وترديد نشيده الوطني داخل الرياض، وللمرة الأولى بهذا الوضوح والعلنية، يُعد – وفق هذا الرأي – كسرًا لسقف رمزي ظل محظورًا لسنوات، ويعكس تحولًا في مقاربة المملكة لملف الوحدة اليمنية، أو على الأقل قناعة متزايدة بفشل صيغتها التي قامت عليها دولة ما بعد 1990.

 

أنصار هذه القراءة يربطون المشهد بانسداد أفق التسوية مع صنعاء، وتعثر مشروع “استعادة الدولة” الذي استنزف السعودية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تحتاج فيها المملكة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتفرغ لملفاتها الكبرى. ومن هذا المنطلق، يُفهم السماح برمزية جنوبية مستقلة داخل الرياض باعتباره تمهيدًا هادئًا للانتقال من خطاب الوحدة الإلزامية إلى إدارة واقعية للتعدد السياسي والجغرافي في اليمن، دون إعلان صريح أو صدامي.

 

ويستشهد هذا التيار بحالة الارتباك التي بدت على بعض المنابر الإعلامية الوحدوية، خصوصًا الشمالية، والتي عبّرت عن قلقها من مشهد العلم الجنوبي داخل العاصمة السعودية، معتبرة إياه مؤشرًا مقلقًا، حتى وإن لم تذهب إلى تفسير أبعاده العميقة. فلو كان الأمر مجرد “تفهم ظرفي” لتيار انفصالي، لما كان لرمزية المكان والتوقيت كل هذا الوقع.

 

كما لا يمكن فصل توقيت اللقاء عن تزامنه مع اجتماع مجلس الأمن، وهو ما يفتح الباب أمام تفسير ثالث، يرى في المشهد رسالة مزدوجة: رسالة خارجية تنفي اتهامات تقييد الحريات السياسية، ورسالة داخلية تؤكد أن المملكة باتت أكثر مرونة في إدارة الملف الجنوبي، سواء بوصفه ورقة تفاوضية أو خيارًا مستقبليًا مفتوحًا.

 

في المحصلة، يبقى رفع العلم الجنوبي في الرياض حدثًا متعدد الدلالات، قابلًا لقراءتين رئيسيتين: قراءة تعتبره تكتيكًا مرحليًا محسوبًا لإدارة التوتر وتحسين الصورة دون تغيير جوهري في الموقف، وقراءة أخرى تراه مؤشرًا على تحول أعمق في نظرة المملكة لمآلات الوحدة اليمنية ومأزق الحرب الطويلة. وبين هاتين القراءتين، يتحدد المعنى الحقيقي للمشهد ليس بما رُفع من رموز، بل بما سيتبعه من خطوات، أو بما سيغيب عنها من صمت طويل.

المصدر

المصدر: موقع حيروت الإخباري

إقرأ أيضاً:

انعقاد الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري – الكوري الجنوبي

التقى د. بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، يوم الثلاثاء ٢ يونيو، بتشو هيون وزير خارجية كوريا الجنوبية، وذلك خلال الزيارة التي يجريها إلى سول، حيث عقد الوزيران الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين.

وصرح السفير تميم خلاف المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية أن الوزير عبد العاطي أكد أهمية انعقاد هذه الجولة باعتبارها الأولى من نوعها بين البلدين، مشدداً على أهمية البناء على نتائج زيارة رئيس جمهورية كوريا إلى مصر في نوفمبر ٢٠٢٥، والتطلع إلى تعزيز وتيرة الزيارات الثنائية رفيعة المستوى بما يسهم في الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية ويدفع أطر التعاون والشراكة بين البلدين إلى آفاق أرحب.

خلال لقائه مع قناة كورية.. وزير الخارجية يستعرض تطورات غزة والسودان ولبنان وجهود الإصلاح الاقتصاديوزير خارجية فرنسا: "لا شيء يبرر" استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنانوزير الخارجية لأعضاء الجالية المصرية بكوريا الجنوبية: نعتز بدوركممحاضرة وزير الخارجية بهانكوك : سياسة مصر ترتكز على القانون الدولي وتعزيز التنمية

كما أعرب وزير الخارجية عن التطلع لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع كوريا الجنوبية، مشيراً إلى ضرورة تكثيف الزيارات الاستثمارية المتبادلة، مؤكداً أهمية تفعيل مجلس الأعمال المصري – الكوري المشترك ودعم دوره بما يسهم في توسيع وتعميق الروابط بين دوائر الأعمال في البلدين والتطلع لتنظيم منتدى اقتصادي مصري – كوري سنوي لتعزيز الشراكات بين مجتمعي الأعمال. 

