الإسلام السياسي: الظاهرة والذاكرة والمفهوم.. مشاتل التغيير (54)
تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT
كان في النية أن نواصل الحديث عن السبيل إلى تكوين عقل استراتيجي للأمة، إلا أنني في إسطنبول حضرت مؤتمرا مهما حول إشكالية تصنيف الإخوان كـ"منظمة إرهابية"؛ نظمه منتدى الحوار للثقافة والإعلام بالتعاون مع عدد من المراكز البحثية تحت عنوان "تصنيف الحركات الإسلامية ككيانات إرهابية.. المخاطر والتداعيات"، حيث ناقش المؤتمر توجه الإدارة الأمريكية نحو التصنيف وبيئة اتخاذ القرار الداخلية والخارجية، كما طرح معايرة قانونية على واقع جماعة الإخوان المسلمين، وتاريخها وفكرها وتجاربها، انتهاء بالتداعيات وسبل المواجهة، وكيف قام من أدرج الإخوان باستهلاك مفهوم "الإسلام السياسي" بتقديم حيثيات بائسة لهذا التجريم.
تمثل دراسة الظاهرة الإسلامية بعد الثورات العربية خاصة في الفترة الأخيرة مسألة غاية في الأهمية، فهذه الدراسة لا يمكنها أن تجدي تحت افتراض أن هذه الفترة يمكن اقتطاعها عن سياقاتها السابقة وذاكرتها الماضية، في ظل استمرار حدث الثورات وتوالي موجاتها سواء في دول الثورات الأولى مثل مصر وتونس، أو دول الموجات الأخرى مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق والجزائر والسودان وصولا إلى لبنان. فحدث الثورة الذي عرفته الدول العربية لن ينتهي قريبا رغم الانتصار المؤقت لبعض مشاريع الاستبداد في الدول العربية، ومن ثم فإن دراسة القوى السياسية التي شاركت في الثورة مثل الحركات الإسلامية، والتعرف على سياقاتها ودورها وخطابها واستشراف مستقبلها، أمر في غاية الأهمية في إطار دراسة مستقبل الثورات العربية بشكل عام ومستقبل هذه الحركات بشكل خاص.
يرتبط المدخل بالمفاهيم وارتباطها بالظاهرة والذاكرة، فإطلاق الإسلام السياسي يظل مفهوما مسيّسا ومؤدلجا في التعاطي معه سواء أقره أصحاب الظاهرة الإسلامية أو اختلفوا معه، وسواء أطلقه بعض كتاب الغرب أو أطلقوا مفاهيم أخرى ارتبطت جميعها بمحاولات تتعلق بوصف الظاهرة أو محاولة التمويه عليها، وكذا صناعة قابلياتها لعملية تشويه كبرى وافتعال الظواهر لغلقها وربطها بمفاهيم ذات حمولات سلبية ضمن رؤية الغرب لتلك الظاهرة، ومحاولة ربطها بظواهر مثل العنف والإرهاب، وغالبا ما ارتبط ذلك بمداخل ومسالك متعددة تتعلق بالإسلام فوبيا ومداخلها المتنوعة في سياقات تشويه الظاهرة؛ ذاكرة وسياقات، مواقف وأفعال، وغالبا ما ارتبط ذلك بالظاهرة الاستشراقية وكتابات الشرق الأوسط وبعض المنصات الإعلامية في محاولات لتدشين الصور الذهنية حيال الظاهرة والذاكرة والمفاهيم؛ ذلك أن مفهوم الإسلام السياسي ليس إلا صناعة غربية قد ابتدعها الغرب ثم انتقدها ونقضها؛ كما تؤكد ذلك مؤشرات كثيرة وشواهد خطيرة.
