هل أنهت الحكومة السورية مشروع قسَد؟
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
أخذت الأحداث الأخيرة في سوريا مسارا متدرجا ومتسارعا، أعاد رسم خرائط السيطرة الميدانية وتوازن القوى على الأرض، ليرسم مشهدا جديدا ومغايرا، فما بدا أنه عملية أمنية محدودة، بدأت في حيي الأشرفية، والشيخ مقصود في مدينة حلب، تحول إلى عملية عسكرية واسعة، امتدت إلى بلدتي دير حافر، ومسكنة، وشملت بلدة الطبقة، وسد الفرات ومحافظتي الرقة، ودير الزور، وصولا إلى قرى وبلدات عديدة في محافظة الحسكة، فأوجدت معادلة جديدة، فرضت واقعا جديدا، وحملت معها نهاية مشروع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
كان واضحا بعد نجاح قوات الحكومة السورية في إعادة حيي مدينة حلب إلى كنف الدولة السورية، أن القيادة السورية قررت المضي قدما لفرض واقع جديد، ينهي الحالة التي كانت تمثلها "قسد"، وذلك بعد أن ماطل قادتها أشهرا عديدة، وتهربوا من تنفيذ اتفاق 10 مارس/ آذار، الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد "قسد" مظلوم عبدي.
لم يتردد المسؤولون الأميركيون بمطالبة قادة "قسد" بضرورة الانسحاب من حلب وسواها، وتجنب المواجهة، والتحذير من نتائجها، ورفضوا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من القيام بعمليات في مناطق شرقي نهر الفرات
بمجرد انتهاء الموعد النهائي لتنفيذ هذا الاتفاق، أدركت السلطات السورية فشل حالة الضبط المستمر الذي فرضته على نفسها، وقررت إنهاء الوضع الشاذ في مدينة حلب، لكن التراجع الذي بدأ فيها، تحولَ فيما بعد إلى هزيمة كبرى لـ"قسد"، فهي لم تقتصر على خسارتها مساحات جغرافية كبيرة، كانت تسيطر عليها طوال أكثر من عشر سنوات مضت، بل هي هزيمة بنيوية، أنهت جوهر المشروع العسكري الذي قامت عليه، إضافة إلى المشروع السياسي والإداري لما كان يسمى "الإدارة الذاتية".
ما يزيد حجم الهزيمة هو أن قادة "قسد" اضطروا تحت ضغط الواقع الميداني إلى قبول توقيع اتفاق جديد في 18 يناير/كانون الثاني الجاري، جرى التمهيد له باجتماعات في أربيل، عقدها مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، مع وفد من "قسد"، وبمشاركة الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق مسعود البارزاني.
إعلانجاء الاتفاق الجديد بعد الواقع الميداني الجديد، الذي فرض معادله السياسي، وباتت الدولة السورية تبسط سيادتها على الجزيرة السورية، ما يعني نهاية حالة التقسيم التي كانت قائمة، والتوجه نحو الوحدة، وتعزيز الاستقرار الأمني، وبما يمكن الدولة السورية من تنفيذ خططها التنموية، ومشاريع التعافي وإعادة الإعمار.
نهاية المشروعيعبر الاتفاق الجديد عن نهاية مشروع "قسد"، كونه لا ينص فقط على وقف إطلاق النار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة السورية، ودمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، بل ينص أيضا على دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ"قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين بشكل "فردي"، بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، ما يعني حل هيكلها التنظيمي العسكري، وانصهارها كليا.
إضافة إلى التزام "قسد" بإخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج حدود سوريا.
ووفق ما سبق، فإن تطبيق الاتفاق يعني عمليا نهاية "قسد" بوصفها كيانا عسكريا جامعا تشكل عام 2015، وكذلك نهاية "الإدارة الذاتية"، بجميع مؤسساتها السياسية والمدنية، من "مجلس سوريا الديمقراطية" إلى المجالس المحلية والإدارية.
جاءت نهاية مشروع "قسد" بعد تعنت قادتها المتشددين (المنحدرين من حزب العمال الكردستاني) نتيجة العمى الأيديولوجي الذي أصيبوا به، وجعلهم يعتقدون أنهم بإمكانهم الإبقاء على سيطرتهم على مناطق ليس بوسعهم إدارتها، واتّباعهم سياسات مهينة ومسيئة للسكان، عربا وأكرادا وسواهم، وذلك بقيامهم بخطف القاصرات وتجنيدهن، ونهب محاصيل السكان والاستيلاء على ثروات سوريا.
نهاية المظلوميةكشفت التطورات التي جرت في حلب وما بعدها عن فشل "قسد" في نيل تأييد شعبي حقيقي بين الأوساط الشعبية الكردية، الأمر الذي يكشف زيف ادعائها تمثيلهم، وذلك على الرغم من البروباغندا التي صرفت عليها كثيرا. إضافة إلى فشلها في حث تلك الأوساط على الالتزام بعقيدتها التي تبنتها واستنسختها من عقيدة حزب العمال الكردستاني، رغم الضغوط التي كانت تمارسها.
