من دافوس.. فون دير لاين تواجه رؤية ترامب بالدعوة إلى الاستقلال الأوروبي
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
في وقت يروّج فيه دونالد ترامب لسياسة خارجية توسعية تُربك المعادلات الأطلسية لأوروبا وتقلب موازينه رأسًا على عقب، دعت أورسولا فون دير لاين أوروبا إلى اغتنام الفرصة والمضي نحو تعزيز استقلاليتها.
مع تزايد مؤشرات تفكك التحالفات عبر الأطلسي، صعدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى المنصة الرئيسية للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لطرح مسألة "الاستقلال الأوروبي"، معتبرة أن التحولات العميقة التي تهز النظام العالمي ينبغي التعامل معها بوصفها حافزًا للتغيير الإيجابي لا كارثة.
وأضافت: "يمكن لهذه الصدمات الجيوسياسية، بل يجب، أن تتحول إلى فرصة لأوروبا. ومن وجهة نظري، فإن التحول الزلزالي الذي نشهده اليوم يشكّل فرصة، بل ضرورة، لبناء نموذج جديد من الاستقلال الأوروبي".
وقالت إن "هذه الحاجة ليست جديدة، ولا تشكّل ردّ فعل على الأحداث الأخيرة، بل هي ضرورة هيكلية قائمة منذ زمن أطول بكثير".
وعلى الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي تدعو فيها فون دير لاين إلى تعزيز الاستقلالية، فإن خطابها في دافوس اكتسب دلالات جديدة في ظل أزمة استثنائية وضعت ضفتي المحيط الأطلسي في مواجهة مباشرة.
إذ إن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية، جميعها أعضاء في حلف شمال الأطلسي، في مسعى للاستيلاء على غرينلاند، قلب تحالفًا عمره ثمانون عامًا، وأثار مخاوف جدية من تصدّع قد لا يكون قابلًا للترميم.
Related "إذا سقطت إسرائيل نسقط نحن".. مانويل فالس يربط مصير أوروبا بمستقبل الدولة العبريةرسوم ترامب الجديدة تُشعل غضب أوروبا.. ردود فعل رافضة وتحذير من تبعات القرار"لسنا جاهزين لرد إيران".. . نتنياهو يحذر ترامب وطهران تتهم أوروبا بالتورط في"أعمال الشغب"!ومن المقرر أن تدخل الرسوم الجمركية التي يلوّح بها ترامب حيّز التنفيذ في الأول من فبراير/شباط، ما لم ينجح الأوروبيون، الذين يعوّلون على الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، في إقناعه بالعدول عن قراره.
وقالت أورسولا فون دير لاين: "نحن لا نعتبر شعب الولايات المتحدة حلفاءنا فحسب، بل أصدقاءنا"، في محاولة لتحقيق توازن بين لهجة تصالحية ونبرة حازمة، مضيفة أن "الانزلاق إلى دوامة انحدار خطيرة لن يؤدي إلا إلى خدمة الخصوم الذين يلتزم الطرفان بإبقائهم خارج المشهد الاستراتيجي، ولذلك سيكون ردّنا ثابتًا وموحدًا ومتناسبًا".
في المقابل، لم يُبدِ ترامب حتى الآن أي مؤشرات على التخلي عن أجندة الضم، إذ نشر ليلًا صورة معدلة رقميًا لاجتماع عُقد العام الماضي مع قادة أوروبيين، من بينهم فون دير لاين، في البيت الأبيض، تظهره جالسًا إلى جانب خريطة تُصوّر غرينلاند وكندا وفنزويلا على أنها أراضٍ أمريكية.
وفي منشور لاحق، قدّم ترامب صورة يظهر فيها وهو يرفع العلم الأمريكي فوق غرينلاند، التي وُصفت في الصورة بأنها "إقليم أمريكي تقديرًا لعام 2026".
تشكل هذه الصور انعكاسًا إضافيًا لما يسميه دونالد ترامب "عقيدة دونرو"، وهي الأجندة التي روّج لها منذ العملية التي وصفها بالناجحة في وقت سابق من هذا الشهر، والتي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة وأثارت صدمة عالمية واسعة.
وقال ترامب لاحقًا إن المبدأ الوحيد الذي يوجّه سياسته الخارجية هو "أخلاقه الخاصة".