من المهم في البداية أن نؤكد على أن منهج النظر في التعامل مع الظاهرة الإسلامية بما تتخذه من أشكال ومسالك متعددة؛ تجعلنا نتذكر ذلك التحفظ المبدئي الذي كنا نؤكد عليه في كثير من الفعاليات البحثية حينما يتعلق الأمر بدراسة هذه الظاهرة، لنذكر أن الإسلام لا يتجزأ، فمن غير الممكن أن نتحدث عن إسلام سياسي وإسلام اقتصادي وإسلام اجتماعي وإسلام ثقافي؛ فيؤدي ذلك إلى تجزئة هذا التكامل بين تلك الجوانب المختلفة للرؤية الإسلامية، فنختزل الإسلام تارة في السياسة وتارة أخرى في الثقافة، ولكن الأمر الأساس في هذا المقام إنما يتعلق بالحديث عن الظاهرة الإسلامية باعتبارها تتحدث عن أهم الظواهر والأشكال التي يتخذها التدين ودخول هذه الظاهرة إلى الساحة التي تتعلق بالممارسة السياسية، ومن ثم فإن هؤلاء الذين تحدثوا عن الإسلام السياسي في هذا الوقت استغراقا هم الذين يتحدثون اليوم عن خطورة هذه الظاهرة والفشل الذي أحاط بها، رغم أنهم منذ البداية هم الذين أطلقوا هذا الاسم على الظاهرة، وهو في حقيقة الأمر لم يكن إلا نمطا من أنماط التدين وممارسته في الشأن السياسي.
في نقد مقولة الإسلام السياسي؛ تحفظنا من قبل على مفهوم الإسلام السياسي وذلك من فترة مبكرة، ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك أمرين أضرا بالتعامل مع هذه الظاهرة التي عُنونت بالإسلام السياسي، الأول منهما من أهلها؛ فاعتقاد العصمة في الممارسات الإسلامية بل ومد العصمة على التنظيمات المسماة بالإسلامية، أمر شديد الخطورة وتجاهل أن الممارسات قالت إن هؤلاء قابلين للنجاح والفشل، بل وفي الميزان السياسي هم في غالب الأحوال ممارساتهم غير ناضجة وغضة، وثانيهما من خصوم الظاهرة وهم من قالوا من البداية إنه ليس هناك من طريق لإدماج الإخوان المسلمين في الحياة السياسية سوى انخراطهم في العملية السياسية، فلما انخرطوا واجهوهم بمقولتين: أنتم تسعون للسلطة وتسيّسون الدين، وصمتوا في الغالب عن تسييس/ تأميم الدولة للدين، أيضا الانتقادات لم تتوقف عندما انخرطت الحركات الإسلامية في العملية السياسية، فقد أصبحوا يحاسبونها على النية وليس الفعل، وجزء من هؤلاء بدأوا ينتقدون الإسلام في رؤيته الجوهرية وليس فقط التكوينات السياسية وممارستها.
ومن ثم فإن منهجنا في معالجة الظاهرة الإسلامية في جانب الممارسة السياسية يقوم على ما يلي:
أ- أن هذه الظاهرة قابلة للنقد وللخطأ والصواب، وأن ممارسة المنهج النقدي في التعامل مع هذه الظاهرة من أوجب الواجبات.
ب- أن من حق هذه التكوينات الإسلامية أن تتمسك برؤيتها ومشروعها الإسلامي ومرجعيتها الإسلامية، مثلها مثل أي ممارس سياسي من حقه أيضا أن يتمسك بمرجعيته وأيديولوجيته.
ج- أن تشريح التكوينات الإسلامية في ميدان الممارسة السياسية والشأن العام يتطلب ألا ننظر لهذه الظاهرة ككتلة واحدة مصمتة، ولكن علينا أن نمارس تشريحا وترشيحا لتلك الظاهرة في التعامل معها.
د- أن النظر لهذه الظاهرة لا يمكن أن يكون استقلالا عن السياقات والاتجاهات الأخرى في إطار عملية التنافس السياسي، ومن الأهمية بمكان بحث كيفية التعامل خصوصا في ظل الاتهامات وممارسة ما هو ليس بحقيقي أو حقائق حول هذه الظاهرة الإسلامية، فصار تعامل هؤلاء الخصوم ليس فقط في إطار التنافس السياسي، بل استدعي حزمة من الاتهامات الأيديولوجية التي تتحكم فيها النظرة المسبقة لدخول عالم المسلمين إلى قلب الظاهرة السياسية والممارسة السياسية.
هـ- أن الظاهرة الإسلامية حين اجتمعت مع التوجهات الأخرى في معارضة الأنظمة السياسية لم تقم على قاعدة رصينة من التوافق السياسي أو على قاعدة عقد اجتماعي وسياسي جديد، ولكن ظلت هذه العلاقة مشحونة بالاختلافات مسكونة بالصراعات، فهو أمر مهّد لبيئة الاستقطاب أكثر من تأسيس بنية تحتية لعمليات التوافق والاتفاق.
