معلومات الوزراء: البيئة الاقتصادية العالمية تشهد مرحلة انتقالية
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول أبرز الاتجاهات العالمية التي ستشكّل ملامح الاقتصاد العالمي في عام 2026، بدءًا من إعادة تشكيل سلاسل التوريد وتصاعد دور الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والخدمات، مرورًا بتسارع التحوّل نحو الطاقة النظيفة والمالية الرقمية، وصولًا إلى التحوّلات في أنماط العمل والاستثمار التي تعيد رسم خريطة النمو والتنافس بين الاقتصادات الكبرى والناشئة.
أوضح التحليل أن البيئة الاقتصادية العالمية تشهد مع اقتراب عام 2026 مرحلة انتقالية تتقاطع فيها بوادر التعافي مع تصاعد عدم اليقين، في ظل تحولات واسعة تمس أنماط النمو والتجارة الدولية ومسارات السياسات النقدية والمالية وتوازنات أسواق الطاقة والتكنولوجيا، بما يمهد لبروز مجموعة من الاتجاهات الاقتصادية العالمية التي ستحدد ملامح الأداء الاقتصادي ومسارات النمو خلال المرحلة المقبلة. ومن هذه الاتجاهات ما يلي:
-أولًا: استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي وابتعاده عن سيناريو الركود: لن يتجه اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية نحو الركود في عام 2026؛ إذ يُرجَّح أن يحافظ على نمو قريب من مستواه المحتمل بدعم من خفض الضرائب الشخصية، وارتفاع المبالغ المستردة، وزيادة الإنفاق الفيدرالي على الدفاع وأمن الحدود، رغم استمرار حالة عدم اليقين وتراجع الاستثمار الصناعي وارتفاع تكاليف الائتمان وتوقعات انخفاض قيم الأسهم.
-ثانيًا: تحسُّن الطلب المحلي في أوروبا الغربية في ظل نمو اقتصادي محدود: ستتحسّن آفاق الطلب المحلي في أوروبا الغربية خلال عام 2026 رغم بقاء معدلات النمو الإجمالية عند مستويات محدودة؛ إذ يُتوقَّع أن يدعم التوجه المالي الأكثر توسعًا في ألمانيا نموها تدريجيًّا مع انتقال آثاره الإيجابية إلى بقية دول المنطقة، إلى جانب متانة أوضاع أسواق العمل في معظم بلدان منطقة أوروبا الغربية، وتراجع معدلات تضخم أسعار المستهلكين، وظهور الآثار المتأخرة لسياسات نقدية أكثر تيسيرًا. غير أن مساهمة التجارة الصافية في النمو السنوي يُرجَّح أن تكون سلبية بفعل قوة العملات وارتفاع الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات المتجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
-ثالثًا: تباطؤ النمو في الصين والتحول نحو الاستثمار الابتكاري والبنية التحتية: يتَّجه النمو في الصين إلى التباطؤ خلال عام 2026 مقارنة بعام 2025، في ظل تداخل ضغوط عدم اليقين الخارجي مع استمرار سياسات التحفيز؛ إذ يُتوقَّع أن يُفقَد زخم الصادرات تدريجيًّا رغم الدعم الجزئي الناتج عن خفض الرسوم الجمركية الأمريكية واتساع حصة الصين في التجارة العالمية، ولا سيما داخل الاقتصادات الناشئة، في وقت يجري فيه تعزيز التحفيز الموجَّه للاستهلاك عبر زيادة الدعم الحكومي القائم على الإعانات لاستهلاك الخدمات.
-رابعًا: الهند تحافظ على صدارة النمو العالمي مع مؤشرات تباطؤ تدريجي: ستظل الهند أسرع اقتصاد كبير نموًّا في العالم، رغم توقع تباطؤ طفيف في وتيرة النمو. وتشمل المحركات الرئيسة للتباطؤ الهامشي المتوقع في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي السنوي للهند في عام 2026 مقارنة بعام 2025 ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات الهندية، بما يزيد من الأثر السلبي للتجارة الصافية. كما يُتوقَّع أن تؤدي حالة عدم اليقين المرتفعة إلى كبح الاستثمار الخاص، غير أن هذه الآثار السلبية يُرجَّح أن تُخفَّف بفضل قوة صادرات الخدمات ومتانة الإنفاق الاستهلاكي المدعومين بإجراءات السياسة المالية والنقدية، بما في ذلك خفض ضريبة السلع والخدمات.
-خامسًا: تفوق الاقتصادات النامية وتراجع زخم الاقتصادات الناشئة الكبرى: من المتوقع أن يتفوَّق نمو الاقتصادات النامية على نمو الاقتصادات الناشئة الأكبر حجمًا، مدفوعًا بمتانة الطلب المحلي وانخفاض درجة التعرض للرسوم الجمركية الأمريكية. ويُتوقَّع أن تتباطأ معدلات النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في العديد من الاقتصادات الناشئة الكبيرة خلال عام 2026، ويعكس ذلك جزئيًا تلاشي أثر تقديم الواردات مسبقًا لتفادي الرسوم في عام 2025.
كما تتمتع الاقتصادات النامية، وهي البلدان الأقل تصنيعًا ذات نصيب الفرد المنخفض من الناتج المحلي الإجمالي، والأسواق المالية الأقل تطورًا، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المحدودة، بدرجة أقل من الهشاشة تجاه الرسوم الجمركية الأمريكية بسبب اندماجها المحدود في سلاسل القيمة العالمية؛ ما يجعل تراجعات نمو صادراتها المتوقعة في عام 2026 أقل حدّة.
-سادسًا: الذكاء الاصطناعي كعامل مزدوج التأثير على آفاق النمو العالمي: يشكّل الذكاء الاصطناعي عاملًا مزدوج التأثير على آفاق النمو العالمي في عام 2026؛ إذ يُرجَّح أن يتجاوز الإنفاق على البنية التحتية والمعدات والبرمجيات وأنشطة البحث والتطوير المرتبطة به التوقعات الحالية، مع بروز منطقة آسيا والمحيط الهادئ بوصفها مرشحة لتعزيز دورها العالمي سريعًا في ظل تسارع تبنّي هذه التقنيات، واستمرار دعم الطلب القوي في الولايات المتحدة الأمريكية لصادرات التكنولوجيا وارتفاع الإنفاق على مراكز البيانات. غير أن هذا المسار الإيجابي يقابله خطر تصحيح حاد محتمل في أسواق الأسهم قد يخلِّف آثارًا سلبية واسعة على الطلب، خاصة في ظل انخفاض متانة الأوضاع الاقتصادية في العديد من المناطق وتقلُّص الحيز المتاح للسياسات لمواجهة الصدمات السلبية، بما يزيد من احتمالات الانزلاق نحو الركود.
-سابعًا: تراجع أسعار النفط كقوة دافعة لتهدئة التضخم العالمي: يُتوقَّع أن تؤدي الانخفاضات المدفوعة بعوامل العرض في أسعار النفط الخام إلى تهدئة معدلات تضخم أسعار المستهلكين عالميًّا خلال عام 2026؛ إذ تشير تقديرات مؤسسة "ستاندرد آند بورز جلوبال" للطاقة إلى أن ارتفاع مستويات الإنتاج مقرونًا بنمو معتدل للطلب سيُفضي إلى فائض ملحوظ في المعروض العالمي، بما يدفع أسعار خام برنت المؤرخة إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل في مطلع العام.
-ثامنًا: اتساع نطاق التيسير النقدي وتباين سياسات البنوك المركزية: ما زالت دورات التيسير النقدي لدى العديد من البنوك المركزية في بدايتها، مع تفاوت كبير في نطاق خفض أسعار الفائدة الممكن. ومن المتوقع أن تمتد دورة التيسير التي ينتهجها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال عام 2026، لتنتهي بانخفاض النطاق التقديري المحايد لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى ما بين 3% و3.25%. ويُسهم ذلك، إلى جانب تراجع قيمة الدولار الأمريكي، في دعم مزيد من التيسير النقدي في العديد من الاقتصادات الناشئة والنامية. وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، تتباين آفاق السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة؛ إذ إن بعض البنوك المركزية الكبرى بادرت بخفض الفائدة قبل الاحتياطي الفيدرالي، ما يعني أن لديها مجالًا أقل لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 بالتوازي مع الخفض المتوقع للفيدرالي. هذا، وتمتلك البنوك المركزية التي انتهجت سياسات نقدية أكثر تشددًا خلال عام 2025، منها البنوك المركزية في البرازيل وروسيا وتركيا، فرصًا أكبر لخفض أسعار الفائدة في عام 2026.
-تاسعًا: عودة الاتجاه النزولي للدولار الأمريكي وتفاوت مسارات العملات: يُتوقَّع أن يستأنف الدولار الأمريكي اتجاهه النزولي، مع وجود تباينات كبيرة في أسعار الصرف الثنائية الرئيسة. ويتضمن التوقع القائم على النماذج للمؤشر الاسمي الواسع لقيمة الدولار الأمريكية انخفاضًا معتدلًا نسبيًّا بنحو 2% في عام 2026، بعد تراجع يُقدَّر بنحو 5% في عام 2025.
-عاشرًا: مشهد مناخي عالمي مختلط بين تراجع الطموح وتسارع التقنيات النظيفة: تعكس التطورات الراهنة صورة مناخية عالمية تتسم بالتباين؛ إذ لم يعُد هدف حصر الاحترار العالمي عند مستوى 1.5 درجة مئوية قابلًا للتحقق في المدى المنظور، في ظل بيئة سياسية أمريكية أقل دعمًا للطاقة المتجددة، غير أن المؤشرات الكلية تشير إلى أن الانبعاثات العالمية بلغت ذروتها على الأرجح، بينما يشهد قطاع التقنيات النظيفة توسعًا متسارعًا في دول الجنوب العالمي، وتواصل الشركات الكبرى الوفاء بالتزاماتها المناخية أو تجاوزها مع ميلها إلى تقليص الإفصاح عنها، في حين تبرز الطاقة الحرارية الأرضية كمسار واعد يُتوقَّع أن يحظى باهتمام متزايد خلال المرحلة المقبلة.
وتناول مركز المعلومات مسار النمو المتوقع للاقتصادات الكبرى بين عامي 2025 و2026؛ حيث يُظهر ثبات النمو في الولايات المتحدة الأمريكية عند مستوى 1.9% في العامين، بما يعكس استمرار الاقتصاد في النمو قرب مستواه المحتمل مدعومًا باستثمارات مرتبطة بتوسع تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما يُبرز تباطؤ النمو في الصين من 5% في 2025 إلى 4.7% في 2026، بما يعكس استمرار ضعف الطلب المحلي وتأثير أزمة القطاع العقاري، كما يظهر تحسن محدود في نمو منطقة اليورو من 1.5% إلى 1.6%، مدفوعًا بتوسع السياسات المالية في ألمانيا وزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي واستمرار مرونة أسواق العمل، بينما يسجل الاقتصاد الهندي تراجعًا طفيفًا من 6.8% إلى 6.5%.
وأشار التحليل إلى دخول اقتصاد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2026 في سياق يتسم بتغيرات متداخلة على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تتزامن المؤشرات الاقتصادية المتباينة مع تحولات في أسواق الطاقة والضغوط المناخية ومسارات الإصلاح المالي والمؤسسي، بما يجعل العام الجديد محطة مهمة لرصد الاتجاهات العامة التي ستؤثر في أولويات السياسات الاقتصادية ومسارات التنمية في دول المنطقة. ومن هذه الاتجاهات ما يلي:
-أولًا: استقرار هش ونمو محدود وغير متكافئ: تشير التقديرات إلى أن المؤشرات الاقتصادية الكلية في معظم دول المنطقة ستكون «محايدة إلى إيجابية»، إلا أن هذا الاستقرار سيكون هشًّا بفعل الضغوط الاجتماعية والديموغرافية والمناخية، ما يعني نموًّا محدودًا في ظل قابلية عالية لعودة الاضطرابات؛ حيث ستظل الإصلاحات البنيوية، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وتحسين الحوكمة شروطًا حاسمة لأي تعافٍ مستدام.
-ثانيًا: النفط كمتغير حاسم في مسارات الموازنات والتنويع الاقتصادي: تشير التوقعات إلى أن متوسط أسعار النفط في الربع الأول من عام 2026 قد يستقر عند مستوى يقارب 55 دولارًا للبرميل، وهو ما يجعل أسعار النفط عاملًا مؤثرًا في الأوضاع الاقتصادية لدول المنطقة.
-ثالثًا: تصاعد مركزية المناخ والمياه والغذاء في معادلة الاستقرار الاقتصادي: من المتوقع أن يكتسب الإجهاد المناخي واضطراب النظم الغذائية أهمية متزايدة في توجهات السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2026، في ظل تأثيراتهما المحتملة على مستويات المعيشة والمالية العامة، وبالتوازي مع ذلك قد تتجه بعض دول المنطقة إلى بحث آليات للتعاون الإقليمي في مجالات إدارة الموارد المائية، والزراعة المتكيفة مع الظروف المناخية.
-رابعًا: تعميق دور الاقتصاد الفضائي والبنية التحتية الرقمية: تتجه حكومات المنطقة إلى التعامل مع الفضاء والأقمار الصناعية بوصفها بنية تحتية اقتصادية-أمنية، مع التركيز على خدمات المراقبة الأرضية، والاتصالات، وتحليل البيانات، وربطها بأجندات الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.
-خامسًا: إعادة صياغة الشراكات الأوروبية-المتوسطية: يتوقع أن تتصاعد النقاشات حول إعادة بناء شراكة متوسطية أكثر توازنًا، تركّز على البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصال الرقمي وسلاسل القيمة الصناعية المحلية، في محاولة لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي حدّت سابقًا من قدرة دول الجنوب المتوسطي على تحقيق نمو شامل.
كما تتزايد أهمية قراءة مخاطر عام 2026 بوصفها عاملًا حاسمًا في تحديد استقرار الاقتصاد العالمي ومسارات نموه، في ظل بيئة تتسم بارتفاع الديون، وحساسية الأسواق للسياسات النقدية والمالية، وتسارع التحولات التكنولوجية والجيوسياسية؛ إذ لم تعُد الصدمات المحتملة أحداثًا عابرة، بل متغيرات قادرة على إعادة تشكيل توقعات النمو والاستثمار والتجارة الدولية خلال فترة وجيزة، وقد استعرض التحليل أبرز هذه المخاطر التي قد تجبر الأسواق وصناع القرار على إعادة النظر في السيناريو الأساسي للنمو كالتالي:
-الاضطراب المحتمل في قطاع الائتمان الخاص: يتمثل الخطر الأول في احتمال اندلاع اضطراب واسع داخل قطاع الائتمان الخاص خارج النظام المصرفي المنظم؛ إذ إن التوسع الكبير في الإقراض عالي المخاطر وضعف الرقابة والاعتماد على التمويل غير السائل يرفع احتمالات انتقال العدوى إلى النظام المالي الأوسع، بما قد يؤدي إلى تشديد عام في شروط الائتمان وانكماش الاستثمار والنشاط الاقتصادي العالمي.
- فقاعة التقييمات في أسواق الأسهم: يتمثل الخطر الثاني في حدوث تصحيح حاد في أسواق الأسهم العالمية، في ظل وصول التقييمات إلى مستويات تاريخية مرتفعة؛ حيث يمكن لأي تراجع في الأرباح أو صدمة ثقة أن تؤدي إلى تراجع ثروات الأسر وإضعاف ميزانيات الشركات، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستهلاك والاستثمار ويضغط على وتيرة النمو.
-عودة الضغوط التضخمية: يتمثل الخطر الثالث في عودة التضخم بشكل غير متوقع نتيجة استمرار قوة الطلب أو تجدد الاضطرابات في جانب العرض مثل تعطل التجارة أو ارتفاع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية مشددة لفترة أطول حتى مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، بما يرفع احتمالات الركود الممتد.
-تباطؤ مفاجئ في الاقتصاد الأمريكي: يتمثل الخطر الرابع في حدوث تباطؤ حاد في الاقتصاد الأمريكي ناجم عن تراجع الإنتاجية وتدهور سوق العمل؛ حيث إن ضعف التوظيف قد يقود إلى تراجع إنفاق الأسر والدخول في حلقة انكماشية تؤثر على الاستهلاك والنمو، وهو ما يشكل أكبر مخاطر الهبوط للاقتصاد العالمي بحكم مركزية الولايات المتحدة الأمريكية في منظومة الطلب العالمي.
-اهتزاز المصداقية السياسية والنقدية: يتمثل الخطر الخامس في تصاعد المخاطر السياسية والمؤسسية التي تهدد مصداقية السياسات المالية والنقدية؛ إذ يمكن لأي اضطراب سياسي أو تشكيك في استقلالية البنوك المركزية أو الانضباط المالي أن يؤدي إلى موجات بيع في أسواق السندات وتشديد الأوضاع المالية، بما يضغط على النمو ويقوض الاستقرار المالي في الاقتصادات الكبرى.
أوضح التحليل في ختامه أن عام 2026 لن يكون مجرد امتداد لدورة تعافٍ تقليدية، بل محطة مفصلية يُعاد فيها تشكيل موازين النمو والتنافس والاستثمار على أسس تقنية ومالية وجيوسياسية جديدة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الولایات المتحدة الأمریکیة الاقتصادات الناشئة الجمرکیة الأمریکیة الذکاء الاصطناعی الرسوم الجمرکیة البنوک المرکزیة الطلب المحلی دول المنطقة أسعار النفط فی الاقتصاد خلال عام 2026 عدم الیقین العدید من فی عام 2026 فی أسواق النمو فی تراجع ا عام 2025 غیر أن إلى أن
إقرأ أيضاً:
الثروة الحيوانية رافد للأمن الغذائي .. وخطط لرفع الإنتاج وتعزيز الاستدامةالتقلبات العالمية أثرت على أسعار الأعلاف وجهود متواصلة لتوسيع الإنتاج
م. خلفان الشرجي:
-المحافظة على السلالات المحلية وتحسينها ورفع القدرة التنافسية للمنتجات الحيوانية
- تأثر القطاع بالتقلبات العلمية والبحث عن مصادر محلية بديلة لإنتاج الأعلاف
ترتكز الاستراتيجية الوطنية لتنمية واستدامة الثروة الحيوانية في سلطنة عمان على تحقيق الأمن الغذائي ورفع نسب الاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية إلى ما لا يقل عن 75% من سلع السلة الغذائية الحيوانية، بما يعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني ويرفع إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي.
وقال المهندس خلفان بن مطر الشرجي، مدير عام الثروة الحيوانية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في حديث لـ (عمان)، أن قطاع الثروة الحيوانية يعد أحد الركائز الأساسية في منظومة الأمن الغذائي، حيث يشهد تطورا ويحظى باهتمام حكومي متواصل مدعوم بحزمة من السياسات والاستثمارات الاستراتيجية الهادفة إلى رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الاستدامة.
وأوضح أن التوجه الحالي يركز على التحول بالقطاع من نمط تقليدي إلى قطاع إنتاجي واستثماري متكامل، عبر توسيع آفاق التعاون الإقليمي والدولي، وتنفيذ مشروعات نوعية تسهم في زيادة الإنتاج المحلي، إلى جانب التوسع في برامج الأمن الغذائي وتحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي، لا سيما في مجالات اللحوم البيضاء والحمراء، ومنتجات الألبان والصناعات التحويلية المرتبطة بها.
وبين أن إجمالي حجم الثروة الحيوانية في سلطنة عُمان بلغ نحو 4 ملايين و112 ألفا و824 رأسا بنهاية عام 2025م، موزعة على عدة أنواع رئيسية، حيث تصدر قطاع الماعز القائمة بإجمالي 2 مليون و644 ألفا و549 رأسا، مشكلا ما نسبته 64.4% من إجمالي الثروة الحيوانية، تلاه الأغنام بعدد 704 آلاف و355 رأسا بنسبة 17%، ثم الأبقار بإجمالي 455 ألفا و928 رأسا بنسبة 11.1%، فيما بلغ عدد الإبل 307 آلاف و992 رأسا بنسبة 7.5%.
وفيما يتعلق بقطاع الدواجن، سجل إنتاج اللحوم البيضاء نحو 149.6 ألف طن خلال عام 2024م، في حين بلغ إنتاج البيض نحو 977 مليون بيضة، ما يعكس مساهمة هذا القطاع في دعم منظومة الأمن الغذائي وتلبية الطلب المحلي.
الاكتفاء الذاتي
وأضاف أن النسبة العامة للاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية في سلطنة عُمان نحو 87.3% خلال عام 2024م، مدفوعة بارتفاع معدلات الإنتاج المحلي في عدد من السلع الأساسية. وسجل الحليب الخام أعلى نسبة اكتفاء ذاتي بلغت 96%، يليه بيض المائدة بنسبة 95%، فيما بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم البيضاء 62%، واللحوم الحمراء 45%، ما يعكس استمرار الجهود المبذولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات في هذا القطاع الحيوي.
التقلبات العالمية
وأوضح مدير عام الثروة الحيوانية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه أن قطاع تربية الماشية في سلطنة عمان تأثر بالتقلبات العالمية من خلال ارتفاع أسعار الأعلاف، نظرا لاعتماد السوق المحلي على استيراد معظم مدخلات إنتاج الأعلاف المركزة، باستثناء نخالة القمح التي توفر من المطاحن المحلية، رغم أن القمح نفسه يستورد من الخارج، ما يجعل القطاع أكثر عرضة للمتغيرات الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسعار.
وفيما يتعلق بإنتاج الأعلاف محليا، يواجه القطاع عددا من التحديات، من أبرزها تملح التربة، وشح الموارد المائية، وارتفاع نسب الملوحة، وهي عوامل تؤثر في القدرة على التوسع في إنتاج الأعلاف الخشنة.
وتبذل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه جهودًا متواصلة لمعالجة هذه التحديات، من خلال البحث عن مصادر محلية بديلة لإنتاج الأعلاف، ودراسة إمكانية استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في زراعة الأعلاف، إلى جانب تشجيع الاستثمار في مجالات إنتاج وتصنيع الأعلاف، بما يسهم في تعزيز الأمن العلفي وتقليل الاعتماد على الواردات.
الاستراتيجية الوطنية
وأوضح المهندس خلفان الشرجي أن الاستراتيجية الوطنية لاستدامة الثروة الحيوانية تعتمد في تحقيق مستهدفاتها على عدد من المحاور الرئيسة، من أبرزها تحديث أنماط الإنتاج الحيواني التقليدي، والمحافظة على السلالات المحلية وتحسينها وتنميتها، إلى جانب رفع القدرة التنافسية للمنتجات الحيوانية في الأسواق المحلية والخارجية. كما تشمل تطوير سلاسل القيمة وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات، وتشجيع الاستثمارات النوعية في القطاع، فضلا عن تعظيم الاستفادة الاقتصادية من شجرة اللبان العماني وتطوير الصناعات المرتبطة بها، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستدامة الاقتصادية ، مشيرا بأن الرؤية الاستراتيجية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في تطوير قطاع الثروة الحيوانية تنعكس من خلال استشراف الاحتياجات المستقبلية ووضع البرامج والخطط الكفيلة بتلبيتها، إلى جانب تهيئة بيئة استثمارية جاذبة عبر تحديد النطاقات الزراعية المناسبة، وإنشاء مدن متخصصة للثروة الحيوانية، ومنح الأراضي بنظام حق الانتفاع بوصفه أحد الحوافز المحفزة للاستثمار.
كما تعمل الوزارة على معالجة التحديات التي تواجه القطاع عبر تبني منهجيات حديثة، من بينها مختبرات الأمن الغذائي و"عيادات الحلحلة"، بما يسهم في تسريع الحلول ورفع كفاءة الأداء.
وفي إطار تعزيز استدامة الإنتاج الحيواني على المدى الطويل، تركز الجهود على استكمال حلقات الدورة الإنتاجية المتكاملة، لا سيما في قطاع الدواجن، من خلال إنشاء مزارع الجدود والأمهات، بما يعزز من قدرات الإنتاج المحلي ويحد من الاعتماد على الاستيراد.
توازن مستدام
وأضاف أن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه تعمل على تحقيق توازن مستدام بين حماية الثروة الحيوانية وضمان استمرارية دخل المربين، من خلال حزمة من السياسات والإجراءات الداعمة للقطاع. وتشمل هذه الجهود توفير الخدمات البيطرية والإرشادية بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المنتجات الحيوانية، إلى جانب تبني سياسات تنظيمية تعزز تنافسية المنتج المحلي وتحميه من الممارسات غير العادلة في الأسواق.
كما تولي الوزارة اهتماما بتوسيع مظلة التأمين على الثروة الحيوانية، بهدف الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها المربون، لا سيما المرتبطة بالأنواء المناخية والأوبئة، بما يعزز استقرار دخلهم ويدعم استدامة النشاط الإنتاجي، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي للقطاع على المدى الطويل.
تحسين السلالات
وحول برامج تحسين السلالات قال المهندس الشرجي: تسهم البرامج بدور محوري في الحفاظ على الثروة الحيوانية وتعزيز إنتاج السلالات المحلية، من خلال جهود بحثية وتطبيقية يقودها مركز بحوث الإنتاج الحيواني، الذي يعمل على إنتاج سلالات نقية من الماشية المحلية، وتوصيفها مظهرا وإنتاجي ووراثيا، وتسجيلها عالميا باسم سلطنة عمان، بما يحفظ مواردها الوراثية ويعزز مكانتها.
وتحرص الوزارة على نشر هذه السلالات والحفاظ عليها عبر توفير قشات التلقيح الاصطناعي، وتوزيعها مجانا من خلال العيادات البيطرية المعتمدة في القطاع الخاص بعد تأهيلها لتقديم هذه الخدمة وفق المعايير المعتمدة. كما يتم توزيع الذكور المحسنة على المربين بشكل سنوي عبر دوائر الثروة الحيوانية في المحافظات، حيث بلغ إجمالي الرؤوس الموزعة خلال السنوات الأربع الماضية 657 رأسا، الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين العوائد الاقتصادية للمربين.
التقنيات الحديثة
وحول جهود تطوير وتنظيم قطاع الثروة الحيوانية في سلطنة عُمان، قال الشرجي أن التقنيات الحديثة أسهمت بدور فاعل في تطوير وتنظيم القطاع، حيث تبنّت شركات إنتاج وتصنيع المنتجات الحيوانية أحدث الحلول التقنية في مجالات الألبان والدواجن والتصنيع الغذائي، ما انعكس في تحسين جودة المنتجات وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي جانب التنظيم والإدارة، جرى تطبيق تقنية الترقيم الإلكتروني للإبل، التي تستهدف إنشاء سجل رقمي متكامل لكل حيوان يتضمن بياناته وبيانات مالكه، حيث بلغ عدد الإبل المرقمة نحو 161 ألفا و878 رأسا حتى عام 2025م، بما يمثل نحو 53% من إجمالي أعداد الإبل في السلطنة. وتسهم هذه التقنية في توفير قاعدة بيانات دقيقة وشاملة حول أعداد الحيوانات وأنواعها وسلالاتها وتوزيعها الجغرافي، إلى جانب دعم إدارة القطعان وبرامج التحسين الوراثي ورفع الكفاءة الإنتاجية.
البرامج والمبادرات
تنفذ وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه حزمة من البرامج والمبادرات الهادفة إلى دعم المربين وتحسين أوضاعهم المعيشية والإنتاجية، انطلاقا من أهمية خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز الاستدامة الاقتصادية للقطاع. وفي هذا السياق، تسعى الوزارة إلى التخفيف من أثر ارتفاع أسعار الأعلاف، التي تمثل نحو 70% من إجمالي تكلفة الإنتاج الحيواني، من خلال برنامج دعم مدخلات الإنتاج لمصانع الأعلاف المركزة، بما يسهم في الحد من تقلبات الأسعار العالمية وضمان استقرار أسعار الأعلاف في السوق المحلي، وعدم تأثر المربين المستفيدين.
كما أطلقت الوزارة مبادرات لإيجاد بدائل مستدامة لإنتاج الأعلاف، من بينها إنتاج الأعلاف المائية مثل "الأزولا" و"الشعير المستنبت"، وذلك ضمن مبادرة دعم المزارعين، حيث يجري العمل على تقنين استخدامها عبر مركز بحوث الإنتاج الحيواني لإصدار التوصيات الفنية اللازمة، تمهيدا لتعميمها على المربين ورواد الأعمال الزراعية بالتعاون مع هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وفي إطار معالجة بعض التحديات البيئية المرتبطة بالقطاع، تدعم الوزارة مربي الإبل في محافظة ظفار بتوفير مكعبات الأملاح المعدنية، بما يسهم في الحد من ظاهرة تقشير الأشجار وتحسين التوازن الغذائي للحيوانات.
وعلى صعيد تمكين الفئات المنتجة، تعمل الوزارة بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية على تنفيذ مبادرات نوعية، من أبرزها مشروع تمكين النساء المنتجات عبر تعزيز سلسلة قيمة حليب الإبل ومشتقاته في ولاية رخيوت، وذلك من خلال شراكة ثلاثية تضم الوزارة ومنظمة "الجسر" ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بهدف رفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية، وزيادة دخل الأسر المنتجة، وخلق فرص عمل في الصناعات المرتبطة بحليب الإبل.
وتحرص الوزارة كذلك على مشاركة الكوادر الوطنية في الدورات وورش العمل التي تنظمها المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بصحة الحيوان، مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة عبر الندوات والبرامج المشتركة.
وفي جانب الإرشاد الحيواني، تنفذ الوزارة برنامج تدريبي سنوي لرفع كفاءة كوادر الإرشاد في مختلف المحافظات، إلى جانب تقديم برامج تدريبية مباشرة للمربين عبر الزيارات الميدانية والورش والندوات والمعارض المتخصصة. كما تشمل هذه الجهود تنظيم مهرجانات وفعاليات نوعية، من بينها مهرجان سناو مقصدنا للثروة الحيوانية بمحافظة شمال الشرقية، وتنفيذ برامج للإدارة المثلى للمخلفات الحيوانية وتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها في محافظة الظاهرة، إضافة إلى لقاءات إرشادية تستهدف تعزيز الممارسات الإنتاجية والاقتصادية والصحية للمربين في عدد من ولايات السلطنة، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق الاستدامة للقطاع.
القيمة المضافة
تعمل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه على تنفيذ خطط مستقبلية تستهدف رفع القيمة المضافة للمنتجات الحيوانية وتعزيز تنافسيتها في الأسواق المحلية والدولية، من خلال تبنّي برامج لإحلال الواردات وتوطين الإنتاج ضمن مستهدفات المليار الثاني، بما يسهم في تعظيم مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، تسعى الوزارة عبر الجهات المختصة إلى توقيع بروتوكولات لتصدير المنتجات الحيوانية، بهدف فتح أسواق خارجية جديدة وتعزيز حضور المنتجات العُمانية في الأسواق الإقليمية والدولية. كما أطلقت عددا من المبادرات النوعية لرفع القيمة المضافة، من أبرزها مبادرة تعزيز صادرات قطاع الأمن الغذائي، ومبادرة استغلال الفاقد الزراعي والحيواني، والاستفادة من مخلفات المسالخ في دعم الصناعات التحويلية المرتبطة بها، بما يعزز كفاءة سلاسل القيمة ويخلق فرصًا اقتصادية إضافية للقطاع.
المشروع الوطني لتحصين
وأوضح الشرجي أن المشروع الوطني لتحصين الثروة الحيوانية يُعد أحد أبرز الركائز التي تستند إليها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الأمراض الوبائية، حيث يتم تنفيذ برنامج التحصين السنوي عبر (25) فريقًا ميدانيًا، إلى جانب تعزيزه بفرق إضافية من الكوادر البيطرية في العيادات الحكومية، بهدف رفع نسبة التغطية إلى نحو 70% من إجمالي الثروة الحيوانية.
ويستهدف المشروع السيطرة على الأمراض الوبائية والمعدية وخفض معدلات الإصابة بها تمهيدًا للقضاء على بعضها، إلى جانب الحد من انتقال الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وضمان توفير منتجات حيوانية آمنة وعالية الجودة، فضلًا عن تقليل تكاليف العلاج وحماية البيئة المحلية من المخاطر الصحية. وتشمل قائمة الأمراض ذات الأولوية في برامج التحصين: الحمى القلاعية، وطاعون المجترات الصغيرة، وجدري الأغنام والماعز، وأمراض الكلوستريديا، والبستريلا، والتسمم الدموي، والبروسيلا، وداء الكلب، والتهاب الجلد العقدي، والسل الكاذب.
وبلغ إجمالي جرعات اللقاحات المقدمة ضمن البرنامج بنهاية عام 2025م نحو 5 ملايين و266 ألفا و756 جرعة، استهدفت حيوانات المزرعة الاقتصادية في مختلف محافظات السلطنة، فيما وصل عدد المربين المستفيدين من خدمات التحصين إلى أكثر من 41 ألف مربي.
وفيما يتعلق بالأمراض العابرة للحدود، تعتمد الوزارة على منظومة متكاملة تشمل الترصد الوبائي المستمر، وتفعيل نظم الإنذار المبكر، وتعزيز إجراءات الأمن الحيوي، إلى جانب التنسيق مع الجهات الإقليمية والدولية المختصة، بما يضمن سرعة الاستجابة والحد من انتشار هذه الأمراض.