في دافوس، المدينة السويسرية الخلابة المرتبطة تقليديًا بالتعددية واقتصادات عدم التدخل، حاولت فون دير لاين مواجهة النظرة الأحادية المتشددة التي يتبناها ترامب للعالم، من خلال طرح رؤيتها لأوروبا مستقلة ومنفتحة على العالم.
وأشادت باتفاق التجارة الحرة الأخير الذي أبرمته الكتلة الأوروبية مع السوق المشتركة لبلدان المخروط الجنوبي، التي تضم البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، وتغطي سوقًا يتجاوز عدد مستهلكيها 700 مليون شخص، باعتباره دليلًا على أن "هناك مسار أوروبي جديد بدأ يتبلور".
وقالت: "نحن نختار التجارة العادلة بدل التعريفات الجمركية. الشراكة بدل العزلة. الاستدامة بدل الاستغلال"، مؤكدة أن "أوروبا جادة في إزالة المخاطر من اقتصاداتها".
وأضافت أن المزيد من الصفقات التجارية قيد الإعداد مع أستراليا والفلبين وتايلاند وماليزيا والإمارات العربية المتحدة والهند.
Related "ليتحدّث الأوروبيون بصوت واحد".. ميلوني تدعو أوروبا إلى إعادة قنوات التواصل مع موسكوأمطار متجمدة وجليد يعرقلان حركة السفر في وسط وشرق أوروباأزمة الهجرة في أوروبا: البرتغال تدفع 8 ملايين يورو لتجنب استقبال طالبي اللجوءوقالت وسط تصفيق الحاضرين في القاعة: "ترغب أوروبا في القيام بأعمال تجارية مع مراكز النمو اليوم ومراكز القوة الاقتصادية في هذا القرن".
وأضافت: "من أمريكا اللاتينية إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ وما وراءها، ستختار أوروبا دائمًا العالم. والعالم مستعد لاختيار أوروبا".
واستطردت فون دير لاين في عرض سلسلة من المبادرات الجارية والمرتقبة، الهادفة إلى جعل الاتحاد الأوروبي أكثر جاذبية للمستثمرين، وأكثر قدرة على توسيع نطاق الأعمال التجارية وتبنّي التقنيات المتقدمة، وأكثر اعتمادًا على الذات في مجالات الطاقة والأمن والدفاع.
وأقرت بأن الحديث عن "الاستقلال الأوروبي" كان يُقابل في السابق بالتشكيك والتحفّظ، إذ ارتبط هذا المفهوم بالميل إلى الانعزال، لكنها شددت على أن "حجم التغيير الذي لا يمكن تصوّره" والذي يشهده العالم اليوم أسهم في ترسيخ "إجماع حقيقي" لصالحه.
وقالت: "يجب على أوروبا أن تسرّع خطاها نحو الاستقلال، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الدفاع إلى الديمقراطية"، مضيفةً: "النقطة الأساسية هي أن العالم تغيّر بشكل دائم، وعلينا أن نتغيّر معه".
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إيران دافوس غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إيران غرينلاند إيران دافوس غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إيران غرينلاند دونالد ترامب المفوضية الأوروبية أوروبا غرينلاند أورسولا فون دير لايين الرسوم الجمركية إيران دافوس غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب سوريا بحث علمي الصحة قسد قوات سوريا الديمقراطية أحمد الشرع داعش الاستقلال الأوروبی فون دیر لاین
إقرأ أيضاً:
في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
بعد الاقتصاد وبعد التماسك الداخلي نصل إلى أكثر ساحات الاستقلال تعقيدا "العلاقات الدولية"، هنا لا يكفي أن تكون قويا من الداخل، بل يجب أن تعرف كيف تتحرك في عالم لا يسمح لك أن تكون حرا بالكامل.. فالدولة التي لا تُحسن التموضع تُجبر على الاصطفاف.
