يمثّل هذا الاتفاق، من الناحية العملية، انتكاسة كبرى لطموحات الأكراد الذين سعوا إلى تثبيت مكاسب "الإدارة الذاتية" التي تبلورت خلال سنوات الصراع، بما شمل إنشاء هياكل مدنية وأمنية منظَّمة تولّت إدارة مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا.

أكد قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي أنه وافق على اتفاق وقف إطلاق النار مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع "حقنًا للدماء" وتجنبًا لحرب أهلية، معتبرًا أن الحرب "فُرضت على قسد وخُطط لها من قِبَل عدة جهات"، مشددًا في الوقت ذاته على أن قسد "لم تهزم ولم تفشل"، لكنها ستحافظ على "مكتسباتها" في المناطق التي تسيطر عليها.

وأوضح عبدي أن "قسد" انسحبت من محافظتي دير الزور والرقة إلى الحسكة، وأنه يتوقع من "الأصدقاء والشعب تفهم موقفه"، مشيرًا إلى أنه كان سيذهب إلى دمشق، الأحد، لتوقيع الاتفاق مع الشرع، إلا أن ذلك اللقاء تأجّل لاحقًا "بسبب سوء الأحوال الجوية"، كما أُعلنت دمشق.

وفيما لم يُفصح قائد القوات الكردية عن بنود الاتفاق، نشرت وكالة الأنباء السورية "سانا" المواد كاملة، والتي تضمنت انسحاب القوات التابعة لـ"قسد" إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار، وتسليم دير الزور والرقة للحكومة بشكل كامل، ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، بالإضافة إلى دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ"قسد" ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل "فردي"، ومنحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولًا، وإخلاء مدينة "عين العرب/كوباني" من المظاهر العسكرية الثقيلة، واعتماد قائمة قيادات مرشحة مقدمة من قيادة "قسد" لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة المركزية.

وأشارت "سانا" إلى أن البنود رحبت بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي ينص على الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، ومعالجة القضايا الحقوقية والمدنية لمكتومي القيد، واستعادة حقوق الملكية المتراكمة من العقود السابقة، واعتبار النوروز عيدًا وطنيًا، مقابل التزام قسد بإخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج سوريا.

ويرى البعض أن الاتفاق يضع حدًا لصيغة الحكم اللامركزية التي تمسّك بها الأكراد خلال جولات المحادثات مع السلطات في دمشق، وأن "الحلم" الذي طالب به الأكراد على مدى عقود انتهى مع "سحب العباءة الأمريكية" وانكفاء واشنطن عن دعم المشروع الكردي.

توتر واشتباكات متفرقة

في غضون ذلك، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن حالة من "الهدوء الحذر" فرضت في عدد من نقاط التماس بريف دير الزور والرقة، وأن قوات سوريا الديمقراطية ما تزال متمركزة في عدة مواقع بريف دير الزور وداخل مدينة الرقة ومحيطها، أبرزها الفرقة 17، وقيادة الأساييش، وسجن الأحداث، ومبنى الشبيبة، والمشفى العسكري، إضافة إلى المساكن الشبابية.

وتابع المرصد أنه رغم الإعلان عن الهدنة، فقد سُجلت في بعض المناطق اشتباكات متقطعة، في ظل توتر أمني واستمرار حالة عدم الاستقرار، ونُقل عن مصادر بأن سجن الأقطان وبقية السجون ما تزال تحت سيطرة “قسد”.

وفي ذات السياق، ذكرت وسائل إعلام أن قوات قسد زرعت ألغامًا في الطرق المحيطة بسد تشرين بريف حلب، وأن الجيش السوري يعمل على تفكيكها، وأن مسيرة حاولت استهداف عناصر من الجيش خلال تمشيط المنطقة.

وكان الشرع قد أكد في تصريحات لوسائل إعلام أن الاتفاق الموقّع حاليًا مع قسد يراعي في جوهره اتفاق العاشر من مارس/آذار، وذلك في وقت التقى فيه المبعوث الأمريكي توماس باراك، الذي كان بدوره قد اجتمع بعبدي في أربيل، شمال العراق، يوم السبت.

