الارتداد الاستراتيجي لترامب من إنهاء الحروب إلى الاستحواذ على الثروات العالمية
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
مع مطلع عام 2026، يجد العالم نفسه أمام واقع مغاير تماما لما روج له دونالد ترامب إبان حملته الانتخابية. فبينما قدم نفسه كقائد وحيد قادر على إنهاء الصراعات العالمية ووقف "الحروب الأبدية"، تكشف التحركات الراهنة لإدارته عن نمط مغاير يتسم بالعدائية والتوسع. لم يعد الهدف الأمريكي "نشر الديمقراطية"، بل أضحى استخدام القوة العسكرية المفرطة للهيمنة على الثروات المعدنية والموارد الطبيعية العالمية.
اجتياح كاراكاس: عهد جديد من التدخل
في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2026، استيقظ العالم على أنباء غارة عسكرية واسعة النطاق في فنزويلا، حيث قامت وحدات العمليات الخاصة، مدعومة بضربات جوية مكثفة، باختطاف الرئيس "نيكولاس مادورو". ورغم ادعاء البيت الأبيض أن العملية تهدف إلى تحقيق "الاستقرار"، إلا أن الدوافع الحقيقية كانت واضحة؛ إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في كوكب الأرض.
ومن خلال إحياء "عقيدة مونرو" تحت مسمى جديد هو "ملحق ترامب"، أعلنت الإدارة الأمريكية فعليا أن أمريكا الجنوبية منطقة موارد خاصة بالولايات المتحدة. إن تصريح ترامب الأخير بأن بلاده ستدير فنزويلا "إلى أجل غير مسمى" يؤكد أن الأمر لا يتعلق بالتحرير، بل هو مخطط مدروس للتحكم في أسعار الطاقة ومنع الخصوم، لا سيما الصين وروسيا، من الوصول إلى النفط اللاتيني.
هوس القطب الشمالي: جرينلاند ونهب الموارد
ولعل التحرك التوسعي الأكثر صدمة هو تجدد التهديدات ضد غرينلاند. ففي أوائل كانون الثاني/ يناير، أكد مسؤولون في البيت الأبيض أن "جميع الخيارات"، بما في ذلك القوة العسكرية، مطروحة على الطاولة للاستحواذ على الجزيرة. إن "جرينلاند" بالنسبة لواشنطن ليست مجرد جزيرة شاسعة، بل هي مخزن للثروات؛ فهي تضم رواسب هائلة من خام الحديد، والزنك، والذهب، والأهم من ذلك، العناصر الأرضية النادرة.
هذه المعادن ضرورية للتصنيع عالي التقنية والمعدات العسكرية. ومن خلال تهديد حليف في حلف "الناتو" مثل الدنمارك، أظهرت إدارة ترامب أنها تثمن الثروة المعدنية أكثر من التحالفات التاريخية، محولة السياسة الخارجية إلى "صفقات عقارية" تتجاهل القانون الدولي وحقوق الشعوب.
المطاردة العالمية للمعادن الحيوية
وبعيدا عن القارة الأمريكية، كثفت الولايات المتحدة نفوذها الاقتصادي والعسكري في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. فقد ربطت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 صراحة بين الأمن القومي والسيطرة على سلاسل توريد المعادن، وخصصت الإدارة أكثر من 10 مليارات دولار لـ"شراكات ثنائية" هي في جوهرها امتيازات تعدينية حصرية.
وفي دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، تستخدم واشنطن "المساعدات الأمنية" كأداة لإقصاء شركات التعدين الصينية. وتحت غطاء حماية هذه الدول من "النفوذ الخبيث"، تستحوذ الولايات المتحدة على حقوق حصرية لاستخراج الكوبالت والليثيوم. هذا التوجه يمثل شكلا جديدا من أشكال الاستعمار؛ فب
دلا من بناء البنية التحتية، تبني واشنطن "ممرات معدنية" لتحويل الثروات إلى خزائنها، تاركة الشعوب المحلية في فقر مدقع.
وعود منقوضة في الشرق الأوسط
يقدم الشرق الأوسط الدليل الأوضح على زيف وعود ترامب بالسلام، فبينما زعم أنه سينهي التوتر مع إيران، شنت إدارته مؤخرا ضربات مباشرة على منشآت نووية إيرانية، مما دفع المنطقة إلى حافة حرب شاملة.
إن الهدف في إيران يتجاوز البرنامج النووي؛ إذ يتعلق الأمر بفرض تغيير في النظام يسمح للشركات الأمريكية باستعادة السيطرة على حقول الغاز الطبيعي والنفط الهائلة. ومن خلال زعزعة استقرار المنطقة، تضمن واشنطن بقاءها كقوة مهيمنة قادرة على إملاء الشروط على الدول المعتمدة على الطاقة في أوروبا وآسيا.