و- الأخطر والأشد أن تتطور تلك الممارسات الاستقطابية خاصة من جانب النظم المستبدة لتقوم على صناعتين؛ صناعة الفرقة، وصناعة الفوضى والتلويح بهما، مما أدى إلى بروز ما يمكن تسميته بسياسات واستراتيجيات صناعة الكراهية، إذ قامت تلك السلطات الفاشية المستبدة ضمن استغلالها لهذه البيئة في تقسيم الشعب الواحد إلى شعوب متعددة، هيأ هذا التقسيم إلى ممارسة حالة من الحروب الأهلية والداخلية سواء في ميدان الخطاب والكلمات أو في التقاتل الفعلي كما في بعض الخبرات في بلاد الثورات، مما سمح بإضعاف المجتمع في مواجهة السلطة والحال الذي أدى إلى تغول السلطة على كامل مساحات المجتمع.
ز- باب التحالفات ومن خلال مدخل الجامعية بين هذه القوى السياسية المختلفة، ولكن بدا لمثل هذه القوى أن تقوم في السر وفي العلن بعمل توافقات مع السلطة وأصحاب القوة، فأدى ذلك إلى التلاعب بالطرفين أو إذكاء نار الفتنة واستدعاء عوامل الفرقة في حال التعامل السياسي على أقل تقدير، ونستطيع أن نشير إلى المجلس العسكري نموذجا في حالة الثورة المصرية.
كل تلك الأمور أسهمت بشكل خطير في تشويه الظاهرة الإسلامية وتجربتها السياسية وذلك على النحو التالي:
1- شيطنة الإسلام السياسي والإخوان المسلمين على وجه الخصوص ضمن عمليين متوازيين، وهما صناعة الصورة على مستوى الخارج، وشيطنة الإسلاميين على مستوى الداخل في التعامل السياسي والممارسة السياسية.
2- أن "الإسلاموفوبيا" صارت مع هذه الشيطنة ليست مجرد حالة تتعلق بنظرة الحضارة الغربية لعالم الإسلام والمسلمين، ولكنها في حقيقة الأمر ارتبطت أيضا بالداخلي والإقليمي في سياق يتعلق بشيطنة الإخوان المسلمين على هذين المستويين، خاصة مع وجودهم في المشهد المتعلق بالثورات العربية.
3- اللغة الاتهامية المتواصلة لهذا الفصيل الإسلامي، ابتداء بأن هؤلاء لا يصلحون للعمل الثوري بما ينتهجونه من طرق إصلاحية، وأنهم لم يبدأوا بالثورات ولكن لحقوا بها وهيمنوا عليها (ركبوها)، أو أن اشتراكهم في الثورات لم يكن هو العامل المؤثر أو الحاسم ورغم ذلك هم الذين جنوا ثمار هذه الثورات في المشهد السياسي. وقد وقف خلف هذه الاتهامات تيار "الدولتية" أو "الدولجية"، وهو ما أثر على رسم صورة للمجال السياسي، فأراد هؤلاء بشكل مبكر أن يعودوا مرة أخرى إلى السيرة الأولى في العمل السياسي من استبعاد الإخوان ومطالبتهم بالتنحي عن العمل في المجال السياسي، كما روّجوا اتهامات أخونة الدولة والسيطرة على مفاصلها، بالإضافة للاتهام بارتباط الإخوان بمشروعات خارجية غير معتبرة للدولة، وصولا للاتهام بالعمالة والخيانة للخارج.
4- بدا لهؤلاء "الدولتية" يمارسون اتفاقا مع السلطة المستبدة رغم أن خطابهم كان يبحث عن الديمقراطية (الباحث عن الديمقراطية لا يتحالف مع الاستبداد ضد الإسلاميين)، وفعلوا ذلك تحت دعوى أن الإسلاميين ليسوا ديمقراطيين فأدى بهم ذلك إلى الالتقاء مع المستبدين للوقوف معا في وجه الإسلاميين. كانت تلك المفارقة بحق هي أهم مسار مارسته تلك النخب، بحيث بدا لها تتحدث عن إطار متوهم لبناء دولة دينية، ولكنها أغفلت أن الدولة المدنية أيضا لا بد وأن تكون في مواجهة الطغمة العسكرية، وعسكرة المجتمع.
5- يتعلق بحقيقة جوهرية أن المضادين للثورة قاموا بكل ما من شأنه لقتل هبّات ونسمات التغيير التي تمثلت في الثورات العربية، وقامت بكل ما من شأنه إيقاف حركة التغيير والثورات، وهو أمر أدى في النهاية إلى تحويل فعل الثورات العربية إلى حالة مأزومة ودول فاشلة وتدويل لحالة هذه الدول لمعالجة أزماتها المستفحلة، ضمن ما أُسمي بالمبعوث الدولي الذي شهدت فيه كثير من دول الثورات العربية حروبا داخلية ليست هي الحروب الأهلية في توصيفها؛ لأنها بذلك مارست تلك الحروب الأهلية لإضفاء حالة من الفوضى وعدم الاستقرار وتدويل قضايا هذه الدول من أقرب طريق، بينما آثرت بالنسبة لثورة مثل مصر أن تحرك وتدعم انقلابا عسكريا يعود بالحال إلى ما قبل المربع الأول، وينتج نظاما عسكريا فاشيا لا يعسكر الدولة فحسب بل إنه يعسكر المجتمع بأسره، وربما بهذه الأوضاع فقد أحدثوا حالة يصفونها بالنجاح في وقف هذا المد التغييري، ويتفاخرون بأنهم أجهضوا هذه المحاولة التي تسمى بـ"الربيع العربي".
x.com/Saif_abdelfatah
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه إرهابية الثورة إرهاب ثورة اخوان اسلامي مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإخوان المسلمین الثورات العربیة الإسلام السیاسی هذه الظاهرة التعامل مع فی التعامل
إقرأ أيضاً:
دراز صاحب النبأ العظيم والظاهرة القرآنية لمالك بن نبي.. النهوض الراشد (10)
تتجاوز هذه الدراسة لمالك حول "الظاهرة القرآنية" كل الأهداف والغايات لتصل ذلك الناظم الذي يربط بين إثبات "عُلوية المصدر" من جهة وبين "تفعيل السنن" من جهة أخرى في واقعنا المعاصر، بما يخدم السيادة والتمكين للمسارات الحضارية. وقد درس ذلك على مستويات ومحاور عدة؛ أولها منهجية الظاهرة وكيفية نقل دراسة القرآن من الوعظ إلى التحليل الموضوعي المستقل عن الذات البشرية، وثانيها تفكيك مفهوم النبوة بين محمد الإنسان ومحمد الرسول والرسالة؛ وذلك بتحليل الحالة النفسية لمتلقي الوحي ﷺ لإثبات استقلال المصدر وعلوّيته، وثالثها القرآن كمركب حضاري ودور "الفكرة الدينية" في صهر الإنسان والتراب والوقت لإنتاج الفعل الحضاري، ورابعها تحطيم كل معاني التبعية والقابلية للاستعمار والكيفية التي يمنحها اليقين بالظاهرة القرآنية "حصانة نفسية" و"سيادة معرفية" ترفض التبعية، وأخيرا الإعجاز السنني الذي يحرك كل مسالك الانتقال من إعجاز البيان إلى إعجاز "الشهود" والقدرة على قيادة الواقع بـ"التي هي أقوم"؛ وذلك بربط مفاهيم الكتاب بالمختبرات، والمجالات المتنوعة، والميادين تحت شعار "العمران المسدد بالوحي.
لم تكن مقدمة دراز مجرد تقريظ أدبي، بل مثلت إضافة بنيوية وتشغيلية كبرى لكتاب مالك بن نبي من خلال ثلاثة وجوه رئيسة: شرعية أكاديمية أزهرية منحتْ دراسة مالك بن نبي (التي كُتبت بالفرنسية) صك الاعتماد المعرفي من أحد أكبر رموز التجديد الأزهري المتصل بالثقافة الغربية، مما جسّر عميقا لا زينة؛ الفجوة بين الفكر الحديث والعلوم التقليدية. صناعة "النموذج الحي للجدل"، إذ نبهت المقدمة الشباب المثقف إلى أن هذا الكتاب ليس "مخزنا للمعلومات"، بل هو "أداة مشحوذة بالفاعلية ومنهجية" لمحاربة اللامبالاة حول مسألة الحقيقة العلوية، كدافع للقارئ القراءة الحضارية للنصوص لابتكار أدواته الذاتية للإيمان. وأخيرا التنقية التاريخية الاستراتيجية والخروج من رد الفعل ومن مراوحة المكان التي تمثلت فيما أسماه عمر عبيد حسنة؛ التراجع الى مواقع الفكر الدفاعين إذ لم تحم مقدمة دراز أطروحة مالك بن نبي من الثغرات التي كان يمكن للمستشرقين النفاذ منها؛ فبتصحيحه قطع دراز الطريق على دعاوى التطور الداخلي للأفكار في وعي النبي ﷺ، مثبتا وبانيا لفكرة شديدة العمق والأهمية في النظر القرآني و"علوية واستقلال" الظاهرة القرآنية بصورة تاريخية لا تقبل الجدل.
