غــزة بـعـد الـمـرحـلـة الثانية من خطة ترامب
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
وعود بـلا أرض صلبة..
في اللحظة التي أُعلن فيها الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب في غزة، التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يكن القطاع قد غادر بعد حالة الاشتباك المفتوح مع الألم. الإعلان، الذي حمل في لغته السياسية مفردات «الانسحاب» و«الإعمار» و«المرحلة الانتقالية»، وصل إلى الناس وهم ما زالوا يقيسون يومهم بعدد الغارات، وليلهم بعدد الخيام التي صمدت أمام الرياح.
لم يُستقبل الخبر بوصفه بداية مؤكدة لنهاية الحرب، بل كعنوان جديد لمرحلة غامضة، تتقاطع فيها الآمال الثقيلة مع ذاكرة طويلة من الوعود غير المكتملة. في الأزقة المؤقتة للمخيمات، وبين أنقاض المدن، راح الفلسطينيون يتداولون الإعلان بلغتهم الخاصة، لغة التجربة والخذلان، لا لغة البيانات.
يتحرك النقاش الشعبي في غزة اليوم بين حدَّين متناقضين: رغبة عميقة في أن تكون هذه المرحلة مخرجا حقيقيا من الحرب، وشك متجذر في أن تتحول، كغيرها، إلى مسار إداري لا يغيّر شيئا في معادلة الحصار والسيطرة. وبين هذين الحدين، تتشكل ردود فعل الناس، كلٌّ من موقعه، ومن حجم خسارته.
بدورها ترصد «عُمان» تلك الردود، لا بوصفها آراء منفصلة، بل كخريطة شعورية وسياسية تعكس كيف يرى الغزيون المرحلة الثانية: هل هي بداية نهاية، أم محطة أخرى في طريق طويل من الانتظار؟
إعلان إعلامي
في مخيمات النزوح غرب القطاع؛ حيث تتحول الحياة إلى تفاصيل حدّها الأدنى، ينظر غسان سالم إلى الإعلان بعيون مثقلة بالتجربة. الرجل البالغ من العمر اثنين وأربعين عاما، والذي أُصيب خلال الحرب، ويستخدم كرسيا متحركا، لا يرى في المرحلة الثانية سوى «إعلان إعلامي لا أكثر».
يقول غسان: إن ما يُطرح لا يتجاوز إدخال كميات محدودة من المساعدات، سرعان ما تتلاشى آثارها، فيما تبقى المشكلات الجوهرية على حالها. وبرأيه، فإن المناطق الغربية من القطاع مرشحة لأن تتحول إلى بؤر للأمراض خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب بنية صحية قادرة على الاستمرار.
يتوقف غسان عند ما يعتبره أخطر من الإعلان ذاته: الحديث عن توقف معظم المستشفيات والمراكز والجمعيات الصحية خلال شهرين، وفق ما أعلنه الاحتلال. ويرى أن هذا وحده كفيل بدفع الأوضاع نحو مستويات غير مسبوقة من التدهور، في وقت لا يمتلك فيه الناس بدائل.
وعن لجنة «التكنوقراط» ومجلس السلام، لا يخفي غسان تشككه في قدرتهما على إدارة غزة فعليا، معتبرا أن السيطرة الحقيقية على الأرض ما زالت بيد حركة حماس، وأن أي إدارة لا تمر عبر هذا الواقع ستبقى شكلية. ويخلص إلى أن فتح المعابر سيبقى الاختبار الحقيقي للنية، وإلا فإن الحصار سيظل قائما بأسماء جديدة.
بين الشك الحاد الذي يعبّر عنه غسان، تبرز أصوات أخرى ترى في المرحلة الثانية نافذة أمل، ولو ضيقة.
أمنيات الخيام
من المخيم المصري في خان يونس، يتحدث سامح الفيومي، البالغ من العمر تسعة وأربعين عاما، بلغة يغلب عليها الدعاء أكثر من التحليل. بالنسبة له، لا تعني المرحلة الثانية تفاصيل سياسية معقدة، بل احتمالا بسيطا: أن تُفتح المعابر، وأن ينسحب الاحتلال، فتبدأ الأزمة بالانفراج.
