احتضنت مقاطعة تيركيكا، إحدى مقاطعات الولاية الاستوائية الوسطى التي تضم مدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، والواقعة على بعد نحو 60 كيلومتر شمالها، مهرجان قبيلة المنداري السنوي، بوصفه أكبر حدث ثقافي منذ مطلع العام.

وقدمت التظاهرة لوحة جمالية زاهية بأزياء المنداري وطقوسهم الرعوية، إلى جانب مشاركات ثقافية من مختلف أنحاء البلاد، في احتفاء بالثراء والتنوع ورسالة لتعزيز السياحة التراثية وبعث الأمل.

المهرجان الثالث، الذي انطلقت فعالياته يوم السبت 16 يناير/كانون الثاني، استقطب حشودا غفيرة من مواطني دولة جنوب السودان من خارج جماعة المنداري الثقافية، إلى جانب مشاركة رسمية واسعة.

وتقدم الحضور حاكم الولاية الاستوائية الوسطى إيمانويل عادل، ونائبة رئيس الجمهورية وممثلة الرئيس سلفاكير ربيكا نياندينغ مبيور، ومبعوثة الرئيس للبرامج الخاصة أدوت سلفاكير، فضلا عن وزراء وأعضاء برلمان ودبلوماسيين.

كما غصت الساحة بآلاف الشباب الذين احتفوا بالثقافة على طريقة المنداري، بأزيائهم المزركشة وجلابيبهم المميزة، فتحول الاحتفال إلى فضاء نابض بالحياة.

تشكّل الأبقار محور الهوية المندارية، وتُعدّ رمزًا للصلابة والمعرفة التقليدية التي صمدت عبر أجيال

من هي قبيلة المنداري؟

المنداري جماعة نيلية تعيش في السهول الفيضية للنيل بجنوب السودان، وتشتهر بعلاقة متجذرة مع أبقارها الطويلة القرون، التي تمثل مصدر ثروتهم ومكانتهم وروحانيتهم.

وينتشرون بشكل أساسي في مقاطعتي تيركيكا وتالي بالولاية الاستوائية الوسطى، ويجاورون مجتمعات الدينكا بور في ولاية جونغلي وفي يرول التابعة لولاية البحيرات، حيث يتداخلون معهم في العديد من الممارسات الثقافية المرتبطة برعي الأبقار والصراع التقليدي.

تعتمد حياة المنداري على الرعي والتنقل داخل الأراضي الخصبة، وتبرز ممارساتهم اليومية استخدام رماد البراز كطارد للبعوض وواقٍ من الشمس، كما يتميزون بطقوس مثل الوشم والمصارعة التقليدية، إلى جانب رقصتهم الشهيرة والمميزة.

مهرجان المنداري ساحة تمتزج فيها الهويات المتباينة لجنوب السودان (الجزيرة)

وتشكل الأبقار محور الهوية المندارية، وتُعدّ رمزًا للصلابة والمعرفة التقليدية التي صمدت عبر أجيال رغم تحديات النزاعات الحديثة، ويعكس مهرجانهم السنوي هذا التراث العميق والارتباط الوثيق بالطبيعة.

إعلان

ويركز مهرجان المنداري الثقافي الثالث (2026) -الذي شهد مشاركات واسعة لفرق وجماعات ثقافية تمثل العديد من المجموعات الأخرى مثل فرقة مالي التراثية التي تعكس ثقافة مجموعة النوير، ومشاركة فرقة من مجتمع الشلك في أعالي النيل، والتبوسا من ولاية شرق الاستوائية، والعديد من الجماعات الأخرى- على تعزيز التعايش السلمي عبر نشر قيم السلام والوئام الاجتماعي بين المجتمعات المتنوعة في جنوب السودان.

كما يركّز المهرجان على الحفاظ على التراث من خلال الاحتفاء بالتقاليد الثقافية لقبيلة المنداري وحمايتها من الاندثار، وتأكيد أهميتها كمرجع للهوية الوطنية؛ وتحقيق التماسك الاجتماعي عبر توفير منصة للتفاهم المتبادل والترابط بين مكونات المجتمع، وتوظيف الثقافة كجسر يربط بين الأجيال والمجموعات المختلفة.

ويهدف المهرجان -الذي جاء تحت شعار "أكبر وأفضل.. تعالوا لنحتفل بثقافتنا الغنية، ونتواصل ونتعلم ونصنع السلام ونستمتع"- على تعزيز التعايش السلمي عبر نشر قيم السلام والوئام الاجتماعي بين المجتمعات المتنوعة في جنوب السودان؛ والحفاظ على التراث من خلال الاحتفاء بالتقاليد الثقافية لقبيلة المنداري وحمايتها من الاندثار، وتأكيد أهميتها كمرجع للهوية الوطنية؛ وتحقيق التماسك الاجتماعي عبر توفير منصة للتفاهم المتبادل والترابط بين مكونات المجتمع، وتوظيف الثقافة كجسر يربط بين الأجيال والمجموعات المختلفة.

يمثل مهرجان المنداري نافذة أمل جديدة لتجاوز حدة الانقسامات والصراعات القبلية وموجة الاقتتال الطائفي في جنوب السودان

من جهته، قال الرئيس سلفاكير ميارديت، في كلمة أُلقيت نيابة عنه بواسطة ربيكا نياندينغ دي مبيور، إن مهرجان المنداري "تجسيد للهوية الوطنية" في جنوب السودان، ودعوة واضحة لتعزيز الوحدة والتعايش السلمي بين جميع المكونات.

وأضاف أن الثقافة ليست مجرد تراث، بل "وسيلة لبناء السلام" وإعادة التواصل بين المجتمعات، مشددًا على ضرورة دعم الفعاليات الثقافية كأداة لنبذ العنف وترسيخ قيم الاحترام والتفاهم.

لحظة وصول نائبة الرئيس ربيكا نياندينق (يمين) ممثلة لرئيس الجمهورية في المهرجان (الجزيرة)

وتخللت فعاليات المهرجان عروض فنية ورقصات للمجموعات المختلفة المشاركة، حتى تحولت الساحة إلى رقصة كبيرة صاخبة تعبّر عن نبض الجنوب السوداني وتنوعه.

كما ضمت الفعالية عرضًا لنماذج من التراث المادي للمنداري، لا سيما الأطعمة التقليدية والألبان وطرق إعدادها، في حين استمتع الحاضرون بوجبة من الأسماك التي تُجلب مباشرة من النهر المتاخم للمكان، حيث يقام المهرجان على ضفاف بحر الجبل.

وأشارت وزيرة الثقافة نادية أروب، في كلمتها أمام فعاليات المهرجان، إلى أن الثقافة تشكّل "جسرًا للوحدة" في جنوب السودان، مشددة على دورها في دعم التعايش السلمي بين المجموعات المتنوعة.

وأوضحت أن الاحتفاء بالتراث يعزز الاحترام المتبادل ويعيد بناء الروح الوطنية، معتبرة المهرجان منصة للتواصل وتبادل الخبرات والتأكيد على الهوية المشتركة.

ويقول سايمون أتير، وهو كاتب صحفي مهتم بالشأن الثقافي في جنوب السودان، للجزيرة نت "ليس مهرجان المنداري الثقافي في نسخته الثالثة فعالية عابرة في روزنامة الاحتفالات الشعبية الوطنية؛ إنه احتفاء عميق بالهوية، إن ما يحدث هنا ليس مجرد تجمع لرقصات وأزياء، بل هو استحضار لزمنٍ طويل من الحياة الرعوية، وإعادة ترتيب لرموز تُعدّ حجر الأساس في فهم الذات الجماعية، وفي تعريف العالم بمن نحن وكيف نعيش".

مشاركة فرقة من مجموعة الشلك في مهرجان المنداري (الجزيرة)

ويضيف أتير "بجانب الأهمية، يعتبر المهرجان مساحة نادرة للتعارف وتلاقح الثقافات، حيث يلتقي المختلفون لا على أساس السياسة أو المصالح، بل عبر الإيقاع، واللون، والحكاية، هنا تبرز الثقافة كأداة سلام ناعمة، تُرسخ فكرة الوحدة وتفتح نوافذ لقبول الآخر، في زمن تشتد فيه الانقسامات، يصبح هذا النوع من اللقاءات مهم ليس كترفيه فحسب، بل كخطوة عملية نحو بناء مجتمع أكثر تقارب، حيث يتعلم الناس أن التعددية ليست تناقض، بل غنى يمكن أن يتحول إلى قوة".

إعلان

ويمثل مهرجان المنداري نافذة أمل جديدة لتجاوز حدة الانقسامات والصراعات القبلية وموجة الاقتتال الطائفي في جنوب السودان، إذ يثبت أن الثقافة قادرة على فتح مساحات للتقارب والعيش المشترك.

وإلى جانب مهرجان الفجولو الثقافي ومهرجان أورباب ومهرجان ديرك، يشكل هذا الحدث شبكة من الفعاليات التي تعيد رسم أفق السلام والوحدة والمصالحة، وتؤكد أن الطريق إلى التعايش يبدأ من احترام التنوع والاحتفاء بالتراث كجسر يربط بين الجميع.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی جنوب السودان التعایش السلمی إلى جانب

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • إعادة النظر.. العليا للمهرجانات: لم يصدر قرار رسمي بإيقاف التصريح للدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل
  • شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص
  • التفاصيل الكاملة لأزمة عدم التصريح بإقامة الدورة 42 من مهرجان الإسكندرية
  • انطلاق فعاليات مهرجان الكرازة المرقسية 2026 بإيبارشية مطروح والخمس مدن الغربية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • فريق طبي بمستشفى بنها الجامعي ينجح في استخراج قطعة خشبية من وجه مريض وإنقاذ العصب السابع
  • مهارة تُنقذ حياة.. قلب جامعة قناة السويس ينجح في تدخل قسطري بالغ الدقة لإنقاذ مسنة