إن التلاقي بين كتاب "النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز وكتاب "الظاهرة القرآنية" للمفكر مالك بن نبي؛ لا يقف عند حدود المعاصرة الزمنية أو التشابه الموضوعي، بل هو التقاءٌ يحكمه "أصول التعارف الحضاري"، ويُشكّل "رحما حضاريا متقيا" و"سندا معرفيا متصلا" لا انفصام له في عالم الفكر والنهوض. لقد جُمع هذان العلمان حَوْل "عقيدة دافعة كبرى" لإعادة الاعتبار للمصدر التأسيسي للأمة، ومواجهة "عقدة حضارية عظمى" تمثلت في التبعية الجافة والاستلاب المعرفي أمام المركزية الغربية والكيد الاستشراقي. ويمكن الوقوف على هذا الاقتران الحضاري المتكامل بين "النبأ العظيم" و"الظاهرة القرآنية" من خلال ثلاثة مفاصل تبرز عطاء القراءة الحضارية الجامعة، وتنظم بين ثلاثة مستويات من التلاقي الفكري والثقافي والحضاري ضمن رؤية توحيدية استخلافية عمرانية:
1- التلاقي الإبستمولوجي والمعرفي؛ الذي أشار وبعمق إلى موضوعية وعُلوية المصدر، والمرتكز الأول لهذا الرحم المشترك هو نقل البحث في النص القرآني من المساحات التقليدية الوعظية الساكنة إلى فضاء الاستقلال المعرفي المطلق وعلوية المرجعية. تعامل مالك بن نبي مع القرآن بوصفه ظاهرة موضوعية كونية مستقلة، وعبر تفكيكه العلمي والنفساني للحالة النبوية، برهن على أن ذات النبي ﷺ كانت مستقبِلة للنص ومفارقة له تماما، ولم تكن منشئة أو صانعة له. د. دراز (النبأ العظيم) دشن ذات الإطار المنهجي بمقاربة لغوية ونفسية صارمة؛ حيث فكك مصادر النص القرآني ليثبت بالبرهان العقلي والنقدي استحالة صدوره عن ذات محمد ﷺ (سواء من وعيه أو لاهوته الباطن) أو من أي مصدر بيئي أو كتابي معاصر له، مؤصلا لـيقين التلقي وبصيرة التدبر. هذا الالتقاء الرحمي تمثل في لقيا الكتابين في نزع صفة "البشرية" أو "الإنتاج البيئي" عن النص، صانعين بذلك "قوامة معرفية مستقلة" تحطم القابلية للاستعمار النفسي، وتجعل الوحي هو العيار الحاكم والوازن؛ على المناهج البشرية لا المحكوم بها.
2- التلاقي الوظيفي؛ إذ شكلت "الفكرة الدينية" مُحرّكا حركيا سياديا للمعرفة واليقين في هذين الكتابين، وهما ليسا ترفا أكاديميا جافا، بل هما طاقة مشحونة للتحريك والبناء. عند مالك بن نبي (الظاهرة): يعتبر القرآن هو "الطاقة الروحية" و"الفكرة الدينية" التي تعمل كـمُركّب أساسي يصهر عناصر الحضارة الصماء (الإنسان، والتراب، والنفس، والوقت) ليخرج المجتمع من شلله الاجتماعي إلى فاعلية التاريخ. عند د. دراز (النبأ العظيم): "النبأ العظيم" يهدف بالدرجة الأولى إلى "شحذ وإذكاء الطاقة الروحية والعملية" للقراء. فالنص هنا ليس مادة للحفظ والتبويب الشكلي، بل هو نموذج حي من نقاش جدلي مستمر يُوقظ العقول ويدفعها لتحمل أمانة المسؤولية. الالتقاء الرحمي: صهر الكتابان اليقين المصدري بالطاقة الحركية؛ فلم يعد القرآن بموجب هذا الاقتران نصا يُقرأ بركود، بل تحول إلى "محرك حركي سيادي" يُعيد بناء اللبنات الحضارية الإنسانية ويطلق عرق المكابدة والإنجاز في الميدان.
