صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تواجه فيها القضية الفلسطينية، تحديات كبيرة وخطيرة، لكن التحديات القائمة الآن بعد جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وتنفيذ إسرائيل سياسة الضم الزاحف لمعظم الأراضي الفلسطينية، وتقطيع أوصالها بمشاريع استيطانية جديدة تقوم على هدم المخيمات وتهجير سكانها في الضفة لمنع قيام دولة فلسطينية، ومواصلة تهويد القدس، تجعل من التحديات تنطوي على دلالات أكثر خطورة بالنظر للجهد الدبلوماسي الأمريكي المتبلور في خطة الرئيس الأمريكي ترامب للسلام، وتشكيل المجلس الدولي للإشراف على تنفيذ بنود الخطة في غزة.
لأول مرة يسري تحد خطير في نسغ الجسم الفلسطيني، أو هكذا يخطط له، بطريقة تجعله يتحول إلى نسغ جديد من نوع جديد يكون هو ذاته العنصر الفاعل في جعل ذلك الجسم فاقدا لهويته وطبيعته الاجتماعية التي تكونت عبر قرونٍ طويلة في أرضه. فمجلس السلام المشكل بزعامة ترامب وبمرجعيته المطلقة يقر بها الأعضاء المنتسبون له، وذلك إقرار مسبق بسقوط المرجعية الدولية وقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبالقانون الدولي؛ وفق مقولة ترامب عن حدود صلاحيته ومن أين يستقيها (أخلاقه وعقله) بالنسبة للقضايا الدولية ومصالح الولايات المتحدة، وليس بحاجة للقانون الدولي.
ومجلس السلام واحدٌ مما قدح به خيال ترامب العنصري المتعالي، وهي نفس العقلية الاستعمارية التي بررت كل تدخل واحتلال على مدى القرنين الماضيين؛ "نحن أعلم منهم، سنحضرهم، ونحررهم من أنفسهم". والسؤال المطروح: أين هو الاتساق الأخلاقي الذي يدل على شعار السلام المنضوي تحته المجلس؟
وبالعودة لأعضاء المجلس وخلفياتهم بدءا من رئيسه ترامب وجاريد كوشنر وستيف وينكوف وتوني بلير، مرورا بعضوية نيكولاي ملادينوف، والملياردير العقاري الإسرائيلي القبرصي ياكير غاباي، والرئيس التنفيذي لشركة "أبولو" الملياردير مارك روان، نجد الرابط القوي بينهم الولاء الأعمى لإسرائيل ولسياساتها الاستعمارية، فعلى الرغم من إشراك بعض الأسماء العربية والإقليمية في مجلس السلام ليبدو أنه ينم عن فعل منسجم ومتكامل لتحقيق "السلام"، فإن الاستراتيجية التي ينتمي إليها معظم المجلس مبنية على أساس الإمساك بخيوط اللعبة وإبعاد الشعب الفلسطيني عن حقوقه المشروعة.
توزيع الأسماء ودورها في ميدان رحب للاستهلاك والنفاق الكاشف للعبة، والدافع الحقيقي لمجلس السلام يكمن في صلة الوصل والربط فيما بينها وبين الاحتلال، ولكن على نحو ضمني يغطي ترامب وجهه الحقيقي ببعض الأسماء وباستخدام الأشكال المتعددة التي قد تكون شريكة بالتمويل، لتأسيس واقع يضمن لإسرائيل كل شيء، إن كان في إعادة البناء وشكله في غزة، أو بإعادة تشكيل الحياة الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية للفلسطينيين عموما، وبالتالي طمس الشخصية الوطنية الفلسطينية وحقوقها التاريخية في الأرض والحدود والمياه والأمن، وهي بطبيعة الحال شروط إسرائيلية مطروحة بكل مناسبة، ويتم التساوق معها فلسطينيا وعربيا.
فالحضور العربي بمجلس السلام الأمريكي لا حول له ولا قوة له، دور شكلي مثل حضوره في ملف القضية الفلسطينية مفتت ومشرذم، بعد تحطيم القيم البنائية المحرضة للتحرر من الاحتلال، والتفرج المخزي على جرائم الإبادة الجماعية في غزة، ومواجهتها بعجز مفضوح وصل لحد التآمر، وتجريم فعل مقاومة المحتل ونعته بـ"الإرهاب" والاعتزاز بعلاقة النظام العربي مع الأمريكي والإسرائيلي، على حساب قضية وطنية وإنسانية عادلة، وإحلال قيم أخرى محلها تحض على الاستسلام لغطرسة المحتل، والقبول بتبعيته وتفوقه الأمني، وتقزيم الطموح السياسي العربي والفلسطيني، بالاستثمار بالسلطة والقمع، وتكديس الثروات في صناديق تدعم المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.
