عربي21:
2026-06-03@06:06:24 GMT

غزة على حافة البقاء

تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT

لطالما كان الشتاء، بكل طقوسه الثقيلة ورائحة المطر، مادة للشعراء كي يتغنوا به ويمدحوا دفئه المخبأ في حضور المحبوب، غير أن شتاء غزة هذا العام كسر القواعد الشعرية كلها. هنا لم يعد المطر عنواناً للخصب ولا الريح حاملة للبشائر، بل صار البرد نفسه طرفاً في الحرب، شريكاً غير معلن في القتل، وإن لم يكن السبب المباشر.

في قطاع محاصر يعيش أهله على قيد النجاة منذ شهور، تحوّل الشتاء إلى امتحان آخر تُسهم فيه السياسة والحصار ومنع وصول المأوى في تحويل الليالي إلى فخاخ موت بطيء. منذ أكتوبر 2023، تآكلت البنية السكنية للقطاع حتى لم يعد هناك بيت بمعناه التقليدي، وأصبح أكثر من 1.9 مليون فلسطيني بلا سقف دائم، مضطرين للعيش في مدارس مكتظة أو خيام أو هياكل صفيح ضعيفة تتحمل أقل عاصفة. ومع بداية الشتاء القارس، بدا واضحاً أن المشكلة لم تكن فقط في غياب المأكل والماء والدواء، بل في غياب الدفء. فالخيمة لا تصمد أمام عاصفة، ولا تمنع تسرب المياه، ولا تحفظ حرارة جسد طفل ولا شيخ ولا امرأة، ومع كل ليلة باردة تتفاقم المخاطر بشكل غير مسبوق، ويشعر السكان بأن الشتاء أصبح عدوهم المباشر بعد القصف والحصار والجوع.

ضاعفت الأزمة منع الاحتلال دخول الكرفانات والمساكن المؤقتة، وهو ما أكده مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في السكن اللائق، الدكتور بالاكريشنان راجاغوبال، الذي حذّر من أن «نقص المأوى والحماية من البرد يُضاعف معاناة السكان بشكل حاد، ويعرض الأطفال وكبار السن لمخاطر مباشرة على حياتهم»، مؤكداً أن هذه القيود «تشكل عامل وفاة إضافياً في ظل الظروف الحالية». هذه المأساة ليست مجرد سرد إنساني، بل واقع موثَّق بالأرقام: فقد أفادت وزارة الصحة الفلسطينية في يناير 2026 بأن 24 شخصاً على الأقل توفوا بسبب البرد منذ بداية الشتاء، بينهم 21 طفلاً، بينما سجلت المراكز الطبية زيادة كبيرة في حالات الالتهاب الرئوي والتهابات أخرى مرتبطة بالبرد والرطوبة، بعض هذه الوفيات كانت ناجمة عن انخفاض حرارة الجسم نتيجة الخيام المبتلة والبرودة المستمرة، فيما اضطر آلاف المرضى المزمنين إلى مواجهة الليالي دون تدفئة، ما فاقم من حالتهم الصحية.

الأرقام لا توضح فقط حجم المأساة، بل تكشف فشل استجابة الإغاثة. منظمات إنسانية، بينها المجلس النرويجي للاجئين، قالت إن نحو 4,000 وحدة من الكرفانات التي يمكن أن توفر مأوى آمناً لم تُسمح بدخولها، وهو ما ترك آلاف الأسر في مواجهة مباشرة مع البرد القارس. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، أكثر من 235 ألف شخص تأثروا مباشرة بتضرر خيامهم أو عدم توفر مأوى مناسب، فيما أشارت المنظمات الحقوقية إلى أن استمرار المنع سيؤدي إلى زيادة وفيات الأطفال وكبار السن مع كل موجة برد جديدة. كل ذلك يضع المدنيين أمام واقع مؤلم: البقاء تحت السماء الممطرة أو مواجهة الموت البطيء داخل خيمة لا تمنح أي حماية، وتزداد صعوبة العيش مع قلة الوقود وانقطاع الكهرباء، بحيث يصبح كل مساء اختباراً للبقاء على قيد الحياة.
الشتاء في غزة امتحان للبقاء، حيث الخيمة ليست رفاهية بل سلاح حياة
الشهادات الميدانية تضع القارئ في قلب المشهد. في خان يونس، روى رجل خمسيني نازح كيف اقتلعت الرياح العاتية خيمتهم، مضيفاً: “لم يعد يكفينا أن ننجو من القصف، الآن علينا أن ننجو من البرد أيضاً”. في رفح، تحدثت أم لثلاثة أطفال عن معاناتهم داخل خيمة مبتلة بالكامل، قائلة: “نحاول تغطيتهم بكل ما نملك من ملابس وبطانيات، لكن الحرارة منخفضة بشكل لا يطاق، وأشعر أن الشتاء يسرق حياتهم”. وفي مخيم جباليا، شوهد أطفال يجلسون حول نيران صغيرة يحاولون بها تدفئة أنفسهم بينما المطر يهطل بغزارة فوق رؤوسهم، مشهد يعكس مدى ضعف الإمكانيات وقلّة حيلة المنظمات أمام نازية الاحتلال، مع تزايد القلق من إصابات متكررة بالأمراض الشتوية.

الشتاء في غزة امتحان للبقاء، حيث الخيمة ليست رفاهية بل سلاح حياة. مع منع الكرفانات، تتحول الليالي الباردة إلى حصاد حقيقي للأرواح، والأطفال والرُّضَّع هم الأكثر عُرضة للخطر. هذه الحقائق توثّقها منظمات حقوق الإنسان التي تشدد على ضرورة رفع القيود فوراً لضمان الحد الأدنى من مأوى آمن، معتبرة أن أي تقاعس إضافي سيضاعف عدد الوفيات ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع. وبهذا يصبح الشتاء عاملًا قاتلاً مضاعفًا، حيث يُضاف إلى القصف والحصار والجوع عامل جديد يُسلب فيه السكان حقهم الأساسي في الحياة.

ختاما…
الواقع يفرض على المجتمع الدولي الضغط لإيجاد حلول عاجلة: إدخال الكرفانات والمساكن الجاهزة، توفير الوقود ومواد التدفئة، وتأمين مأوى مؤقت يحمي المدنيين من برودة الشتاء القارس، فالأرقام تقول إن الشتاء ليس السبب المباشر للوفيات، لكنه أصبح شريكاً في قتل المدنيين، ومع كل ليلة باردة تتضاعف معاناة الأطفال والنساء وكبار السن الذين لا يجدون مأوى يحميهم من البرد، ويصبح من واجب العالم، وبالأخص الجهات الإنسانية والدولية، التدخل العاجل لإنقاذ ما تبقى من غزة وأهلها.

الشرق القطرية

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الشتاء غزة الاحتلال الكرفانات غزة الاحتلال الكرفانات الشتاء غرق الخيم مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

محافظ الغربية يوجّه بتوسيع خدمات الرعاية الصحية لكبار السن والأمراض المزمنة

تفقد اللواء دكتور علاء عبد المعطي، محافظ الغربية، مستشفى المجمع الطبي النموذجي التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي بمدينة طنطا؛ لمتابعة مستوى الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين والوقوف على انتظام سير العمل داخل المستشفى، وذلك في إطار توجيهات القيادة السياسية بالارتقاء بالمنظومة الصحية وتوفير الرعاية الطبية اللائقة للمواطنين،جاء ذلك بحضور الدكتور أسامة بلبل وكيل وزارة الصحة بالغربية، والدكتور كريم بركات مدير فرع الغربية للتأمين الصحي.

وخلال الجولة، حرص المحافظ على متابعة الأقسام المختلفة بالمستشفى والتأكد من توافر كافة الخدمات الطبية والعلاجية المقدمة للمترددين.
كما استمع إلى شرح تفصيلي حول آلية العمل داخل المستشفى، وحجم التردد اليومي للمرضى، وكفاءة الأطقم الطبية والتمريضية، إلى جانب توافر الأجهزة الطبية والأدوية والمستلزمات اللازمة لضمان تقديم الخدمة الصحية بصورة جيدة والتعامل الفوري مع الحالات الطارئة.

كما تفقد المحافظ وحدة الغسيل الكلوي، وقسم الطوارئ، ووحدة القسطرة القلبية، والرعاية المركزة، والرعاية المتوسطة، وأقسام الإقامة الداخلية، ووحدة العلاج الكيماوي، موجهاً بضرورة استمرار تقديم الخدمة الطبية بالمستوى اللائق وتوفير الدعم الكامل للمرضى.

وأجرى المحافظ حوارًا مباشرًا مع عدد من المرضى وذويهم للاطمئنان على مستوى الرعاية الطبية المقدمة لهم، والاستماع إلى آرائهم ومطالبهم، متمنيًا لهم الشفاء العاجل وسرعة التعافي.

وأكد اللواء دكتور علاء عبد المعطي أن مبادرة «دواؤك لحد باب بيتك» يتم تنفيذها حاليًا من خلال صيدلية عيادة علي بن أبي طالب التابعة للتأمين الصحي بمدينة طنطا، لتوفير خدمة توصيل العلاج الشهري لأصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن غير القادرين على الانتقال.

وأوضح المحافظ أن الاستفادة من الخدمة تبدأ بتوجه المريض أو أحد ذويه إلى عيادة علي بن أبي طالب، وطلب تفعيل خدمة توصيل العلاج المنزلي من شباك الصيدلية، حيث يتم تسجيل بيانات المريض وعنوان التوصيل ورقم الهاتف بدقة، على أن يتم بعد ذلك توصيل الأدوية شهريًا إلى باب المنزل دون أي رسوم إضافية، في إطار التيسير على المرضى وتخفيف الأعباء عنهم.

وأكد اللواء دكتور علاء عبد المعطي من داخل عيادة عيادة علي بن أبي طالب ان الدولة تضع صحة المواطن على رأس الأولويات.. ومبادرة «دواؤك لحد باب بيتك» تخفف الأعباء عن المرضى وتضمن وصول العلاج لمستحقيه بسهولة وكرامة .

مقالات مشابهة

  • علماء يبتكرون علاجا واعدا لالتهاب الدماغ المرتبط بالتقدم في السن
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • تقنية حرارية مبتكرة قد تمنع فقدان البصر المرتبط بالشيخوخة
  • ميتا توسع نطاق ضوابط حسابات صغار السن حول العالم
  • محافظ الغربية يوجّه بتوسيع خدمات الرعاية الصحية لكبار السن والأمراض المزمنة
  • رفضوه عريسًا فوقف على حافة الموت.. إنقاذ شاب حاول القفز من أعلى عقار بمدينة نصر
  • شاي النعناع.. مشروب دافئ يساعد في تهدئة التهاب الحلق وتخفيف احتقان الأنف