أولا: وهم الحياد.. ولماذا لا وجود له؟
كثير من الدول ترفع شعار "الحياد"، لكن في الواقع الدولي الحياد الكامل نادر إن لم يكن مستحيلا، فكل دولة ترتبط بشبكات مصالح وتدخل في توازنات وتُحسب ضمن معادلات. السؤال الحقيقي ليس: هل أنت محايد؟ بل: إلى أي مدى تستطيع أن تتحرك دون أن تُقيّد؟
ثانيا: من الاصطفاف إلى المناورة
الدول الضعيفة غالبا ما تجد نفسها في خيارين: الانضمام إلى محور أو مواجهة مكلفة، أما الدول التي تسعى للاستقلال النسبي، فتبحث عن خيار ثالث: المناورة بين المحاور، دون الذوبان في أي منها. وهذا يتطلب ثلاثة أمور غاية في الأهمية: مرونة عالية، وقراءة دقيقة للتوازنات، وقدرة على تغيير التموضع عند الحاجة.
ثالثا: أدوات هندسة التوازن
1- تنويع الشراكات الدولة الذكية: لا تضع كل أوراقها في سلة واحدة في تتحرك من خلال ثلاث أطر: شراكات اقتصادية متعددة، وعلاقات سياسية متنوعة، وتعاون أمني محدود ومتوازن، وكلما زاد التنويع قلت القدرة على الضغط.
2- توزيع الاعتماد: بدل أن تعتمد على طرف واحد في الطاقة والسلاح والتكنولوجيا، توزع اعتمادها على عدة أطراف فتصبح تكلفة الضغط عليها أقل.
3- استخدام الجغرافيا السياسية: بعض الدول لا تملك موارد ضخمة، لكنها تملك موقعا استراتيجيا، والدولة الذكية تفكر استراتيجيا فتحوّل موقعها إلى ورقة تفاوض لا إلى نقطة ضعف.
4- إدارة التوقيت: في السياسة الدولية ليس المهم فقط ماذا تفعل، بل متى تفعل متى تقترب؟ متى تبتعد؟ متى تصمت؟ الخطأ في التوقيت قد يكلف أكثر من الخطأ في القرار.
رابعا: الخط الأحمر.. متى تتحول المناورة إلى خطر؟
المناورة ليست لعبة بلا حدود، فهناك لحظة تتحول فيها إلى مخاطرة. مَن يدير استراتيجية الدولة يحذر من:
1-الغموض الزائد: إذا لم تفهم القوى الكبرى نواياك قد تفترض الأسوأ.
2- التمدد دون غطاء: محاولة لعب دور أكبر من القدرات الحقيقية تجذب ردود فعل قاسية.
3- فقدان الثقة: إذا تغيرت مواقفك بشكل حاد ومتكرر تفقد مصداقيتك وتفقد معها قدرتك على المناورة.
خامسا: الفرق بين الدولة التابعة والدولة المناورة:
الفرق لا يكمن في الحجم بل في طريقة إدارة العلاقات.
سادسا: لماذا تفشل بعض الدول في التوازن؟
تقع في غرور ثلاثة استدراجات:
1- الاعتماد المفرط على قوة واحدة: يجعل أي خلاف أزمة وجود.
2- قراءة خاطئة للنظام الدولي: المبالغة في تقدير الذات أو التقليل من ردود الفعل.
3- ضعف الداخل: الدولة الهشة داخليا لا تستطيع المناورة خارجيا.
سابعا: التوازن ليس موقفا.. بل عملية مستمرة
الدولة لا تصل إلى "نقطة توازن" ثابتة بل تدير توازنا متغيرا باستمرار بين ثلاث متغيرات كبرى:
- تحولات في القوى الكبرى.
- أزمات إقليمية.
- تغيرات اقتصادية.
كل ذلك يفرض إعادة التموضع بشكل دائم ومستمر كلما حدث تغير.
ثامنا: المعادلة الذهبية للمناورة
يمكن تلخيص هندسة التوازن في معادلة بسيطة: علاقات متعددة + اعتماد موزع + قرار مرن = قدرة على المناورة
إذا اختل عنصر واحد تتحول المناورة إلى تبعية مقنّعة.
القاعدة: الاستقلال فن.. لا شعار
القوة الإقليمية المستقلة لا تعني الوقوف في مواجهة الجميع ولا تعني الانضمام الكامل لأي طرف، بل تعني أن تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح.. دون أن تفقد نفسك فيها وهذا لا يتحقق بالقوة فقط بل بالذكاء الاستراتيجي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.