تشهد شوارع عاصمة محافظة بني سويف مشهدًا مأزومًا يعكس تناقضات صارخة. تُجسد عربات الحنطور، تلك المركبات الخشبية التي تجرها الخيول، هذه التناقضات بأقصى صورها، فهي رمز تراثي يتداعى، ومصدر رزق شحيح، وبؤرة لاختناق مروري، ومسرح أحيانًا لسلوكيات مجتمعية تستفز السكينة العامة وتنتهك حرمة الطريق.

مشهد يومي يختزل الأزمة تشهد المنطقة المحيطة بمحطة سكة حديد بني سويف، القلب النابض لحركة التنقل الداخلي، فصول هذه المعاناة يوميًا.

يُطل من هناك مشهد لعشرات العربات الخشبية المتوقفة عشوائيًا، بينما تتعالى أصوات سائقين يبحثون عن ركاب بين القادمين والمغادرين. هذا التجمهر، الذي يُشكل عقبة دائمة في حركة السير، هو مجرد الجزء الظاهر من جبل الجليد.فتحت سطح هذه الأزمة المرئية، تغلي معاناة اقتصادية خانقة لعائلات تعتمد على هذا المهنة الآيلة للانقراض، وتنتشر شكاوى موثقة من مواطنين عن سلوكيات لفظية خادشة للحياء من قبل بعض العناصر، مما يضيف بُعدًا اجتماعيًا مُقلقًا لأزمة هي في الأساس مرورية واقتصادية بين الزحام والانتهاك اللفظي

لطالما ركزت الشكاوى الرسمية والشعبية على الجانب المروري والبيئي، حيث تُعيق العربات المتجمعة تدفق السير وتسبب تلوثًا من مخلفات الخيول. ولكن التحقيق يكشف عن بعد آخر أعمق إيلامًا، يُعبّر عنه الأهالي بمرارة. فقد تحول الموقف العشوائي، في نظر العديد من الأسر وخاصة السيدات والفتيات، إلى مكان يتجنبن المرور منه خوفًا من التعرض لما يُعرف بـكلام الشارع أو التحرش اللفظي.

صوت الأهالي شهادات على خط النار

تؤكد فاطمة علي منصور (ربة منزل) أن منطقتي محطة القطار والسوق المجاورة أصبحتا مصدر رهبة الموقف تحول لكابوس لازم أدور على طرق أطول علشان أتفادى المكان فيه من سائقين الحنطور من يطلق تعليقات واستفزازات وهو يرى سيدة أو بنت تمشي، ولو كانت مع أسرتها هذا الشعور بعدم الأمان يتقاسمه المواطن محمد عبد الرحمن جمعه، الذي يشير إلى مفارقة غريبة التراث جزء من هويتنا، ولكن عندما يتحول لذريعة لمضايقة الناس في الطريق العام، فهنا يجب أن تقف الدولة بحزم. الأغلبية ربما محترمون، لكن قلة قليلة تُشوه صورة الجميع وتجعل وجود العربات مصدر تهديد وليس خدمة أو تراثًا

وجه آخر للمعاناة سائقو الحنطور تحت وطأة الفقر والنسيان

في المقابل، لا يمكن فصل هذه السلوكيات المنحرفة عن السياق الكارثي الذي يعيشه مهنة سائق الحنطور. فالسائق عبد الله جمال محمد (٥٥ عامًا) يروي قصة انهيار المهنة كنت أشعر بالفخر وأنا أقود زفة العرسان اليوم، أعمل بدون ترخيص، وأهرب من شرطة المرافق، وأعيش على حوافش يوم لا يضمن قوت أولادي يُكمل بأن الإيراد اليومي من العمل حول محطة القطار بالكاد يُغطي ثمن علف الحصان، ناهيك عن مصاريف البيت والعلاج. هذا الوضع الاقتصادي المُزرِي واليأس من المستقبل يخلق بيئة حاضنة للإحباط، وقد تدفع البعض، للأسف، إلى انحرافات سلوكية كتعبير خاطئ عن الاحتجاج أو الإهمال.

هل من مخرج يحفظ التراث والكرامة معًا

أزمة الحنطور في بني سويف تختزل إشكالية التنمية غير المتوازنة. فالمحافظة تشهد مشروعات قومية كبرى للبنية التحتية، بينما تُهمل أزمة إنسانية واجتماعية صغيرة لكنها مؤثرة. الحل لا يكمن في القمع أو الإزالة فقط، بل في التنظيم العاجل تخصيص مواقف منظمة بعيدًا عن نقاط الازدحام، وإعادة النظر في منح تراخيص مؤقتة تشترط الالتزام بمعايير سلوكية، وربما دمج هذه العربات في مسارات سياحية تُخرجها من نطاق النقل اليومي المأزوم. المطلوب هو رؤية تحول هذا التراث المهمش من عبء إلى مورد، ومن مصدر إزعاج إلى نقطة جذب، على أن يُصاحب ذلك حملات توعية للعاملين في المهنة وتطبيق قانوني صارم على كل من يتعدى حدود الآداب العامة. الوقت يداهم ما تبقى من أجراس هذه العربات، والأهم، يداهم سلامة وطمأنينة المواطنين في شوارع مدينتهم.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: بني سويف ازدحام مروري تنمية شاملة بنی سویف

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • نقشٌ على {باب المدينة}(ع)
  • منتخب مصر يواصل استعداداته للمونديال بجولة مشي يومية في شوارع أمريكا
  • فرنسا تشهد الربيع الأكثر حراً على الإطلاق
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • تفاصيل أزمة جهاز ريبيرو وحقيقة العقوبات الجديدة.. مصدر في الأهلي يكشف
  • مصدر بالأهلي يوضح حقيقة «الحكم الجديد» لمدرب الحراس السابق
  • حفناوي: كلمة "الامتحان" مصدر ضغط نفسي.. ومعسكرات الأمهات تزيد توتر الثانوية العامة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • أجراس زويلة وطبول الكشافة تستقبل موكب العائلة المقدسة بحضور الأنبا رافائيل
  • إهناسيا المدينة تواصل الكشف عن كنوزها الأثرية