يقول سامح إن الناس تضرروا بما يكفي، فقدوا بيوتهم وأطفالهم وأحلامهم، وانتهوا إلى حياة الخيام. يستعيد المفارقة القاسية بين الماضي القريب، حين كانت البيوت قائمة، والحاضر الذي تُختصر فيه الحياة بقطعة قماش مشدودة على أعمدة.
ويضيف: إن أمله الأكبر أن تفتح المعابر لتدخل المساعدات، وأن تتحقق حلول تنهي هذه المأساة الممتدة. بالنسبة له، المرحلة الثانية ليست ملفا سياسيا، بل احتمال عودة إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
غير أن هذا الرجاء، حين يُختبر بمعايير الواقع الأمني والسياسي، يواجه تساؤلات أعمق حول القدرة على التنفيذ.
مسار معقد
في الرابع عشر من يناير الجاري، أعلن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب في غزة، بوصفها مرحلة محورية تهدف إلى الانتقال من وقف إطلاق النار المؤقت إلى سلام مستدام وإعادة إعمار شاملة. الإعلان تضمن سحب القوات الإسرائيلية بالكامل من القطاع، وبدء جهود إعادة الإعمار.
لكن هذه الخطة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الخلافات حول آليات التنفيذ، خاصة في الجوانب الأمنية والسياسية. وتتمثل البنية الإدارية للمرحلة في منح لجنة التكنوقراط الفلسطينية المؤقتة، المعروفة باسم «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» برئاسة علي شعث، صلاحيات الإشراف على الشؤون المدنية اليومية.
وتعمل هذه اللجنة بدعم من «مجلس سلام» دولي أعلن عنه البيت الأبيض، ويضم شخصيات دولية بارزة، من بينها توني بلير وستيف ويتكوف، بهدف دعم الاستقرار والإشراف على المرحلة الانتقالية. غير أن بنودا أساسية، مثل نزع سلاح الفصائل ونشر قوة دولية، لا تزال محل رفض من حماس، وتتحفظ عليها إسرائيل، ما يعقّد مسار التنفيذ.
سؤال القوة
محمد إبراهيم، اثنان وستون عاما، ينظر إلى اللجنة الإدارية من زاوية مختلفة. فهو يرى أن أي حكومة أو لجنة لا تمتلك مصدر قوة حقيقي لن تنجح في إدارة واقع معقد كالذي خلفته الحرب.
يؤكد محمد أن غياب عناصر أمنية تضبط الفلتان يجعل من الصعب على أي لجنة أن تعمل بفعالية. فالحرب، برأيه، لم تترك فراغا إداريا فقط، بل فوضى اجتماعية وأمنية تحتاج إلى معالجة متوازية.
يتحدث عن أمنيته الأولى: الاستقرار والشعور بالأمان، وانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل السابع من أكتوبر 2023. ويصف واقع الخيام المهترئة التي لا تقي برد الشتاء ولا قسوة الرياح، معتبرا أن الأوضاع بلغت حدا لا يُحتمل.
ويضيف: إن الإعمار بات ضرورة وجودية، لا ترفا سياسيا. فالمنخفض الجوي الأخير، كما يقول، اقتلع الخيام فوق رؤوس أصحابها، فيما يكافح الناس يوميا لتأمين الماء والطعام وسط قصف مستمر. ويختم بالتشكيك في أي حديث عن انسحاب حقيقي من «المناطق الصفراء»، معتبرا الإعلان عنها رمزيا لا أكثر.
هذا القلق من الشكلية يتكرر بصيغ مختلفة لدى من يرون في التجربة الطبية والإنسانية مقياسا لصدقية أي مرحلة.
أولوية الحياة
الدكتور بسام مطر النجار، طبيب فلسطيني، يتعامل مع المرحلة الثانية من زاوية إنسانية مباشرة. فهو يأمل أن تحمل خيرا للشعب الفلسطيني، لكنه لا يخفي عدم ثقته بالاحتلال والولايات المتحدة، معتبرا أن نقض العهود سمة ثابتة في التجربة السابقة.
بالنسبة له، الأولوية المطلقة هي إيقاف الحرب بشكل كامل. فإذا توقفت، كما يقول، ستُفتح كل الأبواب الأخرى تلقائيا. ويشير إلى أن الدول العربية قادرة على إعادة إعمار غزة بالكامل إذا سُمح لها بذلك، دون حاجة فعلية لأوروبا أو الولايات المتحدة.
ويرى أن أي إدارة تأتي بموافقة إسرائيلية ستكون إدارة فاشلة من حيث المبدأ؛ لأنها نتاج إرادة الاحتلال. ومع ذلك، يعترف بأن الواقع قد يفرض القبول بها كخيار اضطراري، مع ضرورة الضغط الدولي لتعديل موازين القوة.
ويختم بدعوة صريحة للمجتمع الدولي لاحترام قرارات الشعب الفلسطيني، مؤكدا أن ضغطا دوليا حقيقيا سيجبر إسرائيل في النهاية على الانسحاب من المناطق التي تحتلها.
في مقابل هذا الخطاب الإنساني، يبرز صوت آخر ينطلق من ذاكرة التهجير الطويلة.
حنين الأرض
ماجد غريب، نازح سبعيني من مخيم جباليا، لا يرى حتى الآن أي تغيير ملموس على الأرض. فالقصف والدمار، كما يقول، ما زالا مستمرين، والحديث عن المرحلة الثانية لم يترجم إلى وقائع.
يعبّر ماجد عن أمله في أن تشهد الأيام القادمة تراجعا للاحتلال ووقفا لعمليات القتل، لكنه يعترف بأن الغموض سيد الموقف. كل ما يتمناه في هذه المرحلة هو إزالة الركام، ليعود إلى أرضه، حتى لو كان ذلك في خيمة فوق أنقاض بيته. يتحدث عن نزوحه من شمال القطاع إلى جنوبه، وعن رغبته العميقة في العودة إلى مخيم جباليا. ويرى أن تقييم لجنة التكنوقراط سابق لأوانه، متمنيا أن تنجح في تحسين الأوضاع المعيشية. كما يناشد بتوفير كرفانات بدلا من الخيام، معتبرا ما يتعرض له الناس من تشرد وقهر أمرا يفوق طاقة البشر. ويوجه رسالة للمجتمع الدولي بضرورة تحسين توزيع المساعدات وتوفير فرص العمل للشباب.
هذا النداء الاجتماعي يجد صداه لدى من يربط نجاح أي مرحلة بعودة الحياة اليومية إلى مسارها الطبيعي.
حلم العادي
أبو علي، ثلاثة وخمسون عاما، نازح من مدينة غزة، يضع آماله على حكومة التكنوقراط في إصلاح ما يمكن إصلاحه. يقول إنه يأمل أن تقف هذه الحكومة مع الناس، وأن تجد حلولا لأزمة الصراع وإعادة الإعمار. يركز أبو علي على مطلب أساسي: فتح البلاد أمام المرضى والجرحى للسفر والعلاج. فهناك، بحسب قوله، مئات الحالات التي تحتاج إلى تدخل فوري لا يتوفر داخل القطاع. ويؤكد أن الأولوية القصوى اليوم هي المسكن والعمل والاستقرار، داعيا الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم لدعم غزة، بعد أن اكتفى الناس من الدمار. وعند مستوى التحليل السياسي، تتخذ المرحلة الثانية أبعادا أوسع تتجاوز الشهادات الفردية.
ميزان السياسة
المحلل السياسي الفلسطيني عاهد فروانة يرى أن إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية خطوة نوعية، لكنها مشروطة بضغط دولي فعلي لإلزام الاحتلال بمتطلباتها، وعلى رأسها الانسحاب وفتح المعابر والبدء بالإعمار.
