اللعب بالنار على حافة الشرق الأوسط، !!
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
واشنطن وطهران في سباق كسر الأعصاب، ، في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائمًا بإطلاق الصواريخ، بل بسوء تقدير واحد، أو غرور سياسي يعتقد أن الخصم سيرمش أولًا. ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران اليوم ليس دبلوماسية، ولا تهدئة، بل لعبة خطرة لإدارة الخوف، حيث يرفع كل طرف السلاح دون أن يضغط الزناد، منتظرًا أن ينهار الطرف الآخر نفسيًا قبل أن ينهار ميدانيًا.
التصعيد الأمريكي ثم التراجع السريع لم يكن ارتباكًا، بل انعكاسًا لحقيقة أكثر قسوة: واشنطن تريد الضربة، لكنها تخشى ثمنها. تريد أن تُظهر القوة دون أن تدخل الحرب، وأن تحاصر إيران دون أن تُفجر المنطقة. لهذا بدا الخطاب الأمريكي متناقضًا، قاسيًا في لحظة، ومرنًا في أخرى، كأن البيت الأبيض يختبر إلى أي مدى يمكن شدّ الحبل قبل أن ينقطع.
داخل الإدارة الأمريكية، الصراع حاد.هناك من يرى أن التردد أخطر من الضربة، وأن صورة الولايات المتحدة تتآكل كلما رفعت التهديد ثم تراجعت. وفي المقابل، هناك من يدرك أن أي ضربة، مهما وُصفت بـ { المحدودة أو الذكية} قد تتحول إلى كرة نار تتدحرج عبر الخليج، وتصل إلى القواعد العسكرية، والممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وربما إلى داخل إسرائيل نفسها. هذه ليست حربًا يمكن التحكم في مسارها، بل مقامرة مفتوحة على الفوضى.
المنطقة، التي خبرت كلفة الحروب بالوكالة، لم تكن متحمسة لأن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات أمريكية - إيرانية. رسائل التحذير التي خرجت من عواصم عربية لم تكن مجاملات دبلوماسية، بل تعبيرًا صريحًا عن خوف حقيقي: أي شرارة في الخليج تعني شللًا اقتصاديًا، واضطرابًا أمنيًا، وارتدادات لن تقف عند حدود السياسة. لهذا فُرض الكبح الإقليمي على الاندفاعة الأمريكية الأولى.
أما إسرائيل، التي يُفترض دائمًا أنها الأكثر حماسًا للمواجهة، فبدت هذه المرة أكثر حسابًا للأكلاف. فالمشهد الإقليمي لا يسمح بمغامرة غير مضمونة النتائج، والجبهة الداخلية ليست في وضع مثالي لتحمل وابل صاروخي مباشر أو عبر حلفاء إيران. الدعم السياسي لأي قرار أمريكي لا يعني الرغبة فيه، بل محاولة لتجنب الظهور بموقع المعطِّل، مع الاحتفاظ بحق التراجع إذا انفجر المشهد.
في طهران، لم يكن السلوك أقل براجماتية. النظام يدرك أن الصراخ العالي لا يعني القدرة على خوض حرب مفتوحة. تشديد القبضة الأمنية في الداخل، وضبط مستوى القمع، وقطع قنوات التواصل، كلها إجراءات تهدف إلى منع انهيار داخلي قد يُستخدم ذريعة لتدخل خارجي. إيران تحاول أن تبدو قوية بما يكفي لردع الضربة، وضعيفة بما يكفي لعدم استفزازها.
هذا التوازن القلق منح واشنطن فرصة التراجع التكتيكي دون خسارة كاملة للهيبة. تراجع في التصريحات، يقابله استعداد عسكري فعلي. حاملات طائرات تتحرك، ومنظومات دفاع تُنشر، ورسائل تُرسل بصمت. إنها سياسة التهديد الصامت: أن تكون جاهزًا للضربة دون أن تُعلن ساعة الصفر.
لكن أخطر ما في المشهد ليس ما يُقال، بل ما قد يحدث خارج الحسابات. استمرار حالة اللاحرب - اللاسلم -- يبدو خيارًا مريحًا مؤقتًا، لكنه هش. الضربة المحدودة تظل احتمالًا قائمًا، خصوصًا إذا شعر صانع القرار الأمريكي بأن التردد يتحول إلى ضعف. أما السيناريو الكارثي، فهو الانزلاق غير المقصود، حين يتحول حادث صغير، أو رد فعل مبالغ فيه، إلى سلسلة تصعيد لا يمكن إيقافها.
في الخلفية، تُلوّح واشنطن بورقة، -البدائل-، لا لأنها تملك مشروعًا جاهزًا، بل لأنها تريد إبقاء النظام الإيراني في حالة قلق دائم. تداول الأسماء ليس خطة بقدر ما هو أداة ضغط نفسية، ورسالة مفادها أن كل الخيارات مطروحة، حتى وإن كانت غير ناضجة أو محفوفة بالمخاطر. لكن هذا اللعب قد ينقلب على أصحابه، حين يُستخدم لتغذية خطاب المؤامرة بدل إضعافه.، ،
في النهاية --، أن ما نشهده ليس سلامًا، بل هدنة أعصاب. وليس تراجعًا، بل انتظارًا. الجميع يعرف أن كلفة الحرب عالية، لكن الجميع أيضًا يختبر حدود الآخر. في هذه اللعبة، لا رابح حقيقي، بل خاسر مؤجل.
وفي الشرق الأوسط، حيث الحروب كثيرًا ما تبدأ بخطأ حساب واحد، يبقى السؤال الأكثر رعبًا:
هل يظل اللعب على الحافة ممكنًا، أم أن أحدهم سيسقط، ويجرّ المنطقة كلها معه.. .؟
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الشؤون الجيوسياسية والصراعات الدولية، ، ، !!
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: دون أن
إقرأ أيضاً:
حسام الحداد يكتب: ما بعد "الغموض الاستراتيجي".. الشرق الأوسط في مرحلة "التموضع القسري"
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
يواجه الشرق الأوسط في يونيو 2026 منعطفاً جيوسياسياً شديد الحساسية، حيث أدى انهيار قواعد الاشتباك التقليدية بين طهران وتل أبيب إلى دفع المنطقة نحو حالة غير مسبوقة من "السيولة الاستراتيجية". ولم يعد الصراع محصوراً في إطاره الإقليمي المعتاد أو ضمن حروب الوكالة التي ميزت العقود الماضية، بل اتخذ أبعاداً مباشرة ومكشوفة تضع توازنات القوى برمتها على المحك، وسط ترقب دولي حذر لما قد تؤول إليه هذه المواجهة المفتوحة من تهديدات وجودية تمس أمن الإقليم واستقراره.
وفي خضم هذا التصعيد الميداني، يبرز تباين حاد بين الطموحات الدبلوماسية والواقع على الأرض؛ فبينما تسعى القوى الدولية، بقيادة تحركات دبلوماسية أمريكية لافتة، إلى احتواء الانفجار الإقليمي الشامل عبر قنوات خلفية ومبادرات سياسية قد تعيد تعريف العلاقة مع طهران، تظل الجبهة اللبنانية ساحة لاختبار قوة الإرادة. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في وقف تبادل الضربات، بل في مدى قدرة الأطراف المعنية على تفكيك شبكات النفوذ المتغلغلة في مؤسسات الدولة، مما يجعل من المرحلة الراهنة اختباراً حقيقياً لمستقبل السيادة والاستقرار الإقليمي في ظل واقع ميداني يتسم بالتقلب والتعقيد.
حسام الحداد يكتب: حافة الانفجار.. التداعيات الجيواقتصادية لأزمة هرمزجسور دبلوماسية تحت نيران الحرب
تتقاطع الجهود الدبلوماسية الهادئة مع تصعيد عسكري متسارع، حيث كشفت تقارير صادرة عن صحيفة The Guardian عن تفعيل قنوات خلفية واتصالات غير مباشرة بين القوى الفاعلة، في محاولة حثيثة لاحتواء فتيل المواجهة قبل انزلاقها نحو صدام إقليمي واسع النطاق.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه العواصم الكبرى حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لتهدئة "الجبهات الملتهبة"، وسط مساعٍ دولية لفرض ترتيبات أمنية جديدة تضمن وقف تبادل الضربات الذي بات يهدد الاستقرار الهش للمنطقة.
وفي سياق سياسي لافت، برز تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ألمح فيه إلى إمكانية إبرام "اتفاق جديد" مع طهران، وهو ما أثار تكهنات واسعة في الأوساط السياسية الدولية. هذا التحول في الخطاب يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول استدامة استراتيجية "الضغط الأقصى" التي ميزت السياسة الأمريكية في فترات سابقة، مقابل الانفتاح على مسار دبلوماسي براغماتي قد يغير قواعد الاشتباك، مما يضع المراقبين أمام جدلية مستمرة: هل ستنتصر لغة الحوار والمصالح المشتركة، أم أن الإرث المتراكم من التوترات سيظل حائلاً دون تحقيق اختراق حقيقي؟
على الضفة الأخرى من هذا الحراك السياسي، تظل الوقائع الميدانية على الجبهة الشمالية لإسرائيل تفرض إيقاعاً مغايراً تماماً. فرغم نبرة التهدئة التي تتصدر النقاشات في الغرف المغلقة، لا تزال العمليات العسكرية المتبادلة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله مستمرة بوتيرة متصاعدة، مما يعكس فجوة عميقة ومتجذرة بين الطموحات الدبلوماسية والواقع الميداني المعقد. ويبدو أن الميليشيات المسلحة أصبحت تمتلك "هامش مناورة" مستقل على الأرض، مما يجعل التنسيق بين المسارين السياسي والعسكري تحدياً استثنائياً، ويُبقي احتمالات التصعيد خياراً قائماً رغم كافة المساعي الدولية لضبط النفس.
حسام الحداد يكتب: الملف النووي الإيراني.. بين "صفقة القرن" للمضائق وهاجس الردع الأمريكيمعضلة "الشبكة السياسية": ما بعد السلاح
تتجاوز الأزمة الراهنة في أبعادها حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتغوص في تعقيدات هيكلية تمس صلب البنية السياسية اللبنانية. وفي تحليل معمق أصدره The Washington Institute، يضع الخبراء أيديهم على جوهر المعضلة، مشيرين إلى أن سلاح حزب الله لم يعد مجرد أداة قتالية فحسب، بل تحول إلى ركيزة في نظام سياسي متداخل.
ويؤكد التقرير أن محاولات التعامل مع هذا الملف تظل بالغة التعقيد والخطورة، نظراً للارتباط العضوي العميق بين التنظيم والنسيج السياسي والإداري للدولة في بيروت، مما يجعل أي مقاربة أمنية مجردة عن السياق السياسي ضرباً من المخاطرة غير المحسوبة.
ويحذر التحليل ذاته من أن اللجوء إلى الحلول العسكرية المنفردة لفرض واقع جديد قد يأتي بنتائج عكسية، إذ قد تؤدي هذه المحاولات إلى زعزعة استقرار الدولة اللبنانية الهشة أصلاً بدلاً من إصلاحها.
ويرى خبراء المعهد أن أي استراتيجية فعالة يجب أن تتجاوز الصدام المباشر لتتبنى خطة شاملة تهدف إلى تفكيك "الشبكة السياسية الإيرانية" التي نسجت خيوطها داخل مؤسسات الدولة على مدى عقود طويلة، مما يتطلب تضافر جهود سياسية واقتصادية لتقليص هذا النفوذ المتغلغل.
وفي هذا الصدد، يخلص التقرير إلى أن العمليات العسكرية، مهما بلغت دقتها أو قوتها، ستظل قاصرة عن تحقيق استقرار مستدام ما لم تكن جزءاً من استراتيجية سياسية متكاملة. إن جوهر الحل، وفقاً للرؤية المطروحة، يكمن في ضرورة استعادة سيادة مؤسسات الدولة اللبنانية وتحرير مفاصلها من قبضة الوكلاء الإقليميين، وهو مسار طويل وشاق يتطلب إصلاحاً جذرياً للنظام السياسي اللبناني، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على دعم الدولة دون الانزلاق إلى مستنقع الفوضى.
حسام الحداد يكتب: محور المقاومة في مواجهة الانهيار.. وظهور الإرهاب الإيراني اللامركزي في أوروباجذور الصراع
تتويجاً لسنوات طويلة من "حروب الظل" الخفية، انتقل الصراع بين طهران وتل أبيب من ساحات الوكالة إلى مواجهة مباشرة وعلنية، مما يمثل تحولاً جذرياً في قواعد اللعبة الإقليمية. فعلى مدى عقود، ارتكزت الاستراتيجية الإيرانية على مفهوم "الدفاع المتقدم"، الذي استهدف تأمين العمق الاستراتيجي لطهران عبر شبكة واسعة من القوى الحليفة والميليشيات المسلحة المنتشرة في دول الجوار.
في المقابل، انتهجت إسرائيل سياسة استباقية وممنهجة لتقويض هذا التمدد، معتمدة على ضربات جوية واختراقات استخباراتية دقيقة استهدفت خطوط الإمداد اللوجستية ومراكز نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة، في محاولة لمنع تحول هذه الجماعات إلى قوى عسكرية ذات قدرات نوعية تهدد أمنها القومي.
إلا أن أحداث عام 2026 شكلت نقطة تحول مفصلية، إذ أدى انزلاق التوترات نحو المواجهة المباشرة إلى تبديد "الغموض الاستراتيجي" الذي حكم العلاقات بين الطرفين لسنوات طويلة. هذا الانتقال من الصراع "المكتوم" إلى الاشتباك "المكشوف" أنهى حقبة الاحتواء غير المباشر، وأجبر القوى الإقليمية والدولية على إعادة حساباتها.
ومع زوال الخطوط الحمراء التقليدية، دخلت المنطقة مرحلة من "إعادة التموضع الأمني الشامل"، حيث لم تعد الخيارات تقتصر على الردع المتبادل، بل اتسعت لتشمل تداعيات وجودية تفرض على جميع الأطراف صياغة قواعد اشتباك جديدة في ظل واقع ميداني شديد التقلب.
أخيرا، تضع هذه المعطيات الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حرج. فبينما يراهن الوسطاء الدوليون على صفقات سياسية كبرى، تظل الأطراف الفاعلة على الأرض متمسكة بخيارات القوة لانتزاع مكاسب تفاوضية. إن النتائج المترتبة على هذا التوتر تتجاوز الحدود اللبنانية أو الإيرانية، لتمس الأمن الإقليمي برمته، مما يجعل من "الاستقرار الهش" العنوان الأبرز للمرحلة القادمة في انتظار ما ستؤول إليه القنوات الدبلوماسية في واشنطن وطهران.