Related وقف إطلاق نار فوري واندماج كامل في الجيش.. ما هي بنود الاتفاق بين الحكومة السورية و "قسد"؟مع تسارع التطورات.. لمن تكون الغلبة في شرق الفرات: دمشق وأنقرة أم "قسد" ومن خلفها واشنطن؟وسط دعوات للتهدئة.. الشرع يوقع اتفاقا لوقف اطلاق النار مع "قسد" وإندماجها في الجيش السوري

وفي منشور على "إكس"، اعتبر باراك أن الاتفاق يشكل "نقطة تحوّل مفصلية، إذ يختار الخصوم السابقون الشراكة بدلًا من الانقسام".

وفي أعقاب الاتفاق، أجرى رئيس المرحلة الانتقالية اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، جرى خلاله استعراض آخر المستجدات في المنطقة، بالإضافة إلى اتصال آخر مع أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بحسب "سانا".

وقد أعربت أنقرة عن أملها بأن يسهم الاتفاق في ترسيخ "الاستقرار والأمن". وجاء في بيان لوزارة الخارجية: "نأمل أن يسهم هذا الاتفاق في (ترسيخ) الأمن والسلام للشعب السوري وكذلك المنطقة بأسرها، لا سيما الدول المجاورة لسوريا".

وكانت القوات الكردية تسيطر على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تشمل أبرز حقول النفط والغاز، وقد شكّلت رأس حربة في مواجهة تنظيم "داعش"، إلا أن الاتفاق الحالي جعلها تخرج بأقل بكثير مما كانت تملكه على مدى الأعوام في الشمال الشرقي، وحتى مطالبتها باللامركزية التي كانت تدفع من أجلها في المفاوضات.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب غزة إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب غزة رجب طيب إردوغان سوريا الولايات المتحدة الأمريكية النفط قسد قوات سوريا الديمقراطية أحمد الشرع إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب غزة إسرائيل حركة حماس إسبانيا الذكاء الاصطناعي الرسوم الجمركية علي خامنئي أن الاتفاق دیر الزور

إقرأ أيضاً:

إسرائيل ترسم «منطقة عازلة» في جنوب سوريا

كشف تقرير سوري جديد عن اتساع نطاق التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وما يرافقها من إجراءات ميدانية توصف بأنها تفرض “منطقة عازلة غير معلنة”، تمتد عبر تغييرات أمنية وعسكرية تؤثر بشكل مباشر على حياة المدنيين والبنية المحلية في المناطق الحدودية.

وبحسب ما أورده الباحث في “مركز جسور للدراسات” رشيد حوراني، فإن العمليات الإسرائيلية المتكررة في ريف القنيطرة ومحيط الجولان المحتل أدت إلى تجريف مساحات من الأراضي الزراعية، وتدمير أجزاء من البنى التحتية، إلى جانب إقامة حواجز مؤقتة وفرض قيود مشددة على حركة السكان.

وأوضح التقرير أن هذه الإجراءات لم تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل انعكست بشكل مباشر على الواقع المعيشي، من خلال منع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، وتكرار عمليات الاستجواب الميداني، وفرض قيود على التنقل بين القرى والبلدات القريبة من خطوط التماس.

ويشير حوراني في دراسته إلى وجود توجه إسرائيلي نحو تثبيت واقع أمني طويل الأمد في الجنوب السوري، يقوم على إبقاء المناطق الحدودية تحت سيطرة عسكرية غير مباشرة حتى بعد انتهاء موجات التصعيد الإقليمي، مع اعتماد مقاربة مشابهة لتلك المطبقة في غزة وجنوب لبنان، من حيث إدارة المجال الحدودي عبر أدوات أمنية وميدانية متعددة.

وتتضمن هذه المقاربة – وفق التقرير – توسيع السيطرة على الأرض بشكل تدريجي، وإضعاف البيئة المحلية، وخلق واقع أمني جديد يحد من قدرة السكان على الحركة والاستقرار، بالتوازي مع مشاريع ذات طابع استيطاني واقتصادي في الجولان المحتل، من بينها توسيع مستوطنة “كتسرين” ومشاريع مرتبطة بالطاقة الريحية في قرى الجولان.

ووفق البيانات الواردة في التقرير، فإن القوات الإسرائيلية باتت تسيطر على نحو 665 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية منذ التغيرات السياسية الأخيرة، مع إقامة تسعة مواقع عسكرية جديدة في المنطقة، في مؤشر على اتساع البنية العسكرية في الجنوب السوري.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار حالة التوتر في المنطقة الحدودية، حيث تشهد القرى القريبة من خط الفصل بين الجولان المحتل وريف القنيطرة حالة من الحذر الأمني، مع استمرار التحركات العسكرية المتقطعة، وغياب أي مسار تهدئة واضح حتى الآن.

ويرى مراقبون أن ما يجري في الجنوب السوري يعكس تحوّلًا تدريجيًا في طبيعة التعامل مع المناطق الحدودية، من إدارة مؤقتة للصراع إلى فرض وقائع ميدانية طويلة الأمد، ما يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في المشهد الأمني والسياسي خلال المرحلة المقبلة.

الجيش التركي يخلي نقطة مراقبة في ريف إدلب الجنوبي ضمن إعادة تموضع عسكري شمال غربي سوريا

أفادت مصادر أهلية في محافظة إدلب السورية لوكالة “RT” بأن الجيش التركي أقدم على إخلاء نقطة المراقبة التابعة له في بلدة المسطومة بريف إدلب الجنوبي بشكل كامل، في خطوةٍ وُصفت بأنها جزء من عملية إعادة تموضع عسكري داخل مناطق النفوذ التركي في شمال غربي سوريا.

وبحسب المصادر، فقد قام الجيش التركي بتفكيك القاعدة العسكرية بشكل كامل، مع سحب جميع العناصر والمعدات العسكرية واللوجستية الموجودة داخلها، ضمن سياق برنامج إعادة الانتشار الذي تنفذه القوات التركية في المنطقة.

وأضافت المصادر أن عملية الانسحاب جرت بطريقة منظمة ومن دون تسجيل أي عوائق، حيث توجه الجنود المغادرون نحو مواقع انتشار أخرى للقوات التركية في ريف إدلب الجنوبي، ضمن ترتيبات ميدانية تهدف إلى إعادة توزيع القوات.

وأشارت المعلومات إلى أن برنامج إعادة الانتشار التركي يتضمن إعادة هيكلة بعض النقاط العسكرية، ونقل قوات ومعدات إلى مواقع تُعتبر ذات أهمية استراتيجية أكبر من الناحية العملياتية والعسكرية، بما يعكس تغييرات في أولويات الانتشار الميداني.

ولم تُسجل هذه الخطوة كحالة معزولة، إذ سبق للجيش التركي خلال مراحل سابقة أن نفّذ عمليات إخلاء وإعادة تموضع لعدد من قواعده العسكرية في شمال غربي سوريا، ضمن سياسة مرنة في إدارة وجوده العسكري هناك، وفق ما أفادت به المصادر المحلية.

وتأتي هذه التطورات في ظل مشهد ميداني متحرك في محافظة إدلب ومحيطها، حيث تتداخل مناطق النفوذ بين أطراف عدة، وسط استمرار الترتيبات العسكرية وإعادة توزيع الانتشار بما يتماشى مع المستجدات الميدانية.

مقالات مشابهة

  • إسرائيل ترسم «منطقة عازلة» في جنوب سوريا
  • تعميم صورة سيّدة مجهولة الهويّة عُثر عليها على مقربة من الحدود اللبنانية – السورية
  • المرجعية العليا للطائفة العلوية في سوريا ترهن استقرار المنطقة بتأمين حقوق العلويين
  • خالد الغندور يكشف كواليس مفاوضات الشحات مع الأهلي
  • الاحتلال الإسرائيلي يعتقل شابا سوريا خلال توغل لقواتها بالقنيطرة
  • قوات الاحتلال تتوغل في ريف القنيطرة السوري وتعتقل شابًا من قرية عين زيوان
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟
  • ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