خديعة الإرادة.. لماذا يقع الرجل في فخ عاداته القديمة؟ إليك خطة عملية لتغيير ذكي
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
قد يعود رجل أقلع عن التدخين إلى سيجارته الأولى بعد فترة ضغط، أو يغرق آخر في العمل المفرط بعد أن قرر "التوازن"، وهو ما يبدو فشلا في الإرادة، وهو في الحقيقة تفاعل معقد بين الدماغ وصورة الرجل في المجتمع والبيئة التي يعيش فيها.
دماغ الرجل.. الطريق الأسهل تحت الضغطمن منظور العلوم العصبية، فالعادات ليست "رذائل" أو "فضائل"، بل هي مسارات عصبية موفّرة للطاقة.
أبحاث علم العادات، خاصة أعمال عالمة النفس ويندي وود في مجلة "سياسة العلوم السلوكية" (Behavioral Science & Policy)، تشير إلى أن نحو نصف سلوكنا اليومي تحكمه العادات لا القرارات الواعية، وأن الضغط يدفع الدماغ تلقائيا إلى المسارات القديمة لأنها الأقل جهدا من الناحية الذهنية.
حتى عندما تتكون عادات جديدة، لا تُمحى القديمة بالكامل، إذ يظل المسار القديم موجودا جاهزا للعودة عند التوتر أو الإرهاق.
إضافة إلى ذلك تشير بعض الدراسات إلى أن مستويات هرمون التستوستيرون قد ترتبط بميل أعلى لدى بعض الرجال إلى الحلول الفورية لتخفيف الضغط مثل التدخين أو الإفراط في العمل أو الانغماس في المخاطرة، حتى لو كانت ضارة على المدى الطويل، ومن ثم فإن العودة إلى العادات القديمة ليست دائما ضعفا شخصيا، بل هي نتيجة طبيعية لتفاعل الدماغ والجسم مع الضغط.
حتى مع وجود مسارات عصبية قوية للعادات، يبقى سؤال جوهري: لماذا لا يطلب الرجل المساعدة؟
هنا تأتي ثقافة الرجولة، إذ تفرض معايير مثل الاستقلالية الكاملة والسيطرة وكبت العاطفة، وفي هذا السياق يصبح طلب الدعم أو الاعتراف بالتعب تهديدا مباشرا لصورة "الرجل القوي" التي تربّى عليها كثيرون.
ويطلق رواد علم النفس الاجتماعي على هذا الوضع اسم "صراع الأدوار الجندرية"، إذ يريد الرجل أن يتغير وأن يعيش بصحة أفضل وعلاقات أهدأ، لكن المجتمع يطالبه في الوقت نفسه بأن يبقى قويا ومسيطرا ومكتفيا بذاته دون أن يشتكي.
إعلانفي هذه اللحظة، تصبح العودة إلى عادة قديمة حلا نفسيا "آمنا"، إذ لا تحتاج إلى تبرير ولا تهدد صورته أمام الآخرين ولا تجبره على الاعتراف بالهشاشة أو طلب المساندة.
الرجل العربي.. ضغط مضاعف وساحة أضيقفي السياق العربي تتعقد الصورة أكثر، إذ تشير بيانات "المؤشر العربي" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ونتائج تقرير "فهم الرجولة" -وهو المسح الدولي للرجال والمساواة بين الجنسين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المعروف اختصارا بـ"IMAGES MENA"- إلى أن الرجال في منطقتنا يواجهون ضغوطا اقتصادية واجتماعية مركّبة، مع توقّعات عالية بأن يكون الرجل هو "المعيل والحاسم"، بينما تكون أدواته وفرصه محدودة أحيانا.
هذا التناقض بين ما يُطلب وما يمكن تقديمه يخلق توترا دائما، وقد يدفع البعض إلى التمسك بعادات تمنح شعورا سريعا بالسيطرة أو التنفيس مثل:
التدخين المفرط. الغضب أو الانفعالات المفاجئة. الغرق في العمل ساعات طويلة. الانسحاب الصامت من الأسرة.كما لاحظ مصطفى حجازي، في كتابه "التخلّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، أنه عندما يفقد الرجل السيطرة على المجال العام، يسعى كثيرون لاستعادتها في الدائرة الضيقة، ولو عبر إستراتيجيات نفسية غير واعية، قد تكون مؤذية له ولمن حوله.
لماذا لا تكفي الإرادة وحدها؟الخطاب الشائع حول "قوة الإرادة" لا يعكس الواقع، إذ تشير دراسة نُشرت عام 2019 في المجلة الأميركية لـ"صحة الرجال" (American Journal of Men’s Health) إلى أن الدعم الاجتماعي والبيئة المحيطة أهم بكثير من الاعتماد على الإرادة الفردية فقط، خاصة لدى الرجال الذين نشأوا على شعار "افعلها وحدك".
الرجل الذي يحاول التغيير بمفرده -وبعيدا عن أي دعم أو بيئة مساعدة- غالبا ما يعود إلى عاداته القديمة عند أول موجة ضغط أو فشل مؤقت، لا لأنه لا يريد التغيير بل لأن المنظومة كلها تعمل عكس اتجاهه.
الحل لا يكون باللوم أو التوبيخ، بل بإعادة تصميم التغيير بما يناسب الدماغ والثقافة والسياق الاجتماعي، وهنا يمكن التفكير في خطة عملية على 4 مسارات:
1- غيّر البيئة لا النية فقطإزالة محفزات العادة القديمة مثل السجائر في البيت والسيارة أو تقليل الوجود في الأماكن المرتبطة بها، مع وضع بدائل بسيطة قريبة ومتاحة تمنح شعورا مشابها بالتنفيس أو الراحة مثل تمرين تنفس أو مشي قصير أو شرب ماء أو تأجيل القرار لخمس دقائق. فالدماغ لا يكتفي بالوعظ، ويحتاج إلى مسار بديل جاهز لا إلى فراغ.
2- اكسر العزلةالدعم الجماعي غالبا أكثر فعالية من المحاولات الفردية الصامتة، مثلا مجموعات صغيرة من الأصدقاء يتحدثون بصراحة عن التوتر والضغط، إلى جانب أنشطة مشتركة، سواء رياضة أو هواية أو لقاء دوري تُشعر الرجل بأنه ليس وحده.
في السياق العربي يمكن أن تكون مجالس الثقة مع المقرّبين أو الأنشطة الممتدة داخل الأسرة، مدخلا عمليا لكسر العزلة.
3- أعد تعريف القوةالقوة ليست غياب الحاجة، بل القدرة على الاعتراف بها وإدارتها دون إنكار أو تدمير للذات، وفي أدبيات تعزيز الصحة النفسية يستخدم مفهوم "الذكورة الإيجابية" لوصف نمط من الرجولة يشمل تحمّل المسؤولية والرعاية والاهتمام بالذات والآخرين والشجاعة في طلب الدعم عند الحاجة بدل الهروب إلى التدخين أو الغضب أو الإدمان على العمل.
إعلان 4- ابنِ عادات بديلة تؤدي الوظيفة نفسهاكل عادة قديمة تؤدي وظيفة نفسية معينة، إما شعور بالسيطرة أو التفريغ أو الانتماء. النجاح لا يكون فقط بقطع العادة، بل ببناء عادات بديلة تعطي الشعور نفسه دون الضرر، مثل هوايات منتظمة كممارسة رياضة أو القراءة أو عزف الموسيقى أو حرفة يدوية، إضافة إلى أنشطة بدنية بسيطة لكن ثابتة، مع ضرورة التواصل المنتظم مع شخص موثوق يمكن الحديث معه دون خوف من الحكم أو السخرية.
في النهاية عودة الرجل إلى عاداته القديمة ليست خيانة للتغيير ولا فشلا أخلاقيا، بل هي رسالة واضحة تقول إن التغيير لا ينجح إذا طُلب من الرجل أن يكون "أقوى" فقط من دون أن يُسمح له بأن يكون إنسانا يتعب ويحتاج ويسأل.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات إلى أن
إقرأ أيضاً:
دول عربية وإسلامية تؤكد رفضها لتغيير الوضع القائم بالأقصى
عمان - صفا أدان وزراء خارجية 8 دول عربية وإسلامية، بأشدّ العبارات استمرار اقتحامات المتطرفين الإسرائيليين المسجد الأقصى، تحت حماية القوات الإسرائيلية، وكذلك رفع علم الاحتلال داخله. وأكد وزراء خارجية الأردن، الإمارات، إندونيسيا، باكستان، تركيا، السعودية، قطر، ومصر في بيان مشترك، أن هذه الأعمال الاستفزازية والمرفوضة تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة في "القدس الشرقية". ونددوا باستمرار الانتهاكات والإجراءات المُمنهَجة واللاشرعية التي تنفّذها السلطات الإسرائيلية، والهادفة إلى تغيير الطابع التاريخي والقانوني والديموغرافي "للقدس الشرقية" المحتلة، وتدنيس وتقويض قدسية ومكانة مقدساتها الإسلامية والمسيحية. وأعربوا عن رفضهم القاطع لأيّ محاولات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. وجدد الوزراء التأكيد على أنّ كامل مساحة المسجد الأقصى، البالغة 144 دونمًا هي مكان عبادة خالص للمسلمين، محملين السلطات الإسرائيلية مسؤولية وقف هذه الإجراءات التصعيدي. وحذروا من أنّ الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة تؤدّي إلى تفاقم التوترات، وتأجيج حالة عدم الاستقرار والتطرف، وتقويض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام، كما أنّها تشكّل خرقًا واضحًا لالتزامات "إسرائيل" بموجب القانون الدولي. ودعا الوزراء إلى الوقف الفوري لجميع هذه الممارسات الإسرائيلية غير القانونية والاستفزازية، مؤكدين ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأقصى بكامله.