مع مطلع عام 2026، يجد العالم نفسه أمام واقع مغاير تماما لما روج له دونالد ترامب إبان حملته الانتخابية. فبينما قدم نفسه كقائد وحيد قادر على إنهاء الصراعات العالمية ووقف "الحروب الأبدية"، تكشف التحركات الراهنة لإدارته عن نمط مغاير يتسم بالعدائية والتوسع. لم يعد الهدف الأمريكي "نشر الديمقراطية"، بل أضحى استخدام القوة العسكرية المفرطة للهيمنة على الثروات المعدنية والموارد الطبيعية العالمية.



اجتياح كاراكاس: عهد جديد من التدخل

في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2026، استيقظ العالم على أنباء غارة عسكرية واسعة النطاق في فنزويلا، حيث قامت وحدات العمليات الخاصة، مدعومة بضربات جوية مكثفة، باختطاف الرئيس "نيكولاس مادورو". ورغم ادعاء البيت الأبيض أن العملية تهدف إلى تحقيق "الاستقرار"، إلا أن الدوافع الحقيقية كانت واضحة؛ إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في كوكب الأرض.

ومن خلال إحياء "عقيدة مونرو" تحت مسمى جديد هو "ملحق ترامب"، أعلنت الإدارة الأمريكية فعليا أن أمريكا الجنوبية منطقة موارد خاصة بالولايات المتحدة. إن تصريح ترامب الأخير بأن بلاده ستدير فنزويلا "إلى أجل غير مسمى" يؤكد أن الأمر لا يتعلق بالتحرير، بل هو مخطط مدروس للتحكم في أسعار الطاقة ومنع الخصوم، لا سيما الصين وروسيا، من الوصول إلى النفط اللاتيني.

هوس القطب الشمالي: جرينلاند ونهب الموارد

ولعل التحرك التوسعي الأكثر صدمة هو تجدد التهديدات ضد غرينلاند. ففي أوائل كانون الثاني/ يناير، أكد مسؤولون في البيت الأبيض أن "جميع الخيارات"، بما في ذلك القوة العسكرية، مطروحة على الطاولة للاستحواذ على الجزيرة. إن "جرينلاند" بالنسبة لواشنطن ليست مجرد جزيرة شاسعة، بل هي مخزن للثروات؛ فهي تضم رواسب هائلة من خام الحديد، والزنك، والذهب، والأهم من ذلك، العناصر الأرضية النادرة.

هذه المعادن ضرورية للتصنيع عالي التقنية والمعدات العسكرية. ومن خلال تهديد حليف في حلف "الناتو" مثل الدنمارك، أظهرت إدارة ترامب أنها تثمن الثروة المعدنية أكثر من التحالفات التاريخية، محولة السياسة الخارجية إلى "صفقات عقارية" تتجاهل القانون الدولي وحقوق الشعوب.

المطاردة العالمية للمعادن الحيوية

وبعيدا عن القارة الأمريكية، كثفت الولايات المتحدة نفوذها الاقتصادي والعسكري في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. فقد ربطت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 صراحة بين الأمن القومي والسيطرة على سلاسل توريد المعادن، وخصصت الإدارة أكثر من 10 مليارات دولار لـ"شراكات ثنائية" هي في جوهرها امتيازات تعدينية حصرية.

وفي دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، تستخدم واشنطن "المساعدات الأمنية" كأداة لإقصاء شركات التعدين الصينية. وتحت غطاء حماية هذه الدول من "النفوذ الخبيث"، تستحوذ الولايات المتحدة على حقوق حصرية لاستخراج الكوبالت والليثيوم. هذا التوجه يمثل شكلا جديدا من أشكال الاستعمار؛ فب
دلا من بناء البنية التحتية، تبني واشنطن "ممرات معدنية" لتحويل الثروات إلى خزائنها، تاركة الشعوب المحلية في فقر مدقع.

وعود منقوضة في الشرق الأوسط

يقدم الشرق الأوسط الدليل الأوضح على زيف وعود ترامب بالسلام، فبينما زعم أنه سينهي التوتر مع إيران، شنت إدارته مؤخرا ضربات مباشرة على منشآت نووية إيرانية، مما دفع المنطقة إلى حافة حرب شاملة.

إن الهدف في إيران يتجاوز البرنامج النووي؛ إذ يتعلق الأمر بفرض تغيير في النظام يسمح للشركات الأمريكية باستعادة السيطرة على حقول الغاز الطبيعي والنفط الهائلة. ومن خلال زعزعة استقرار المنطقة، تضمن واشنطن بقاءها كقوة مهيمنة قادرة على إملاء الشروط على الدول المعتمدة على الطاقة في أوروبا وآسيا.

توسع المجمع الصناعي العسكري

تم التخلي أيضا عن وعد خفض الإنفاق العسكري. ففي عام 2025، تم إقرار قانون "المخزون الوطني الدفاعي"، الذي ضخ المليارات لتأمين المواد الخام بأي وسيلة كانت. ولم يعد الجيش الأمريكي أداة للدفاع، بل تحول إلى حارس أمني عالمي لشركات التعدين والطاقة الأمريكية، حتى إن الإدارة بدأت تناقش فكرة "ضم" أجزاء من كندا لتأمين موارد المياه والأخشاب، وهو أمر كان من غير المتصور حدوثه قبل سنوات قليلة.

تكلفة السياسة التوسعية

إن الفاتورة الإنسانية لهذه السياسة التوسعية آخذة في الارتفاع؛ ففي فنزويلا، أدى الإطاحة بالحكومة إلى حالة من الاضطراب المدني الشامل وأزمة إنسانية خانقة، وفي منطقة القطب الشمالي، يعصف تهديد العسكرة بالاستقرار البيئي للمنطقة. وعلى الصعيد الدولي، باتت الولايات المتحدة تصنف كـ"طرف مفترس" يتجاهل سيادة الدول لإشباع نهمه للموارد.

