في تجربة فنية تستثمر الذاكرة والعمل الميداني في بناء مادتها البصرية أفتتح في صالة ستال للفنون مساء أمس معرض "علامات صامتة من عُمان"، الذي تقدّمه الفنانة الإيرانية مرجان حبيبيان ضمن مشروع بصري يستعيد المسار الإنساني والمهني الذي ارتبط على نحو وثيق بجبال سلطنة عُمان حيث ينطلق المعرض من سيرة زوجها الراحل "راينهارد سيجل" المغامر النمساوي الذي عاش لأكثر من خمسة وعشرين عاما في البيئة الجبلية العُمانية، وكرّس جزءا كبيرا من حياته للعمل في استكشاف المسارات الطبيعية وتعليم رياضة المشي الجبلي، وترسيم الطرق الوعرة بأسلوب منهجي أسهم في جعلها أكثر وضوحا وأمانا لممارسي هذا النشاط، ولم تكن هذه الجهود منفصلة عن المجتمع العماني إذ اعتمدت على معرفة أهالي القرى الجبلية، وعلى خبراتهم المتوارثة في التعامل مع التضاريس الأمر الذي أوجد نموذجا تشاركيا في فهم المكان والتعامل معه.

ويقدّم المعرض الممتد على مدى أسبوعين مجموعة تضم أكثر من عشرين عملا فنيا تتوزّع بين لوحات وصور وأعمال تركيبية ومواد توثيقية، تُعيد قراءة البيئة العُمانية كفضاء مركّب لا يقتصر حضوره على المشهد الطبيعي وحده، ففي هذه الأعمال تظهر الجبال والأودية والكهوف والمسارات القديمة طبقات متراكمة من التاريخ والذاكرة، ارتبطت بحركة الإنسان وتنقّلاته وأساليب عيشه وتكيّفه مع الطبيعة عبر الزمن، وتستند الأعمال المعروضة إلى تجربة ميدانية طويلة في الجبال والمسارات الوعرة، حيث تتحوّل تفاصيل العمل اليومي، من أدوات الترسيم والإرشاد إلى العلامات البصرية، والمواد المستخدمة في الطبيعة إلى عناصر فنية تحمل دلالات تتجاوز وظيفتها المباشرة، وتُعيد الفنانة توظيف هذه العناصر داخل الفضاء الفني لتصبح رموزا للجهد الإنساني والزمن والمسؤولية تجاه المكان، ومن خلال هذا الاشتغال تتضح عُمان في المعرض كجغرافيا حيّة تتنوّع طبوغرافيا وتحتفظ في الوقت ذاته بذاكرة اجتماعية وثقافية تشكّلت عبر علاقة طويلة بين الإنسان والبيئة، فالطبيعة هنا طرف فاعل في صياغة الهوية المحلية وفي تشكيل أنماط الحركة والعمل والتواصل.

ويبرز في المعرض مفهوم العناية بالمكان باعتباره قيمة ثقافية، حيث تتحوّل ممارسات مثل ترسيم المسارات الجبلية وصيانتها إلى فعل اجتماعي يحمل بعدا معرفيا وأخلاقيا. وتُقرأ هذه الممارسات، التي أسهمت في تشكيل تاريخ حديث لسياحة الجبال في عُمان، قراءة فنية تؤكد أن فكرة الاستدامة نابعة من علاقة قديمة ومتجذّرة بين الإنسان والأرض، وليست مفهوما طارئا أو مستوردا.

وعلى الصعيد الفني يتّسم المشروع بتعدّد وسائطه وتنوّع لغاته البصرية، إذ تتجاور اللوحات والرسم والأعمال المطبوعة مع الأعمال التركيبية والمواد التوثيقية، في سياق يدمج بين الفن المعاصر والوثيقة البصرية، ويقدم هذا التداخل مساحة حوار بين الجمالي والوظيفي، وبين الواقعي والتجريدي، بحيث يمنح الأعمال قدرة على نقل التجربة الحسية للمكان دون الاكتفاء بتصويره أو تمثيله، كما يحضر البعد الثقافي والاجتماعي من خلال إشارات واضحة إلى الرموز المحلية والحيوانات البرية، وأنماط العيش المرتبطة بالبيئة الجبلية، لتنعكس في الأعمال قيم راسخة في المجتمع العُماني، مثل الاحترام العميق للطبيعة وروح الضيافة والعمل الجماعي والتكافل، وتظهر هذه القيم بهدوء عبر التفاصيل البصرية الدقيقة وعبر الإيقاع المتأمّل الذي يحكم العلاقة مع المكان، ولا يغفل المعرض الجانب الإنساني الوجودي، إذ تتناول بعض الأعمال ثيمات الزمن والفقد وحدود الحياة والموت في مقاربة توازن بين التوثيق والتأمّل، ويطرح هذا البعد في التجربة أسئلة إنسانية كونية تتصل بالعلاقة بين الجسد والطبيعة، وبالذاكرة كأثر صامد يتشكّل عبر الزمن.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • علامات تدل على وجود عطل بمحرك السيارة ؟
  • وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر
  • الكولاجين الطبيعي.. أطعمة تعيد شباب البشرة وتبطئ علامات التقدم في العمر
  • جهات التحقيق تستمع لأقوال صبري نخنوخ وشقيقه في اتهامهما بمشاجرة القاهرة الجديدة
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة للأمم المتحدة الآن أكثر من أي وقت مضى
  • حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام
  • علامات في رسومات طفلك قد تكشف ما يشعر به.. رسائل صامتة يتركها على الورق
  • بسبب توثيق الزواج.. إصابة فتاه بجروح متفرقة إثر اعتداء زوجها وأسرته بشبرا الخيمة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