اللافت هو أن التغيرات الميدانية بعد بسط السيادة السورية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ترافقت مع إصدار الرئيس الشرع المرسوم رقم (13)، الذي نص على الاعتراف الصريح بالحقوق الثقافية واللغوية للسوريين الأكراد، ورفع المظالم التي لحقت بهم جراء الإحصاء السكاني عام 1962، ومنح جميع مكتومي القيد الجنسية السورية.
الأهم هو أن هذا المرسوم لم يُطرح تحت ضغط خارجي ولا كرد فعل لاحتواء حراك أو تمرد داخلي، بل بوصفه جزءا من رؤية الحكومة السورية الهادفة إلى تفكيك الأساس الذي حاول قادة "قسد" بناء مظلومية كردية عليه، طوال السنوات الماضية، وبالتالي، نجحت القيادة السورية في سحب الذرائع من أيدي قادة "قسد"، الذين ادعوا أنهم يدافعون عن حقوق السوريين الأكراد، ويسعون إلى انتزاعها.
إذ، لم يعد الصراع يدور حول من هي القوة التي يمكنها السيطرة على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية في سوريا، بل حول الجهة التي تمتلك مشروعية تمثيل الكرد السوريين.
إعلانولعل صدور المرسوم الرئاسي رقم (13) عنى أن الدولة هي الجهة الوحيدة، التي تمتلك المشروعية، كونها تكفل حقوقهم الوطنية والفردية والثقافية، وليست التنظيمات العسكرية الخارجة عن سلطة القانون، وهو أمر يعيه جيدا غالبية السوريين الأكراد، الذين يجدون مكانهم الطبيعي ضمن الدولة السورية، وذلك بعد انتهاء المشروع القائم على خطاب سردية المظلومية، الذي استثمر فيه طويلا قادة "قسد"، من أجل التغطية على أيديولوجيتهم القومية العابرة للحدود، التي عفّى عليها الزمن.
كما أن انتفاض سكان محافظتي الرقة ودير الزور ضد "قسد"، والانتهاكات التي قام بها بعض عناصرها عند الانسحاب، وخاصة تصفية سجناء في مدينة الطبقة، واستهداف قناصتها المدنيين في الشوارع والساحات، وتدمير الجسور والمقرات التي كانوا فيها، كل هذا يشي بأن هذه القوات تعاملت وفق منطق الانتقام من أبناء المدن والمناطق التي تسيطر عليها، وكانت تمثل قوة طارئة وخارجة عن إرادتهم.
المواقف الدوليةأيدت دول عديدة الاتفاق الجديد، وحظيت الإجراءات التي قامت بها القيادة السورية بدعم العديد من الدول العربية والإقليمية والدولية، واعتبرتها تهدف إلى بسط سيادتها وتثبيت الأمن في كافة المناطق السورية.
حصل تغير كبير في الموقف الأميركي، إذ لم تلق "قسد" ذلك الدعم الأميركي الكبير الذي كانت تحظى به طوال السنوات الماضية، وبات الموقف الأميركي يتحدد بالعلاقة المتنامية مع دمشق، ويحكمه رغبة أميركية في نقل الشراكة في ملف محاربة تنظيم الدولة "داعش" من "قسد" إلى الحكومة السورية، والحرص على وحدة الأراضي السورية، والدعم باتجاه وضع آليات من أجل دمج "قسد"، وبما يضمن سيطرة الدولة السورية على كامل أراضيها.
إضافة إلى أن هذا الموقف حيّد الموقف الإسرائيلي، ومنعه من التدخل لصالح "قسد"، بالرغم من مراهنة بعض قياداتها المتشددة.
لم يتردد المسؤولون الأميركيون بمطالبة قادة "قسد" بضرورة الانسحاب من حلب وسواها، وتجنب المواجهة، والتحذير من نتائجها، ورفضوا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من القيام بعمليات في مناطق شرقي نهر الفرات، فيما منعت القوات الأميركية في سنوات سابقة القوات الروسية وقوات النظام السابق من القيام بذلك، بل وقصفت مليشيات "فاغنر" حين حاولت التوغل إلى شرقي الفرات في أوائل فبراير/شباط 2018.
أخيرا، يرسم الاتفاق الجديد ملامح مرحلة جديدة في سوريا، ويرتبط تطبيقه بمدى تجاوب قادة "قسد"، المعروف عنهم جنوحهم نحو عدم تطبيق الاتفاقيات التي يوقعونها، مثلما حصل في اتفاقياتهم مع "المجلس الوطني الكردي" واتفاق 10 مارس/آذار، لكن الأمر مختلف هذه المرة، كونهم محكومين بظروف وأوضاع مختلفة، وذلك بعد أن فقدوا معظم المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، وما يعنيه ذلك من فقدانهم مصادر الثروة.
والأجدى اغتنام الفرصة والاندماج في مؤسسات الدولة، للشروع في المشاركة في بناء مستقبل أفضل لبلادهم، أسوة ببقية السوريين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الحکومة السوریة الدولة السوریة الاتفاق الجدید إضافة إلى
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026