وتكمن المفارقة الصارخة في أن هذه الحروب من أجل الموارد تخاض تحت شعار "أمريكا أولا"، رغم أن عوائد هذه المعادن والاحتياطيات النفطية لا تصب في مصلحة المواطن الأمريكي العادي، بل تذهب إلى جيوب فئة محدودة من المانحين المليارديرات وعمالقة الشركات الذين يمولون الآلة السياسية للإدارة.

قناع السلام

بنى دونالد ترامب حملته الانتخابية على فكرة أنه "صانع سلام"، وأقنع الملايين بأن عهد الإمبريالية الأمريكية قد انتهى. لكن أفعاله في عامي 2025 و2026 تروي قصة مختلفة؛ فمن خلال استهداف الدول الغنية بالمعادن وتوسيع نطاق التدخلات العسكرية، دشن حقبة أكثر خطورة من الصراعات العالمية.

إنها ليست سياسة "انعزالية"، بل هي سياسة "توسعية" عدوانية مدفوعة بالجشع للموارد. إن العالم لا يزداد أمانا، بل يتم تقطيعه من قبل قوة عظمى ترى في كل دولة "منجما" يجب استغلاله أو "إقليما" يجب الاستحواذ عليه. لم تنتهِ "الحروب الأبدية"، بل تغير هدفها من "الأيديولوجيا" إلى "المعادن"، وطالما استمرت واشنطن في هذا النهج، سيبقى الاستقرار العالمي حلما بعيد المنال يُضحى به على مذبح الطموحات التوسعية.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء ترامب القوة امريكا القوة ترامب مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

باحث علاقات دولية: ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من التعقيدات

قالت جينجر تشابمان، الباحثة في العلاقات الدولية، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد إنهاء الحرب مع إيران، فكلما طال أمد هذه الحرب، ألحق ذلك ضررًا كبيرًا ليس بالرئيس ترامب فحسب، بل بالعالم أجمع.

وأضافت خلال مداخلة في برنامج "منتصف النهار"، المذاع على قناة "القاهرة الإخبارية"، وتقدمه الإعلامية نهى درويش، أنه مع ذلك، فإن الرئيس ترامب أصبح في محاصر في الزاوية؛ إذ لا يستطيع إنهاء هذه الحرب بسهولة، خصوصًا أن الجانب الإيراني ربط إنهاءها بوقف إطلاق النار في لبنان، كما أن الرئيس ترامب مضطر الآن إلى التعامل بشكل مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يُعد أحد العناصر المشاكل الرئيسية في مسار هذه الحرب.

أوضحت أن ترامب مطالب في الوقت الراهن باحتواء نتنياهو بطريقة ما، وليس من الواضح ما إذا كان يمتلك القدرة على القيام بذلك، وقد أدى هذا الأمر إلى توتر في العلاقة بين نتنياهو وترامب، كما ظهر في منشورات الرئيس ترامب على منصة "تروث سوشيال"، وكذلك في التقارير والتسريبات التي نشرتها وسائل إعلام مختلفة، ومنها موقع أكسيوس.

ولفت إلى أنه في الوقت ذاته، يحتاج الرئيس ترامب بشكل ملح إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وقد أصبح واضحًا للجميع أن المضيق يمثل ورقة ضغط بالغة الأهمية بالنسبة إلى إيران، بل ربما تفوق أهميته في هذه المرحلة ملفها النووي.

وأكدت أن طهران تحقق مكاسب على صعيد الملف النووي، مستفيدة من حالة الغموض التي تميز تصريحاتها ومواقفها الرسمية، لذلك فإن المشهد الحالي يتغير بوتيرة سريعة جدًا، وقد رأينا خلال التطورات الأخيرة تحولات أثرت بشكل ملحوظ في ميزان القوة لمصلحة الجانب الإيراني.

اقرأ المزيد..

تسهيلات غير مسبوقة لسوق المال.. إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية وتخفيضات جمركية على الدمغة رئيس مصلحة الجمارك يكشف أبرز التسهيلات والإجراءات الجديدة لدعم حركة التجارة وتيسير الإفراج الجمركي "بروكسل للأبحاث": كلما تأخر توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران زادت احتمالات عودة التصعيد خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات الزراعة: مستهدفات توريد القمح تصل لـ 5 ملايين طن ومصر الثانية عالميًا بإنتاجية الفدان أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة” خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري "مجنون وناكر للجميل".. ترامب يكيل السباب لـ نتنياهو أستاذ إدارة أعمال: استمرار الصراع الأمريكي الإيراني يهدد بـ "ركود تضخمي" يضرب أسواق المال

مقالات مشابهة

  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • طهران لا تثق في واشنطن وتتبنى نهجا صارما
  • ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من تعقيدات ملف إيران.. شاهد
  • باحث علاقات دولية: ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من التعقيدات
  • تاريخ جديد في الاحتياطيات العالمية.. الذهب يحل محل السندات الأمريكية
  • "أبو جزر": تأخر تفاهم واشنطن وطهران يزيد احتمالات التصعيد
  • "بروكسل للأبحاث": كلما تأخر توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران زادت احتمالات عودة التصعيد
  • الألومنيوم يقفز لأعلى مستوى في أكثر من 4 سنوات وسط تصاعد التوترات بالشرق الأوسط
  • هشام الحلبي: الحروب القادمة ستكون ذكاء اصطناعي
  • البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي