أتذكّر ذلك كما لو أنه حدث بالأمس. كنّا في بدايات المرحلة الثانوية، في عمرٍ يتشكّل فيه الوعي قبل أن يكتمل العقل، وكانت الدولة - بكل أدواتها - حاضرة في صياغة ما نرى ونسمع ونصدّق. داخل المدارس والنوادي، في قاعات النشاط والاجتماعات الثقافية، عُرضت علينا شرائط فيديو قيل لنا إنها توثّق «بطولات المجاهدين» في أفغانستان: دبابات تحترق، طائرات تسقط، رجال يهتفون بالتكبير، وكأن الصوت وحده يهزم السلاح.

لم تُقدَّم لنا تلك المشاهد بوصفها حربًا معقّدة أو صراع مصالح دولية، بل كمعركة كونية فاصلة:

الإيمان في مواجهة الإلحاد.لم يُقال لنا إن خلف الكاميرا غرف عمليات، ولا أن خلف الصواريخ تمويلًا وتسليحًا وتدريبًا، ولا أن خلف الحماسة حسابات باردة تُدار في عواصم بعيدة. كل ما كان مطلوبًا أن نؤمن… لا أن نفهم.

كانت تلك الشرائط أول درس عملي في كيف يمكن للدين أن يتحوّل إلى دعاية، وكيف يمكن للمدرسة والنادي معًا أن يصبحا امتدادًا للمنبر، وللسياسة أن تتسلّل إلى المجال العام تحت لافتة العقيدة. لم تكن المسألة تعليمًا أو نشاطًا ثقافيًا، بل تعبئة نفسية مبكرة، تُصاغ فيها العقول على إيقاع واحد، وتُختزل فيها الأسئلة الكبرى إلى شعارات جاهزة.

كبرنا، وسقطت الصور واحدة تلو الأخرى، وبقي السؤال معلقًا:

كيف خُدع جيل كامل باسم الجهاد؟

من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

حين صُنِع الجهاد في غرف الحرب الباردة

بعد أكثر من أربعة عقود، لم تعد الرواية التي سادت في الثمانينيات قادرة على الصمود.ما جرى في أفغانستان لم يكن «جهادًا» بقدر ما كان فصلًا متقدمًا من فصول الحرب الباردة، أُعيد فيه توظيف الإسلام كأداة تعبئة في صراع دولي بين قوتين عظميين.

لم تكن أفغانستان سوى ساحة، ولم يكن الشباب سوى وقود، ولم يكن الدين سوى غطاء. العدو لم يُحدَّد وفق معيار أخلاقي أو ديني، بل وفق خريطة مصالح أمريكية واضحة:

، ، استنزاف الخصم السوفيتي بأدوات غير مباشرة، وبأقل كلفة ممكنة على الطرف المُحرّك.

الإسلام كزيّ تنكري

ما سُمّي بـ«الصحوة الإسلامية» لم يكن عودة إلى القيم بقدر ما كان انقلابًا شكليًا على المظهر. كان المطلوب صورة قابلة للتعبئة، لا مضمونًا أخلاقيًا. إسلام يُستخدم كملصق في فيلم الحرب الباردة، لا كمنظومة عدالة وتحرر.

تحالف غير مقدّس

تشكل تحالف مركّب: سلطة سياسية تبحث عن توازن، مؤسسات دينية تمنح الغطاء، حركات أيديولوجية تستثمر اللحظة، ورعاة دوليون يديرون المشهد.فُتحت الأبواب، وسُهّلت الطرق، وتحولت أفغانستان إلى «قبلة الجهاد»، بينما ظلّت 《القدس》 خارج الحسابات.

وهنا السؤال الفاضح:

لماذا فُتح الجهاد هناك وأُغلق هنا؟ ومن كان يملك البوصلة؟

من الحرم إلى الجبال: تصفية الداخل باسم الخارج

لم يكن الدفع بالجماعات المتشددة إلى أفغانستان قرارًا عقائديًا فقط، بل خيارًا أمنيًا. فمع مطلع القرن الهجري الرابع عشر، اهتزّ الداخل السعودي على وقع اقتحام الحرم المكي في أول فجر من العام 1400هـ، حين قادت جماعة مسلّحة بزعامة جهيمان العتيبي ومحمد بن القحطان تمرّدًا صادمًا كشف خطورة التيارات المتشددة حين تنقلب من أداة إلى تهديد.

منذ تلك اللحظة، صار وجود هذه الجماعات عبئًا يجب التخلص منه. لم يكن الحل في المواجهة الفكرية العميقة، بل في تفريغ الساحة: فتح بوابة «الجهاد الخارجي»، وإرسال من تبقّى من جماعة «الجماعة السلفية المحتسبة» وأشباهها إلى ميادين بعيدة. هناك، خارج الحدود، تحوّلوا تدريجيًا إلى نواة تنظيمية جديدة عُرفت لاحقًا باسم {القاعدة}

هكذا التقت الحاجة الأمنية المحلية مع الاستراتيجية الأمريكية العالمية: التخلص من خطر داخلي، واستنزاف خصم دولي، تحت شعار واحد يُجمِع الجميع ولا يُحاسِب أحدًا.

الفتوى كوظيفة سياسية

حين تصدر الفتوى متزامنة مع مصلحة دولية، ثم تُسحب بانتهائها، فإننا أمام خطاب ديني مُسخَّر. الإيمان لا يُدار بالخرائط، لكن «الجهاد» هنا أُدير كملف: يُفتح حيث تريد واشنطن، ويُغلق حين تنتهي المهمة.

وحين خرج السوفييت ودخل الأمريكيون، صمتت الأصوات نفسها. اختفت اللغة نفسها. وكأن الاحتلال تغيّر وصفه الشرعي بتغيّر الراعي.

تصدير الأزمة والتخلص من العبء

كان «الجهاد» وسيلة لتصدير أزمة داخلية: شباب مؤدلج يصعب احتواؤه. أفغانستان كانت صمام أمان. هناك التقت المصالح، ودُفعت الشعوب الثمن.

الخلاصة: من خان من؟

لم تكن المعركة بين الإيمان والإلحاد، بل بين مشروعين دوليين.

لم يكن الشباب مجاهدين بقدر ما كانوا أدوات.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لدينٍ ما، أن يدخل غرفة الاستخبارات.

ما لم يُعاد تعريف الإيمان خارج حسابات الدول، ستظل الشعوب تُستدعى إلى الحروب الخطأ تحت الشعارات الصحيحة.

اقرأ أيضاًالتاريخ حين يخلع تماثيله قبل أن يخلع أنظمته!!

مصر - إيران.. المؤامرة تنتقل إلى الأطراف

العالم تحت حكم البلطجي الدولي.. من فتوة الحارة إلى دولة الاستخبارات العابرة للقانون

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: روسيا أفغانستان الإرهاب مقالات أمريكا التطرف الاستخبارات الجهاد ما کان لم یکن

إقرأ أيضاً:

تصدع المشروع الصهيوني العالمي

المشروع الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى هيمنة الكيان الصهيوني على مقدرات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدأت ملامحه في التصدع، خاصة أن الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران كان يهدف منها إلى تغيير النظام الإيراني والقضاء على العقبة الكبرى لتنفيذ ملامح ذلك المشروع الصهيوني.

الخطة الأمريكية الإسرائيلية كانت تهدف إلى القضاء على النظام الإيراني وحركات المقاومة لتبدو المنطقة جاهزة لانطلاق المشروع الذي تحدث عنه المتطرف نتنياهو وعرض من خلاله إسرائيل الكبرى على الخريطة، حيث يتم تمدد الكيان الصهيوني إلى مناطق واسعة من الجغرافيا العربية والإسلامية وفرض هيمنة الكيان الإسرائيلي على الشرق الأوسط الجديد وتنفيذ المخطط الأساسي لإنهاء القضية الفلسطينية والسيطرة على مقدرات المنطقة. إن الصدمة الأمريكية الإسرائيلية كانت كبيرة عندما فشلت الضربة العسكرية الأولى في تغيير النظام من خلال خلق فوضى عارمة وخروج ملايين من الشعب الإيراني والقضاء على القيادات العسكرية والمدنية.