يؤكد فروانة أن نجاح هذه المرحلة يتوقف على مدى التزام الاحتلال، مشيرا إلى محاولات نتنياهو توصيف الاستحقاقات بوصفها «شكلية». ويتطلع الشارع الفلسطيني، وفق رأيه، إلى أن تكون هذه المرحلة بداية تعافٍ حقيقي.
ويشير إلى أن الإعلان الأمريكي يفترض أن تمثل المرحلة الثانية وقفا دائما لإطلاق النار، لكن الاحتلال سيحاول التملص، ما يستدعي دورا حاسما للإدارة الأمريكية في الضغط.
ويختم بأن الانسحاب شرط لا يمكن الالتفاف عليه، وأن نجاح اللجنة الإدارية مرهون بالدعم الدولي ومنع الاحتلال من عرقلة عملها، كما حدث عندما حاول منع رئيس اللجنة من مغادرة الضفة الغربية لحضور اجتماع مجلس السلام في مصر.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المرحلة الثانیة هذه المرحلة فتح المعابر الثانیة من یرى أن إلى أن
إقرأ أيضاً:
الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
أكدت باحثة إسرائيلية بارزة، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في تحقيق الأهداف الثلاثة الرئيسة من الحرب على إيران.
وأوضحت الباحثة الإسرائيلية ومديرة برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي "INSS"، راز زيمت، أن "إسرائيل التي أظهرت بالتعاون غير المسبوق مع الولايات المتحدة، قدرات استخباراتية وعملية وتكنولوجية مبهرة، لديها شعور بالخسارة مع انتهاء الحرب".
وأضافت في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" وترجمته "عربي21" أن "هذا الهاجس ينبع أساسا من أن الأهداف الثلاثة الرئيسية التي تم تحديدها للحرب: تغيير النظام، وتدمير برنامج النووي، وإلحاق ضرر شديد بنظام الصواريخ، وجميع هذه الأهداف لم تتحقق أو تحققت بشكل جزئي فقط"، وفق ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية.
إخفاقات رئيسية
ورأت أن "الفشل الأول يكمن في ديناميكيات الدخول في الحرب، بعد فترة وجيزة من اندلاع الحرب، أعلن وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل كانت تخطط لشن حملة عسكرية ضد إيران في صيف عام 2026، جاء ذلك في ظل الجهود المبذولة لإعادة بناء نظام الصواريخ، ومع ذلك، فإن اندلاع احتجاجات شعبية في إيران في 2025، إلى جانب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته مساعدة الشعب الإيراني، خلقا فرصة استغلتها تل أبيب لتوحيد القوى مع واشنطن في محاولة لتحقيق أهداف أكثر طموحا من تلك التي تم التخطيط لها في الأصل، وكانت النتيجة الانتقال من حرب مخطط لها مسبقا إلى حرب تطورت تحت ضغط الوقت، وظروف عدم اليقين، والاختلافات بين المستوى السياسي العسكري في البلدين".
ونبهت أن "أحد الإخفاقات الرئيسية هو التقليل من تقدير صمود النظام الإيراني، حيث تبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقديرات "الموساد" بشأن إمكانية انهيار النظام من خلال تشجيع المعارضة وإشعال الاضطرابات، واقتنع ترامب بأن إسقاط النظام أمر ممكن"، مضيفة أن "إسرائيل والولايات المتحدة بالغتا في تقدير قدرتهما على تنفيذ الخطط العملياتية، بما في ذلك غزو مجموعات كردية انفصالية من شمال العراق وتعيين الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد زعيما لها، في حين قللتا من تقدير مناعة النظام الإيراني".
وأوضحت الباحثة، أن مجريات الأحداث "بينت أن هذا النظام نظام مؤسسي متعدد المستويات ومتين، قادر على الحفاظ على استمرارية وظيفية حتى في ظل الإصابة الشديدة في قمة النظام وفي سلاسل القيادة والسيطرة"، منوهة أن "النظام الإيراني نجح في التكيف بسرعة وتشكيل قيادة جماعية جديدة بقيادة مجتبى خامنئي، في حين ساهمت الضربة التي تلقتها البنية التحتية وتشجيع الاتجاهات الانفصالية بين الأقليات وتصريحات ترامب "تدمير الحضارة الإيرانية"، في مساعدة النظام على حشد قطاعات واسعة من الجمهور، بما في ذلك منتقديه، حول مشاعر القومية والوطنية".
فجوات بين الأهداف
وكشفت الحرب ضد إيران بحسب زيمت عن "فجوة كبيرة بين الأهداف التي حددها المستوى السياسي وبين قدرات المستوى العسكري، فبينما حدد المستوى السياسي في بداية الحرب أهدافا طموحة للغاية، وعلى رأسها تغيير النظام، ركز المستوى العسكري على إضعاف القدرات وتهيئة الظروف لتغيير سياسي مستقبلي، وأدت هذه الفجوة إلى عدم اتساق بين الرؤية السياسية والخطط العسكرية".
كما بينت أن "الافتراض الأساسي القائل بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى انهيار النظام، أو على الأقل سيجبره على الخضوع، كان محدودا، حيث تجاهل الأبعاد الأيديولوجية للنظام وحقيقة أنه كان ينظر إلى المعركة على أنها صراع وجودي".
ورأت أن "النظام يأخذ الاعتبارات الاقتصادية في الحسبان، لكنه مستعد لتحمل تكاليف باهظة للغاية، لا سيما عندما يرى أن الثمن المترتب على التنازلات الإستراتيجية قد يكون أشد وطأة من الثمن الاقتصادي، وقدر النظام أن عتبة تحمل الألم لدى المجتمع الدولي إزاء العواقب الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز أقل من تلك لدى إيران، وأن ترامب سيضطر في النهاية إلى التنازل أولا"، موضحة أن "هناك صعوبة في تقدير التأثير الذي كان من الممكن أن يحدثه استمرار الحصار البحري على عمليات صنع القرار في طهران، وكان هناك شكا كبيرا بأن تفاقم الوضع الاقتصادي بشكل إضافي كان سيقنع النظام بالموافقة على تنازلات".
المفاجأة البحرية
وبينت الباحثة، أن "إغلاق مضيق هرمز الذي لم يكن بحد ذاته مفاجأة استخباراتية، إلا أن توقيت الإغلاق في المراحل الأولى من الحرب وخصائص الإغلاق من خلال نشر ألغام في قلب ممر الملاحة وليس فقط من خلال إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار على ناقلات النفط، وفرت لإيران رافعة ضغط عالمية لا تعتمد على قدراتها العسكرية، ونتيجة لذلك، اضطرت واشنطن وتبعتها إسرائيل إلى تغيير أولوياتها في الحرب؛ فبدلاً من مواصلة الضغط العسكري، الذي كان يهدف إلى تحقيق إنجازات عملياتية أكثر أهمية فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ والبرنامج النووي، تم توجيه جزء كبير من الجهد الأمريكي (في إطار المفاوضات مع إيران) لفتح المضيق بهدف استقرار سوق الطاقة والتجارة العالمية".
ولفتت على أن "تحقيق جزء من أهداف الحرب، وفي مقدمتها إلحاق ضرر كبير بالقدرات النووية، ونو ما كان يستلزم القيام بعملية برية كبيرة تسمح بإلحاق ضرر عميق بالمنشآت النووية وإخراج اليورانيوم المخصب، لكن الخطة العملياتية لتدمير مشروع الطاقة النووية لم تتحقق في نهاية المطاف، بسبب مخاوف القيادة السياسية من تكبد خسائر فادحة وسقوط جنود في الأسر، كما تم تأجيل الخطط العملياتية التي كانت من الممكن أن تساعد في حل أزمة هرمز، بسبب المخاطر التي تنطوي عليها".
