في زمن تتسارع فيه وتيرة الخلافات وتتباين فيه الآراء، يبرز أدب الحوار كقيمة إنسانية سامية دعا إليها الإسلام منذ فجر الرسالة، فجعل منه منهجًا حضاريًا قائمًا على العقل والحكمة والكلمة الطيبة، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، بما يحقق التفاهم والتقارب ويجنب المجتمعات الوقوع في دوائر الصراع والجدال العقيم.

لقد ارتقى الإسلام بالإنسان إلى أعلى مراتب التكريم، فخاطبه بالعقل والحوار، وجعل هذا الأسلوب شاملًا للصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر، في تأكيد واضح على أن الحوار قيمة مشتركة لا يختص بها فئة دون أخرى.

ومن هنا جاءت القاعدة الذهبية التي تؤكد أن فتح باب الحوار ساعة خير من الجدال ألف ساعة، لما يحمله الحوار الهادئ من قدرة على كشف الحقائق وإزالة الغموض ورد الحقوق إلى أصحابها بالرضا والقناعة.

الحوار في القرآن الكريم

جاء القرآن الكريم ليضع الأسس الراسخة للحوار البناء، حيث قال الله تعالى:
"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"،
في توجيه واضح إلى اعتماد الحكمة واللين والاحترام في الخطاب مع الآخرين، بعيدًا عن الاستفزاز والسخرية والتعصب.

كما عرض القرآن نماذج راقية للحوار، منها حوار المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها، حيث قال تعالى:
"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا"،
إضافة إلى حوار نبي الله إبراهيم عليه السلام مع أبيه في أسلوب مفعم باللين والاحترام، وحوار نبي الله نوح مع ابنه قبل الغرق، وهي مواقف تجسد قمة الرقي في التخاطب الإنساني.

«ختام رجب بالاستغفار».. دعاء النبي ﷺ في آخر يوم من الشهر الحوار في السنة النبوية

وتزخر السنة النبوية الشريفة بأروع نماذج الحوار الهادئ، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا للحلم وسعة الصدر والرفق بأمته، يستمع قبل أن يتكلم، ويقنع قبل أن يأمر، ويحتوي قبل أن يعاتب. فقد قال عليه الصلاة والسلام:
"لا تغضب"،
وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"،
وقال: "ليس المؤمن باللعان ولا الطعان ولا الفاحش ولا البذي".

ومن أروع مواقف الحوار النبوي قصة الشاب الذي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا، فلم يوبخه أو يزجره، بل حاوره بمنطق العقل والرحمة، وسأله: أتحبه لأمك؟ أتحبه لأختك؟ حتى أقنعه بالحكمة، ثم دعا له بالمغفرة والطهارة، فكان لهذا الأسلوب الأثر البالغ في تغيير قلب الشاب وسلوكه.

آداب الحوار في الإسلام

وحدد الإسلام مجموعة من الآداب التي يجب أن يتحلى بها المتحاورون، حتى يكون الحوار مثمرًا، ومنها:
اللباقة، وحسن الخلق، والصدق، والأمانة، والرفق، والتواضع، وضبط النفس، والعدل، وحسن الإنصات للطرف الآخر، وعدم المقاطعة، وقوة التعبير، وحسن البيان، وضرب الأمثال لتقريب المعنى.

كما دعا الإسلام إلى تعلم حسن الاستماع كما نتعلم حسن الكلام، فالمحاور الناجح هو من ينصت جيدًا قبل أن يرد، ويمنح الطرف الآخر حقه الكامل في التعبير، بعيدًا عن التسرع أو التشنج.

لا يفوتك الأجر.. أفضل دعاء لاستقبال شهر شعبان الحكم لا تُقاس بالعمر

وضرب التاريخ الإسلامي أمثلة رائعة تؤكد أن الحكمة لا ترتبط بالعمر، كما في موقف الغلام الصغير الذي خاطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله:
"المرء بأصغريه قلبه ولسانه"،
مبينًا أن القيمة الحقيقية في العقل والقول لا في السن والمكانة.