واضاف المتحدث الرسمى أن الوزير عبد العاطي استعرض التطورات الإيجابية التي يشهدها الاقتصاد المصري في ضوء حزمة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي نفذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، والتي أسهمت في تحسين مناخ الأعمال وتعزيز جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الأجنبية. كما سلط الضوء على المزايا التنافسية التي تتمتع بها مصر باعتبارها بوابة رئيسية للأسواق الأفريقية في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، فضلاً عن الفرص الاستثمارية الواعدة المتاحة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مشيراً إلى الحوافز والتسهيلات التي توفرها الحكومة المصرية للمستثمرين، بما في ذلك تيسير الإجراءات الاستثمارية، وتوفير الأراضي الصناعية، مرحبا بتوسيع الاستثمارات الكورية القائمة وجذب استثمارات جديدة في القطاعات ذات الأولوية.

كما أعرب الوزير عبد العاطي عن التقدير لاختيار كوريا الجنوبية مصر شريكاً استراتيجياً للتعاون الإنمائي، والتطلع إلى مناقشة مشروعات جديدة في إطار شراكة المساعدة الإنمائية الرسمية الكورية، خاصةً في مجالات التعليم، والعلوم والتكنولوجيا، وتنمية الموارد البشرية بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين، سواء من خلال توفير عمالة مدربة للمصانع والشركات الكورية العاملة في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، أو من خلال المساهمة في سد بعض احتياجات سوق العمل الكوري. 

كما تناول الوزير فرص التعاون الثلاثي بين مصر وكوريا الجنوبية والدول الأفريقية، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة، مستعرضاً الدور الذي تضطلع به مصر كبوابة رئيسية إلى القارة الأفريقية، ومشيراً إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والوكالة الكورية للتعاون الدولي على هامش قمة كوريا – أفريقيا عام ٢٠٢٤، باعتبارها إطاراً واعداً لدفع التعاون المشترك في القارة الأفريقية. كما استعرض الوزير عبد العاطي كذلك الاستعدادات الجارية لاستضافة مصر النسخة الأولى من منتدى الأعمال "العلمين – أفريقيا" خلال الشهر الجاري، مؤكداً أن المنتدى سيمثل منصة مهمة لتعزيز الشراكات التجارية والاستثمارية على مستوى القارة الأفريقية، وموجهاً الدعوة إلى الجانب الكوري للمشاركة الفاعلة في المنتدى والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التي توفرها الأسواق الأفريقية.

كما تناول وزيران التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، حيث استعرض وزير الخارجية موقف مصر من تطورات المفاوضات الامريكية الإيرانية، والأوضاع في غزة والسودان ولبنان، فضلا عن ملف الأمن المائي المصري والأوضاع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مؤكداً ان قضية المياه تعد قضية وجودية لمصر.

من جانبه، اشاد الوزير الكورى بعمق العلاقات المصرية - الكورية، معبرا على تطلعه للارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية فى جميع المجالات، كما اشاد بالدور المحورى وبالبناء الذى تضطلع به مصر لدعم الامن والاستقرار فى الشرق الاوسط.

طباعة شارك بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي تشو هيون وزير خارجية كوريا الجنوبية رئيس جمهورية كوريا التعاون الاقتصادي والاستثماري

مقالات مشابهة

  • صدمة داخل الزمالك .. تفاصيل جديدة عن عقوبة إيقاف القيد لفترتين
  • من ماسبيرو فرصة ذهبية لعودة التليفزيون المصرى المنافسة
  • خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد
  • مصر و7 دول تدين اقتحامات الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته
  • جناح سعودي ضخم في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي
  • "سانا": قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل في ريف القنيطرة الجنوبي
  • واشنطن تُثني على موقف الإطار بشأن حصر السلاح وفك ارتباط الحشد
  • انعقاد الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري – الكوري الجنوبي
  • اعفاءات من مؤسسة مياه الجنوبي
  • استشاري تغذية يُحذر من زيوت التحمير: سموم غير مرئية (فيديو)