3- التلاقي التحصيني؛ تمثل في حراسة "السيادة اللغوية" وضوابط التدبر؛ اشترك الكتابان في وضع جهاز مناعة صارم لحماية عقل الأمة من التفتيت المنهجي ومقولات التبعية الوافدة. عند مالك بن نبي (الظاهرة): واجه بقراءته السننية الدهاء الاستعماري والميكيافيلية المعرفية للمستشرقين الذين أرادوا ليّ عنق الحقائق لتثبيت التفوق النفسي للغرب. عند د. دراز (النبأ العظيم): تخصص في فرض "الرقابة المعرفية" على العلوم والمناهج الوافدة، ووضع قواعد جليلة في كيفية مواجهة النص بروح فاحصة متيقظة لا منبهرة، مستخدما عبقرية اللسان العربي لإبطال سفسطة الطعن الصامت. الالتقاء الرحمي أثمر صياغة مفهوم "السيادة اللغوية والمعرفية" كجدار حامٍ للأمة؛ حيث يتلقى الكادر معطيات الواقع والمناهج الدولية المعاصرة بلسانٍ مبين وفصل خطاب مستقل، ممتثلا لبروتوكول "اعتبار الواقع لا تحكيمه" لحماية الثغور من الاختراق والتعمية.
هذه هي مصفوفة الاقتران الميثاقي وعمق الصحبة القرآنية (النبأ العظيم × الظاهرة القرآنية)؛ إذ شكّل البُعد المعرفي كتاب الظاهرة القرآنية (مالك بن نبي) وكتاب النبأ العظيم (د. محمد عبد الله دراز)، وقدّم كل منهما مخرجات الفاعلية والنهوض الراشد؛ في سياق الدافعية والتأسيس العقدي والتوحيدي في إثبات واستثمار استقلال المصدر كظاهرة موضوعية خارج الذات؛ وإثبات إطلاقيه النص ويقين مصدره بالبرهان اللغوي والنقدي. إن معاني السيادة المعرفية المطلقة والتحرر من صنم "الأمر الواقع" والتأسيس الاستخلافي والتربوي بتحطيم القابلية للاستعمار وشحن اللبنات الإنسانية بالفاعلية؛ هي التي تصنع عقولا متيقظة تمارس التفكير والتدبر الفردي المستقل، وتعمل على تطهير المسارات والمنصات من لوثة التبعية والمصطلحات المسمومة.
التأسيس العمراني والميداني يصهر عناصر الحضارة (إنسان + تراب + وقت) بالفكرة الدينية، وكذا التأسيس للنظرية المعيارية والأخلاقية الكلية الحاكمة على السلوك والعمل، عمران مسدد بالوحي وممارسات حضارية تدار بمصطلحات سيادية مستقلة. إن العهد المسؤول والالتقاء الحضاري المأمول يعبران بحق عن استقامة المصطلح التي تُعد استقامة للميدان، و"السيادة اللغوية" المنبثقة من هذا "الرحم الحضاري المتقي" و"السند المتصل"؛ بين النبأ العظيم والظاهرة القرآنية، فيشيدان الجدار الحامي الذي يضمن ألا يذوب عرق المكابدة في قوالب التبعية الجافة والالتفافية.
لقد أحكم الكاتبان الميثاق بـيقين الظاهرة، المُسُدّد بـبصيرة التدبر ورصانة البيان؛ كل لبنة تُوضع اليوم في صرح النهوض الراشد، وكل إجراء تمكيني، تربويا كان أو إعلاميا أو سياسيا، يجب أن يكون معبرا عن لغتنا وهويتنا وقوامتنا المعرفية المستقلة؛ وفق أصول القواعد والأنظمة المنهاجية الحاكمة.
هذا الاقتران الحضاري الجامع بين متني النبأ العظيم والظاهرة القرآنية، يشكل بحق سريان هذه السيادة لغة وممارسة وعمرانا في حركة الواقع المعاش. مالك ودراز جمعتهما الصحبة القرآنية؛ أصلا ووصلا؛ والنهوض الحضاري معنى ورشدا.
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.