وكذلك قصة الطفل الذكي الذي سُئل: من الذي قبل الله؟ فأجاب بسؤال عميق، ثم قال: الله الأول ليس قبله شيء، في دلالة واضحة على الفهم العميق والحكمة المبكرة.

الرجوع إلى الحق فضيلة

ويختتم الإسلام منهجه في الحوار بالتأكيد على أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتراف بالخطأ خير من التمادي في الباطل، قال تعالى:
"وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: أدب الحوار دوائر الصراع القران الكريم السنة النبوية اداب الحوار الحق فضيلة الحوار فی قبل أن

إقرأ أيضاً:

محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه

القدس المحتلة - صفا

أكدت محافظة القدس، مساء يوم الخميس، أن اقتحام 4248 مستوطناً للمسجد الأقصى المبارك بمشاركة وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير"، وأعضاء كنيست وحاخامات وقادة "منظمات الهيكل"، بحماية مشددة بالتزامن مع "ذكرى خراب الهيكل"، يشكل أخطر تصعيد منذ أشهر.

وحذرت المحافظة في بيان له، من تكريس التقسيم الزماني والمكاني وفرض السيادة الإسرائيلية.

وأضحت أن الاقتحام كان عملية منظمة سبقتها حملات تحريض، ورافقتها إجراءات عسكرية لتفريغ المسجد من المصلين وتهيئة الظروف للمستوطنين، الذين أدوا طقوس "السجود الملحمي"، وارتدوا "التفلين"، ورفعوا الأعلام ورددوا الترانيم وأقاموا رقصات جماعية داخل باحاته وبلدة القدس القديمة.

وأشارت إلى مشاركة بن غفير وأدائه طقوساً تلمودية للمرة الـ18 منذ توليه منصبه، برفقة مسؤولين آخرين.

 كما لفتت لعرض الحاخامين أرييه ليبو ويهودا غليك أحجاراً مُحضرة من مستوطنة "حفات غلعاد" زُعم أنها لبناء "الهيكل"، في خطوة خطيرة للترويج العملي لبنائه على حساب المسجد.

وكشفت المحافظة أن شرطة الاحتلال نصبت مظلة ثابتة بالساحة الشرقية لخدمة المستوطنين في سابقة منذ عام 1967 محاولة لفرض وجود دائم فيها، بالتزامن مع منع غالبية موظفي الأوقاف من الوصول، وإغلاق أبواب الملك فيصل والقطانين والحديد أمام المصلين، وتخصيص محيطها للمستوطنين بالتزامن مع "مسيرة السيادة".

وأضافت أن شرطة الاحتلال فرضت قيوداً عمرية مشددة منعت بموجبها دخول المصلين دون سن الـ80 وأبلغتهم بأن "اليوم مخصص لليهود".

وشددت على أن هذه الممارسات تصاعدت مؤخراً عبر اتساع الاقتحامات ومشاركة الوزراء وعقد مؤتمرات تدعو لتغيير الوضع القائم، ما يثبت أنها أصبحت سياسة رسمية لحكومة الاحتلال.

وشددت المحافظة على أن الأقصى بكامل مساحته (144 دونماً) مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن كافة إجراءات الاحتلال باطلة وتخالف القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

ودعت المجتمع الدولي والمنظمات الإسلامية والعربية واليونسكو للتحرك العاجل لوقف هذه الاعتداءات وتوفير الحماية للمقدسات.

 

مقالات مشابهة

  • اليمن.. أول امرأة تتولى حقيبة الخارجية ضمن تعديل وزاري محدود
  • علي الدين هلال: نجاح الدولة الوطنية يرتبط بالتوازن بين الحكومة والمجتمع
  • المؤسسة الاتحادية للشباب تطلق “برنامج الجاهزية الوطنية – غطاريف”
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • اختتام «الحوار الهيكلي التاسع» بين الإمارات والاتحاد الأوروبي «افتراضياً»
  • ثروت : أنا ضد التنمر بكل أنواعه ولكن فيه اللي لازم نتنمر عليه
  • أزهري يعلق على واقعة فتاة بني سويف وموقف الإسلام من منع الميراث
  • محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية