من دمشق إلى الخرطوم .. دروس في تفكيك الكيانات الموازية واستعادة الدولة
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
يشكّل الاتفاق التاريخي بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع أمس (الأحد)، نموذجاً سياسياً وعسكرياً فريداً في كيفية تفكيك الكيانات الموازية دون الانزلاق إلى فوضى أمنية شاملة.
وبالإسقاط على الحالة السودانية، نجد أن هذا النموذج يقدم خارطة طريق واقعية للتعامل مع ميليشيا الدعم السريع المتمردة الإرهابية، ليس عبر التسويات السياسية الهشة، بل من خلال استعادة مركزية الدولة عسكرياً واقتصادياً وإدارياً.
الاندماج الفردي وتفكيك البنية الصلبة:
يكمن جوهر نجاح النموذج السوري في مبدأ الاندماج الفردي، وهو ما يحتاجه السودان اليوم لتفكيك ميليشيا الدعم السريع وإعادة بناء الجيش على عقيدة وطنية واحدة.
إنهاء الاستقلال الهيكلي:
كما وافقت “قسد” على حلّ هياكلها ودمج عناصرها كأفراد داخل المؤسسة العسكرية، ويجب أن يُبنى أي اتفاق في السودان على حلّ قوات الدعم السريع كمنظومة مستقلة. فالدمج لا يعني شراكة بين جيشين، بل انصهار العناصر الصالحة فنياً وأخلاقياً في جسد القوات المسلحة السودانية تحت راية الوطن.
الفلترة والتدقيق:
اعتمد الاتفاق السوري على تدقيق أمني صارم للعناصر المنضمة، وهو ما يجب تطبيقه في السودان لاستبعاد المتورطين في الانتهاكات والجرائم ضد المدنيين، مع قبول العناصر “غير المتورطة” بصفة فردية. بذلك يُكسر الولاء للقبيلة أو القائد لصالح الولاء للوطن.
تجريد السلاح النوعي:
يجب نقل السلاح الثقيل والطائرات المسيّرة إلى سيطرة القوات المسلحة فوراً، تماماً كما نصّ الاتفاق السوري على خضوع جميع القدرات العسكرية لوزارة الدفاع، ضماناً لسيادة الدولة على القوة المسلحة.
تأميم الموارد وتجفيف المنابع:
كانت السيطرة على النفط في شرق سوريا مفتاح استعادة الدولة لسيادتها الاقتصادية، وبالقياس فإن الذهب والمنافذ الحدودية في السودان يمثلان العصب الموازي ذاته.
استعادة السيادة على الذهب:
إن تطبيق بند “تسليم حقول النفط” السوري على “مناجم الذهب” في دارفور وجبل عامر يُعدّ خطوة حاسمة نحو السلام الحقيقي، فلا يمكن تحقيق استقرار دائم ما دامت الميليشيا تمتلك ميزانية موازية لميزانية الدولة.
تفكيك الإمبراطورية المالية:
كما تم في سوريا دمج المؤسسات الخدمية، يمكن للسودان أن يؤمم الشركات التجارية التابعة لميليشيا الدعم السريع ويحوّل أصولها لصالح إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
الاعتراف مقابل الإذعان:
قدّمت الحكومة السورية اعترافاً بالحقوق الثقافية مقابل الولاء الكامل للدولة، ويمكن للسودان اتباع مدخل مماثل يعيد الدمج المجتمعي دون ترسيخ الولاءات الميليشياوية.
التمثيل المحلي لا الميليشياوي:
ينبغي منح أبناء المناطق التي كانت تحت سيطرة الميليشيا (كدارفور وكردفان) حقاً أصيلاً في الإدارة المحلية والتمثيل السياسي في المركز، ولكن بصفتهم مواطنين سودانيين لا ممثلين لميليشيا. هذا يقطع الطريق أمام الخطاب الذي يوظّف “التهميش” لتبرير التمرد.
وحدة الأرض والسيادة المركزية:
لا مجال لوجود مناطق “إدارة ذاتية” خارج سلطة الخرطوم، ويجب أن تُسلَّم جميع المعابر الحدودية والجمارك للقوات النظامية من شرطة وجيش، بما ينهي نهائياً ظاهرة “الدولة داخل الدولة”.
ختاماً: السيادة لا تُمنح.. بل تُستعاد:
إن الاستفادة من النموذج السوري لا تعني استنساخاً أعمى، بل استلهام تجربة ناجحة في إعادة مركزية الدولة وهيبتها. فالإرادة العسكرية والسياسية الواعية وحدها هي التي تحوّل السلام من “هدنة مؤقتة” إلى “استقرار مستدام” يحمي السودان من مخاطر التمزق ومن المليشيات العابرة للحدود.