وخلصت إلى أن "النظام الإيراني لن ينهار في المدى القصير، فلا يوجد اليوم ما يشير إلى وجود تهديد فوري لاستقرار النظام أو قدرته على التعامل مع الاحتجاجات المستقبلية، فالنظام يحافظ النظام على تماسكه الداخلي وقدرته الكبيرة على السيطرة.
بناء القدرات
وأشارت زيمت، إلى أن "جهود إعادة بناء منظومة الصواريخ، التي بدأت بالفعل مع وقف إطلاق النار، تشي بنية طهران مواصلة تطوير قدراتها العسكرية الإستراتيجية، وينطبق الأمر نفسه على إعادة بناء فروعها الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله، فمن وجهة نظر النظام الإيراني، أثبتت "زئير الأسد" (الحرب ضد إيران) مجددا أهمية مفهوم "وحدة الساحات"، وستواصل طهران جهودها لإعادة بناء الشبكة الإقليمية التي نسجتها على مدى سنوات".
وأضافت: "لقد عززت الحرب الأصوات الإيرانية التي ترى أنه لا ينبغي الاكتفاء بوضع الدولة التي تقترب من امتلاك السلاح النووي، بل يجب السعي لتحقيق الردع المطلق من خلال الأسلحة النووية، لقد ازداد الدافع نحو ذلك"، معترفة أن "تل أبيب" فشلت في تدمير البرنامج النووي الإيراني، حيث "ما زالت القدرات النووية المتبقية في حوزة إيران توفر لها حتى اليوم إمكانية تطوير قنبلة نووية".
واستبعدت الباحثة "منع إيران في هذه المرحلة، من الحصول على أسلحة نووية من خلال اتفاق سياسي بين إيران والولايات المتحدة، وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق يوفر حلا معينا في مجال التعليق طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم، والتعامل مع اليورانيوم المخصب في مستويات عالية (20 إلى 60 في المئة) عن طريق إخراجه خارج إيران أو تخفيفه إلى مستويات منخفضة وإعادة رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، يمكن تقدير أن هذه الخطوات أيضا لن تمنعها من الوصول إلى الأسلحة النووية، وذلك بسبب القدرات التي ستظل في حوزتها".
وشددت على ضرورة أن "تأخذ إسرائيل في الحسبان أن تآكل مكانتها السياسية في الولايات المتحدة، قد يحد من حرية تحركها المستقبلية تجاه إيران، كما قد تؤدي التغييرات السياسية المحتملة في واشنطن في السنوات المقبلة أو التغيرات في أولوياتها على الساحة الدولية إلى تعزيز هذا الاتجاه".
وبينت أن "فشل الجهود الرامية إلى إحداث تغيير سياسي، يستلزم إعادة النظر في جدوى دفع عمليات التغيير في إيران من خلال التدخل الأجنبي، ناهيك عن شن حملة عسكرية، وهذا لا يعني أنه لا حاجة لمواصلة الجهود لإضعاف النظام في اتجاهين رئيسيين؛ النشاط السياسي والاقتصادي والوعي، بما في ذلك على الساحة الدولية، بهدف إضعاف النظام على المدى الطويل، إضافة إلى صياغة أدوات يمكن أن تساعد قوى التغيير في إيران في سيناريو تجدد الاحتجاج ضد النظام".
وأقرت مديرة برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد أبحاث الأمن القومي، أن "القدرة على دفع عمليات التغيير الداخلية في إيران من الخارج محدودة للغاية، علما أن هذه العمليات لن تؤدي بالضرورة إلى تغيير في الحكم، أيضا من المناسب التخلص من التصور القائل بأنه يمكن الاعتماد على الجماعات والمنظمات العلمانية والموالية للغرب وإسرائيل في الشتات، التي تسعى إلى إحداث تغيير ثوري في إيران".
