المشروع الصهيوني العالمي والأمن القومي العربي
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
تحدثنا في مقالات سابقة عن وجود مشروع صهيوني بدأت ملامحه في الظهور بعد اتفاقية سايكس بيكو والإعلان عن الكيان الإسرائيلي عام ١٩٤٨ في فلسطين، وهو عام النكبة. ولعل ملامح ذلك المشروع الصهيوني انطلق من خلاله القيادات الصهيونية المرتبطة بالنظام الغربي؛ حيث أصبحت الأسر الثرية التي هاجرت من ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ذات نفوذ اقتصادي كبير، وتغلغلت تلك الأسر الثرية داخل النظم الغربية التي تسمح دساتيرها بالتعددية ووجود جماعات الضغط التي تقوم على عوامل عرقية ودينية.
الولايات المتحدة الأمريكية هي مثال صارخ على وجود اللوبي الصهيوني، خاصة منظمة «الإيباك» التي تلعب دورا محوريا على صعيد التأثير السياسي داخل البيت الأبيض والكونجرس، علاوة على تأثير رأس المال اليهودي الذي لا يمكن لأي مرشح للانتخابات على صعيد البيت الأبيض تحديدا أن يتجاوزه؛ حيث أصبح الرئيس الأمريكي أسير أجندة المتبرعين، كما هو الحال مع الرئيس ترامب الذي ينفذ أجندة صهيونية واضحة، خاصة على صعيد القضية الفلسطينية وابتزاز عدد من الدول، والتي كان آخرها فنزويلا، علاوة على إقامة أغرب مجلس للسلام في قطاع غزة، بل إنه طلب مليار دولار لكل دولة تريد أن تنضم للمجلس، وحول القضية الفلسطينية وحرب الإبادة إلى ما يشبه نادي يتلاعب بمصير قضية عادلة وشعب يتطلع إلى الحرية والاستقلال.
عودة للمشروع الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي في القلب منه؛ حيث انطلق مشروع التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في الفترة الأولى من حكم الرئيس ترامب، وتم التوقيع على اتفاقات أبراهام في واشنطن، وتواصل المشروع الصهيوني من خلال ما يسمى بالدول الوظيفية، وهي مهمة أسندت للكيان الإسرائيلي عام ١٩٤٨، وأصبحت الحكومات الإسرائيلية هي الخنجر المسموم الذي يقف ضد أي تعاون عربي أو عمل مشترك على غرار دول الاتحاد الأوروبي. بل إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي انطلق منذ عام ١٩٨١ فشل في إيجاد منظومة التكامل الاقتصادي بين الدول الست الأعضاء، كما أن مجلس التعاون العربي قد فشل وانتهى، علاوة على الاتحاد المغاربي الذي لم يعد فاعلا.
ثورات الربيع العربي التي اندلعت عام ٢٠١١ كانت جزءا من نظرية الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كونداليزا رايس، وأكدت على تلك النظرية في كتبها المنشورة. كما أن بقايا الحروب في المنطقة العربية، خاصة في اليمن وليبيا والسودان، هي جزء أصيل من المشروع الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى إيجاد مناخ من عدم الاستقرار، والدخول في خلافات عربية-عربية، والدعوة إلى قضايا الانفصال والتشتت.
ويلعب الكيان الإسرائيلي دور رأس الحربة خلال العقدين الأخيرين في ظل تراجع التعاون العربي وضعف الجامعة العربية واشتعال الحروب الأهلية في عدد من الدول العربية. بل إن الأزمة الخليجية التي اندلعت عام ٢٠١٧ كادت أن تعصف بمنظومة مجلس التعاون. ومن هنا فإن المشروع الصهيوني ينبغي الوقوف ضده من خلال آليات واضحة، ومن خلال استشعار الخطر على الأمن القومي العربي.
فالحرب والصراع في اليمن المتواصل منذ عشر سنوات له تأثيرات سلبية كبيرة على دول المنطقة، خاصة إذا حدث الانفصال. والحرب في السودان وليبيا لها تداعيات كبيرة على الأمن القومي لمصر والسعودية؛ حيث الحدود البرية ووجود البحر الأحمر، كما هو الحال بالنسبة للحدود اليمنية السعودية والعمانية من خلال محافظات المهرة وحضرموت. وعلى ضوء ذلك فإن المشروع الصهيوني العالمي ينطلق من وجود اعتبارات موضوعية، منها الخلافات العربية-العربية، ووجود دولة تدعو للتطبيع مع الكيان، وتداعيات حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني؛ حيث ارتكاب المجازر المروعة التي وثقتها المحاكم الدولية، وصدور مذكرات اعتقال بحق المتطرف نتنياهو ووزير الدفاع المتقاعد جالانت.
إن نظرة فاحصة على الوضع العربي يعطي مؤشرًا خطيرًا على تدحرج الخلافات والتراشق الإعلامي، وهذا ما يجعل المشروع الصهيوني العالمي ينطلق من خلال مناخ عربي سليم وضعف في حل الخلافات العربية. ومن هنا فإن إدارة ترامب تضغط باتجاه استكمال مشروع التطبيع، وهو جزء أصيل من تصفية القضية الفلسطينية، وهو أيضا جزء من سيطرة الكيان الإسرائيلي على الشرق الأوسط من خلال دور الكيان الوظيفي لخدمة الصهيونية العالمية والسيطرة على مقدرات المنطقة. كما أن الدراسات في مراكز البحوث الإسرائيلية تتحدث عن مناخ مناسب للسيطرة على الضفة الغربية وتحويل قطاع غزة إلى منطقة استثمارية وتجارية على البحر المتوسط. ولعل موضوع التهجير بالنسبة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة لا يزال مطروحا، علاوة على شراء الصهاينة الأراضي والاستثمار في قطاع غزة، أو من خلال الوكلاء في المنطقة.
أذكر خلال رحلة وفد جمعية الصحفيين العمانية إلى فلسطين المحتلة في أكتوبر ٢٠١٣ أن التقيت الدكتور صائب عريقات رئيس وفد التفاوض الفلسطيني، وأشار بأننا نشعر بأن الوفد الأمريكي هو أكثر تشددًا وحرصا على عدم إعطاء دولة فلسطينية، حتى أكثر من الوفد الفلسطيني. وهذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك تطالب بإقالة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات رحمه الله. وخلال لقاءات عديدة خلال المسار المهني كانت القيادات الفلسطينية، بداية من الرئيس الحالي محمود عباس وعدد من القيادات الفلسطينية، تتحدث عن ذلك الجمود في المفاوضات لأن واشنطن انحازت بشكل كامل للكيان الإسرائيلي.
ومن هنا فإن القضية الفلسطينية، ورغم الزخم السياسي الدولي التي حصلت عليه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عشرات الاعترافات بدولة فلسطين، خاصة من الدول الأوروبية المؤثرة كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، إلا أن الدور الأمريكي يبقى هو المسيطر على الأوضاع في الشرق الأوسط. وطالما الإدارات الأمريكية المتعاقبة منحازة بشكل سافر، فإن حل الدولتين لن يتحقق بناء على المعطيات على الأرض، وفي ظل تناغم وانسجام سياسي بين حكومة نتنياهو المتطرفة وإدارة البيت الأبيض.
الحروب بالوكالة والدور الوظيفي للدول ليست بدعة في التاريخ القديم والحديث، خاصة إذا كان المشروع الصهيوني يقوم على أيديولوجية توسعية تنادي بقيم وشعارات براقة لا تنسجم مع الثقافة العربية والإسلامية. بل إن خطر المشروع الصهيوني قد بدت ملامحه في الظهور، بل إن المفكرين في الغرب أعطوا في كتاباتهم صورة قاتمة عن تغلغل الصهاينة في النظم الغربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية. ومن هنا فإن هذا المشروع الصهيوني هو الأخطر على النظم والأجيال العربية، حتى لو كان يخطو خطواته ببطء ولكن بثبات.
ولعل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، ومن خلال موسوعته عن اليهودية والصهيونية، قد أبدع في تحليل ذلك المشروع الصهيوني الخطير، والذي يهدف في نهاية المطاف إلى السيطرة والنفوذ واختراق المجتمعات وتغيير الهويات الوطنية. وتعد إشعال الحروب الأهلية هي جزء من تلك الفوضى الخلاقة، كما حدث في مظاهرات إيران؛ حيث كان الهدف إسقاط النظام الإيراني الذي يعد العقبة الكبرى في تمرير المشروع الصهيوني العالمي بشكل أسرع، ولكن المحاولة تم إفشالها في نهاية المطاف.
على الدول العربية أن تتدارك أوضاعها حتى لا تنزلق الأمور إلى ما هو أخطر، ولعل الخطوة الأولى هو الجلوس على طاولة الحوار والمصارحة والشفافية؛ حيث إن الخطر على الأوطان يتعدى أي طموح للنفوذ أو السيطرة، خاصة وأن نتنياهو تحدث عن خريطة إسرائيل الكبرى التي تخترق أجزاء واسعة من الجغرافيا العربية، حيث السيطرة على الممرات البحرية والمنافذ الاستراتيجية.
إن نظرة فاحصة على المشهد السياسي العربي تختصر خطورة التطورات المتلاحقة في المنطقة، وهنا يحتاج العرب خاصة القيادات إلى وقفة تأمل وحكمة لإيجاد خارطة طريق عربية تنقذ الأوطان والمقدرات من مشروع صهيوني هو الأخطر منذ نهاية النازية والفاشية بعد الحرب العالمية الثانية. فهل يعي العرب ذلك؟
عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة الأمریکیة القضیة الفلسطینیة الکیان الإسرائیلی علاوة على قطاع غزة من خلال
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.