ومع تماسك النظام الإيراني وامتصاص الضربة الأولى والرد العسكري الكبير من قبل إيران على القواعد العسكرية الأمريكية واشتعال الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر تحولت تلك الحرب إلى حرب استنزاف، خاصة بعد غلق مضيق هرمز وتأثر الملاحة، وبالتالي التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة وخلق حالة من عدم الاستقرار والسلام في المنطقة.

وشعرت الإدارة الأمريكية بأن الحرب تحولت إلى صراع إرادات وأن هناك خسائر أمريكية بشرية، وإسقاط أكثر من ٤٠ طائرة، علاوة على فشل عملية أصفهان للحصول على اليورانيوم المخصب.

إن معاناة المنطقة على صعيد إشعال الحروب يعود إلى غطرسة القيادات العسكرية الإسرائيلية؛ حيث إن نتنياهو خلال عقدين دخل في حروب عديدة مع حزب الله عام ٢٠٠٠ وعام ٢٠٠٦ وعام ٢٠٢٣ والحرب الحالية، كما دخل نتنياهو حربا معقدة ضد حركة حماس بعد أكبر كارثة عسكرية تعرض لها الكيان الصهيوني في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.

إذن مشكلات المنطقة سببها الكيان الصهيوني الذي يشعل الحروب ويرفض كل مبادرات السلام التي تقدم بها الجانب العربي، خاصة المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢، علاوة على استعداد الجانب العربي لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال إيجاد الحل الشامل والعادل بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية وإرساء قواعد السلام.

الكيان الصهيوني منذ قيامه عام ١٩٤٨وهو ينكل بالشعب الفلسطيني وينتهك حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة، فقد ارتكب الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية وانتهاكات خطيرة خلال الحرب على قطاع غزة؛ حيث استشهد أكثر من ٧٥ ألف إنسان من المدنيين من الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير البنية الأساسية لقطاع غزة في جريمة كبرى ارتكبها الجيش الإسرائيلي وأركان الكيان الصهيوني.

ولعل إصدار مذكرة اعتقال من قبل محكمة الجنايات الدولية لنتنياهو وجالانت وزير الدفاع السابق هو دليل على جرائم الحرب البشعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي والعسكريون في الكيان المحتل.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يمكن أن تستقر دون إجبار الكيان الإسرائيلي من الانسحاب من الأراضي الفلسطينية ومن جنوب لبنان والجولان السوري المحتل وبدون هذا الانسحاب سوف تظل المنطقة عرضة لمزيد من اشتعال الحروب والصراعات الإقليمية.

نتنياهو ورط الرئيس الأمريكي ترامب في الدخول في حرب ضد إيران رغم أن واشنطن ليست مهددة من إيران، ومن هنا؛ فإن الرئيس الأمريكي ترامب في موقف صعب ومعقد؛ فقد فشل في تحقيق نصر شامل ضد إيران، كما أن الاقتصاد الأمريكي يعاني الأمرين، وارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الاقتصاد العالمي يعاني من أضرار كبيرة، وسلاسل الإمداد متأثرة، ورغم المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلا أن طهران متمسكة بثوابتها من خلال خطة تفاوض واضحة تنهي الحرب أولا في كل ساحات القتال، خاصة في لبنان علاوة على إيران.

قضية التطبيع فشلت على الصعيد العربي؛ حيث إن التطبيع المجاني دون حل الدولتين هو أمر مرفوض، كما أن الغطرسة الإسرائيلية تعد عقبة كبيرة أمام تحقيق الشعب الفلسطيني أحلامه المشروعة في إيجاد دولته المستقلة ذات السيادة.