ونبهت أنه "إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بخوض جولات قتالية متكررة وبوتيرة عالية ضد إيران، مما يعطل اقتصادها بشكل كبير، ويتطلب تفوقا جوياً واستخباراتيا ومساعدة أمريكية، لا يمكن ضمان أنها ستكون متاحة لها في المستقبل، وتل أبيب ستجد صعوبة في التعايش مع واقع تملك فيه الجمهورية الإسلامية ترسانة تضم آلاف الصواريخ الباليستية القادرة على ضربها، وبالتالي، يتعين على إسرائيل إعادة النظر في الخطوط الحمراء التي سيستلزم تجاوزها من قبل إيران اتخاذ إجراء عسكري يتناسب مع خطورة التهديد، سواء من الناحية الكمية ومن الناحية النوعية، وذلك وفقا لقدرات الجيش الإسرائيلي على الاعتراض والتداعيات الواسعة النطاق لمثل هذه العمليات على الاقتصاد والمجتمع والعلاقات الخارجية لإسرائيل".
حل دائم
ونبهت إلى أهمية أن "تطور تل أبيب أدوات إضافية، بما في ذلك قدرات سرية، من شأنها تعطيل أو تأخير قدرة إيران على إعادة بناء نظام صواريخها؛ ومواصلة تطوير قدرات محسنة للتعامل مع تهديد الصواريخ، بما في ذلك في مجال الدفاع الجوي وإدارة العمليات في الفضاء تحت الأرضي"، مؤكدة أنه "لا يمكن لإسرائيل أن تتسامح مع تطوير إيران لأسلحة نووي، كما لا يمكن الاعتماد على تغيير النظام لحل مشكلة البرنامج النووي، وهناك شك كبير في إمكانية منع إيران من الوصول إلى الأسلحة النووية على المدى الطويل من خلال التسوية السياسية وحدها".
وقدرت أنه "في المستقبل المنظور سيكون من الضروري إيجاد طريقة للتأكد من أن إيران لا تجدد جهودها سواء في مجال تخصيب اليورانيوم أو في مجال تطوير الأسلحة، وذلك من خلال مزيج من الترتيبات السياسية التي تقلص، قدر الإمكان، القدرات النووية التي تمتلكها إيران وتجدد رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، وربما توسعها لتشمل مواقع إضافية؛ ومراقبة استخباراتية دقيقة ومستمرة؛ وإعداد القدرة العسكرية للتدخل في حال وجود أدلة على إعادة بناء القدرات النووية".
وبينت الباحثة أن "الحاجة تزداد إلى ترتيبات سياسية في ضوء المخاوف من عدم إمكانية ضمان قدرة استخباراتية محكمة على المدى الطويل، توفر الردع ضد الجهود الإيرانية المتجددة في المجال النووي وفي ضوء القيود المحتملة على استخدام الخيارات العسكرية في المستقبل، وذلك على غرار نماذج مراقبة الأسلحة من فترة الحرب الباردة".
ودعت إلى "دعم الجهود الرامية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية – ولو جزئية – حتى لو كان ذلك يعني منح النظام بعض التسهيلات الاقتصادية، وبما أنه لا يمكن ضمان أن ينهار النظام قبل أن يتمكن من الحصول على أسلحة نووية، فإنه يتعين إيجاد التوازن الصحيح بين الاتفاقات السياسية ومواصلة الضغط على إيران، بالتوازي مع الاستعداد المستمر لمواجهة المحاولات الإيرانية لاقتحام مجال الأسلحة النووية".
وخلصت في نهاية مقالها في "يديعوت أحرنوت"، أنه "رغم النجاحات العملياتية المذهلة التي تحققت، لكنه لم يتم التوصل إلى حل دائم مرضٍ للتحدي الإيراني، وبالتالي، الأمر يتطلب إعادة التفكير في مواجهة التهديد الإيراني، بحيث تأخذ في الاعتبار الحاجة إلى الجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية في المعركة المستمرة؛ وتحديد أهداف واقعية تجاه إيران؛ والاعتراف بحدود القوة، إلى جانب عدم القدرة على التسامح مع تسليح طهران بقدرات عسكرية تشكل تهديدا استراتيجيا لأمن إسرائيل".