توسع المجمع الصناعي العسكري
تم التخلي أيضا عن وعد خفض الإنفاق العسكري. ففي عام 2025، تم إقرار قانون "المخزون الوطني الدفاعي"، الذي ضخ المليارات لتأمين المواد الخام بأي وسيلة كانت. ولم يعد الجيش الأمريكي أداة للدفاع، بل تحول إلى حارس أمني عالمي لشركات التعدين والطاقة الأمريكية، حتى إن الإدارة بدأت تناقش فكرة "ضم" أجزاء من كندا لتأمين موارد المياه والأخشاب، وهو أمر كان من غير المتصور حدوثه قبل سنوات قليلة.
تكلفة السياسة التوسعية
إن الفاتورة الإنسانية لهذه السياسة التوسعية آخذة في الارتفاع؛ ففي فنزويلا، أدى الإطاحة بالحكومة إلى حالة من الاضطراب المدني الشامل وأزمة إنسانية خانقة، وفي منطقة القطب الشمالي، يعصف تهديد العسكرة بالاستقرار البيئي للمنطقة. وعلى الصعيد الدولي، باتت الولايات المتحدة تصنف كـ"طرف مفترس" يتجاهل سيادة الدول لإشباع نهمه للموارد.
وتكمن المفارقة الصارخة في أن هذه الحروب من أجل الموارد تخاض تحت شعار "أمريكا أولا"، رغم أن عوائد هذه المعادن والاحتياطيات النفطية لا تصب في مصلحة المواطن الأمريكي العادي، بل تذهب إلى جيوب فئة محدودة من المانحين المليارديرات وعمالقة الشركات الذين يمولون الآلة السياسية للإدارة.
قناع السلام
بنى دونالد ترامب حملته الانتخابية على فكرة أنه "صانع سلام"، وأقنع الملايين بأن عهد الإمبريالية الأمريكية قد انتهى. لكن أفعاله في عامي 2025 و2026 تروي قصة مختلفة؛ فمن خلال استهداف الدول الغنية بالمعادن وتوسيع نطاق التدخلات العسكرية، دشن حقبة أكثر خطورة من الصراعات العالمية.
إنها ليست سياسة "انعزالية"، بل هي سياسة "توسعية" عدوانية مدفوعة بالجشع للموارد. إن العالم لا يزداد أمانا، بل يتم تقطيعه من قبل قوة عظمى ترى في كل دولة "منجما" يجب استغلاله أو "إقليما" يجب الاستحواذ عليه. لم تنتهِ "الحروب الأبدية"، بل تغير هدفها من "الأيديولوجيا" إلى "المعادن"، وطالما استمرت واشنطن في هذا النهج، سيبقى الاستقرار العالمي حلما بعيد المنال يُضحى به على مذبح الطموحات التوسعية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء ترامب القوة امريكا القوة ترامب مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
وزير الخارجية الألماني ينتقد قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب إفريقيا إلى اجتماعات مجموعة العشرين
جوهانسبرغ – أنتقد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قرار الولايات المتحدة عدم توجيه دعوة إلى جمهورية جنوب إفريقيا للمشاركة في اجتماعات مجموعة العشرين.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في نوفمبر 2025 ، أن جنوب إفريقيا لن تتلقى دعوة للمشاركة في قمة مجموعة العشرين التي تستضيفها الولايات المتحدة عام 2026.
وقال فاديفول، خلال كلمة ألقاها في جامعة ويتواترسراند بمدينة جوهانسبرغ، وفقا لما نقلته وكالة “د ب أ”، إن استبعاد جنوب إفريقيا يعني تهميش صوت مهم للقارة الإفريقية، وكذلك قوة اقتصادية وسياسية إقليمية رائدة.
وأضاف الوزير أن قمة مجموعة العشرين التي استضافتها جوهانسبرغ عام 2025 أثبتت أن جنوب إفريقيا لا تزال عضوا لا غنى عنه في المنتدى الدولي، مذكرا بأنها من الدول المؤسسة لمجموعة العشرين.
كما سلط وزير الخارجية الألماني الضوء على قضية تمثيل إفريقيا في مجلس الأمن الدولي، معتبرا أن أزمة التعددية لا تتجلى في أي مكان بوضوح كما هي الحال داخل الأمم المتحدة.
وأضاف: لا يمكن للأمم المتحدة أن تكون ممثلة بحق من دون تمثيل دائم لإفريقيا في مجلس الأمن.
وشهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا توترا خلال رئاسة دونالد ترامب، إذ تتهم واشنطن حكومة بريتوريا بالتساهل مع الجرائم المرتكبة بحق السكان البيض في البلاد، وذلك لتبرير عدم دعوة جنوب إفريقيا للمشاركة في اجتماعات مجموعة العشرين خلال فترة رئاستها للمجموعة.
وأكدت ممثلة روسيا لدى مجموعة العشرين، سفيتلانا لوكاش، لوكالة “نوفوستي”، أن ممثلي جنوب إفريقيا لم يشاركوا في اجتماع الشيربا الذي عقد في واشنطن في ديسمبر 2025.
واستضافت واشنطن يومي 15 و16 ديسمبر 2025 أول اجتماع لممثلي دول مجموعة العشرين في إطار الرئاسة الأمريكية للمجموعة، فيما تخطط الولايات المتحدة لعقد قمة قادة المجموعة في ديسمبر2026 بمدينة ميامي.
المصدر: نوفوستي