إن نجاح تجربة “الاندماج والسيادة” في السودان مرهون بوضوح الرؤية، وثبات الإرادة، والإيمان بأن السيادة لا تُمنح.. بل تُستعاد.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/01/19 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (مطلوب مخرج عبقري)2026/01/19 إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان في المعادلة السعودية الجديدة2026/01/19 (قالوها اللبيب والبرهان وبالملايين قلناها نعم)2026/01/19 دعارة مقننة .. عيادة علاج طبيعى متكاملة ومرخصة تمارس فيها الرزيلة2026/01/19 ???? التسجيل المسرب بين الجاكومي ونور الدائم2026/01/18 معسكر العفاض هل يتحول لمشروع تدويل جديد بقيادة فولكر؟2026/01/18شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات الشياطين في خدمة جنجويد إعلام فقدو الشغف 2026/01/18الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: الدعم السریع فی السودان
إقرأ أيضاً:
برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
أكد المهندس حازم الجندي، عضو مجلس الشيوخ، أن الدول في العصر الحديث باتت تواجه أنماطًا جديدة من الحروب لا تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية، وإنما تستهدف بالأساس وعي الشعوب وقيمها الوطنية وقدرتها على التماسك في مواجهة التحديات، محذرًا من خطورة بعض الحملات التي تسعى إلى نشر أفكار سلبية بين الشباب والتشكيك في مفاهيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.
الحروب النفسية ضد الأجيال الجديدةوقال «الجندي» في بيان له ، إن هناك محاولات متزايدة لبث رسائل تستهدف إضعاف الروح الوطنية لدى الأجيال الجديدة، عبر الترويج لأفكار تقوم على تعارض المصالح الفردية مع المصلحة العامة، وتصوير الواجبات الوطنية باعتبارها عبئًا لا مبرر له، مؤكدًا أن مثل هذه الرسائل تمثل أحد أشكال الحروب النفسية التي تعتمد على التأثير في العقول وتفكيك الثقة بين المواطن ودولته.
وأوضح عضو مجلس الشيوخ أن أخطر ما في هذه الحملات أنها لا تأتي دائمًا بصورة مباشرة أو صريحة، بل تتسلل عبر محتوى إعلامي أو منشورات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، يتم من خلالها تكرار رسائل تشجع على اللامبالاة وتغليب المصالح الشخصية الضيقة على حساب المسؤولية المجتمعية والوطنية، بما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف التماسك الداخلي للدول واستنزاف قدرتها على مواجهة التحديات المختلفة.
وأشار النائب إلى أن الحفاظ على قوة الدول لا يرتبط فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية أو اقتصادية، وإنما يعتمد أيضًا على قوة الوعي العام ومدى إدراك المواطنين لطبيعة التحديات التي تواجه أوطانهم، لافتًا إلى أن الحروب الحديثة أصبحت تستهدف العقول قبل الحدود، وتسعى إلى خلق حالة من الإحباط وفقدان الثقة والانفصال بين المواطن ومؤسسات دولته.
تعزيز الوعي الوطني لدى الشبابوشدد «الجندي» على أهمية تعزيز الوعي الوطني لدى الشباب، وتكثيف جهود المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في كشف أساليب التضليل والحروب النفسية، وتحصين الأجيال الجديدة ضد محاولات التلاعب بالأفكار وتزييف الحقائق، مؤكدًا أن الوعي يمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الدول وأمنها القومي.
وأضاف أن بناء الأوطان وحمايتها مسؤولية مشتركة تتطلب توازنًا بين الحقوق والواجبات، وأن مواجهة التحديات الراهنة تستلزم تعزيز قيم الانتماء والعمل والإنتاج والمشاركة الإيجابية، مشددًا على أن الشعوب الواعية والقادرة على التمييز بين النقد البناء ومحاولات الهدم المنظم هي الأكثر قدرة على حماية دولها والحفاظ على استقرارها ومستقبلها.
وشدد النائب حازم الجندي على أن معركة الوعي أصبحت من أهم معارك العصر، وأن نجاح أي دولة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية يرتبط بقدرتها على ترسيخ الثقة الوطنية وتعزيز تماسك جبهتها الداخلية، داعيًا الشباب إلى تحري الدقة فيما يتلقونه من معلومات وأفكار، وعدم الانسياق وراء الخطابات التي تستهدف بث اليأس أو التشكيك في قيمة الانتماء والالتزام الوطني.