توضيح مخاطر الترويج لمجلس السلام، لا يكفي، كما لا يكفي توجيه النقد لهيئة التكنوقراط المناط بها مسؤولية ادارة قطاع غزة بإشراف مجلس السلام، بدون وجود عناصر تجعل أمر إفشال مشاريع مشبوهة غير مستحيلة الهزيمة، ومن الطبيعي أن يكون طرح سياسة وثقافة بديلة أحد أهم الشروط التي يقتضيها ذلك، والتي يمكن أن يفرزها حوار فلسطيني جاد ومسئول وحر في الشارع الفلسطيني وعلى المستوى الوطني قولا وفعلا، تجبره التحديات الكثيرة لتصحيح الفهم الزائف عن السلام ومجلسه السامي، والبحث عن صيغ مناسبة لمواجهة الأخطار القائمة بالتهجير والاستيطان.
اختيار المجلس السامي لغزة في لحظة تاريخية مواتية، لإنقاذ إسرائيل من عواقب ارتكاب جرائم الإبادة في غزة، وفي لحظة عربية وفلسطينية تتسم بالتراخي وفقدان مراكز قوتها، يجعل من تضخيم قوة المستعمر بدلا من تقزيمه ومحاسبته ومعاقبته؛ أمورا لا تستوجب التراجع الذي يساهم في تثبيت الرؤية الصهيونية الأمريكية وبقدرتها على التحكم بمصير المنطقة بفرض وقائع يجري تثبيتها على الأرض، بينما يُتقن الطرف الفلسطيني والعربي فن التراجع والهزيمة على نحو لم يسبقه أحد إليها، فمتى تحين لحظة الضغط على فرامل الهزيمة تُفتح الآفاق أمام الخطى أمام طريق إنجاز حلم نهضة وتحرر وطني للخلاص من هيمنة استعمارية إسرائيلية غربية، وهو أمل قد يكون بداية لتاريخ جديد في المنطقة، بعد أن أغلق النظام العربي وسلطة فلسطينية دورة تاريخ الهزيمة.
x.com/nizar_sahli
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الفلسطينية غزة ترامب مجلس السلام فلسطين غزة ترامب مجلس السلام قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مجلس السلام فی غزة
إقرأ أيضاً:
هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
علق معتز أحمدين خليل، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة الأسبق، على أطروحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستبدال نظام الأمم المتحدة، سواء الجمعية العامة أو مجلس الأمن، بمجلس السلام الذي أنشأه، قائلا إن "الاتحاد من أجل السلام" تم تفعيله بالفعل في سياق طوفان غزة والمجازر الإسرائيلية في غزة، وصدرت قرارات من الجمعية العامة في هذا الشأن.
أضاف خلال مداخلة مع الإعلامية فيروز مكي، في برنامج "مطروح للنقاش"، المذاع على قناة القاهرة الإخبارية، أن المشكلة أن حتى قرارات مجلس الأمن، التي تصدر أحيانًا، كما حدث في القرار 2735 بشأن وقف العدوان على غزة وإدخال المساعدات، لا يتم تنفيذها، والمشكلة الأساسية في تنفيذ قرارات مجلس الأمن أو الجمعية العامة، سواء في إطار "الاتحاد من أجل السلام" أو غيره، هي الإرادة السياسية للدول، وليس أكثر من ذلك.
وواصل: "أما بالنسبة لمجلس السلام، الذي أطلقه الرئيس ترامب، فهو في تقديري فكرة غير قابلة للاستمرار، بل هي فكرة ولدت ميتة كما يبدو، فهو لم يحقق أي نتائج فعلية حتى الآن فيما يتعلق بغزة، وإنما هو في الأساس مجموعة من التحركات التي تهدف إلى اختبار مدى قدرة ترامب على التأثير، لكن الواقع أن الرئيس ترامب اتخذ موقفه وانحاز إلى إسرائيل، ويحاول دعمها في صراعها مع الجانب الفلسطيني".
واستكمل: "بعض الدول العربية وافقت على خطته فقط بهدف وقف المجازر، وليس أكثر من ذلك، وهذا هو ما تم تحقيقه فعليًا، أما ما عدا ذلك فلم يتحقق شيء، وحتى محاولات توسيع عمل مجلس السلام لتشمل ملفات أخرى، مثل أوكرانيا، كما ظهر في مسودة ميثاقه، والتي تضمنت خططًا تخص نحو 20 دولة، فقد قوبلت برفض أوروبي واضح، ما أدى إلى تراجع ترامب عن بعض هذه الطروحات".
https://www.youtube.com/shorts/vzDjQQ48AUU