إذن من أهم نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو تصدع المشروع الصهيوني العالمي، وسوف تخرج إيران وحزب الله أكثر قوة، ومن هنا؛ فإن مجمل التحليل حول الصراع والحرب في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينتهي دون الحل الشامل والعادل والمنصف.

الحرب الأمريكية الإيرانية أصبحت في حكم المنتهي؛ لأن واشنطن فشلت في تحقيق أهداف المشروع الصهيوني العالمي الذي تعد إسرائيل فيه هي رأس الحربة من خلال إزالة العقبة الكبرى الأخيرة وهي إيران، ثم إطلاق مشروع التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة استثمارات وبالتالي تتحكم وتتمدد إسرائيل إلى الجغرافيا العربية والإسلامية على ضوء الخريطة التي يحلم بها نتنياهو وحكومته المتطرفة.

كما أن هيبة الدولة الأمريكية أصبحت في مهب الريح بعد أن ورط نتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب في دخول حرب عبثية سوف تعاني منها واشنطن وقد تكون العامل الأهم في سقوط الحزب الجمهوري خلال الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم.

وإذا ما حدث ذلك فإن الرئيس الأمريكي ترامب سوف يكون عاجزا عن تنفيذ أجندته السياسية التي أوصلته إلى البيت الأبيض من خلال دعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الحزب الجمهوري قد يفشل في المحافظة على البيت الأبيض خلال الانتخابات القادمة بعد سنتين ونصف وانتهاء فترة ترامب المثير للجدل.

من هنا، فإن صحّت تلك التوقعات فإن الرئيس الأمريكي ترامب يكون قد دفع ثمنا سياسيا كبيرا على صعيد طموحه السياسي أولا، وأيضا على صعيد حزبه الجمهوري، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني على صعيد التضخم وارتفاع أسعار البنزين والدين العام، وكل ذلك الضرر تسببت به سياسات ترامب.

ومع ظهور ملامح تصدع المشروع الصهيوني بعد رفض الدول العربية التطبيع دون حل الدولتين فإن الرئيس الأمريكي ترامب يواجه ضغوطا داخلية معقدة اقتصاديا، وعلى صعيد الموقف العسكري مع إيران، وفي ظل فشل الحماية الأمريكية خلال الحرب، فإن ذلك يحتم على الدول العربية تقييم العلاقات مع إدارة ترامب.

كما أن الكيان الإسرائيلي قد تلقى ضربة موجعة قد تؤدي إلى انتهاء طموحات المتطرف نتنياهو بعد مرور عقدين من إشعال الحروب والصراعات الإقليمية في المنطقة؛ ومن هنا فإن تصدع المشروع الصهيوني يفرض على الدول العربية إيجاد استراتيجية موحدة لحماية الأمن القومي العربي وحماية الهوية الوطنية، والحفاظ على المقدرات، بعيدا عن المشروع الصهيوني العالمي الخبيث الذي يستهدف الأمة العربية والإسلامية وأجيالها وثرواتها.

مقالات مشابهة

  • تصدع المشروع الصهيوني العالمي
  • بمادة الفقه.. انطلاق امتحانات شهادة الثانوية الأزهرية في فلسطين لعام 2026
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • خطوات ورسوم استخراج جواز سفر مستعجل لأول مرة والأوراق المطلوبة
  • “الجهاد الإسلامي” تدين اعتداء مستوطنين على أهالي قرية في رام الله
  • من يشبه الجندي الياباني؟!!
  • "الجهاد": هجوم المستوطنين على قرية أم صفا برام الله إرهاب منظم
  • ندب الدكتور باسم سيد نبوي لتسيير أعمال رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية
  • تكليف الدكتور باسم نبوي بتسيير أعمال رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية
  • استخراج كعب العمل إلكترونيا.. خطوات الحصول على شهادة القيد في 24 ساعة