حين يُسرق انتباهنا بصمت
تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT
فايزة سويلم الكلبانية
faizaalkalbani1@gmail.com
يُعدّ محور التَّواصل الاجتماعي والتشتت الذهني أحد أبرز المحاور التي أتطرق إليها في رسالتي البحثية للدكتوراه، ضمن دراسة أوسع تناقش تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في تشكيل الرأي العام، (رؤية عُمان 2040 نموذجًا)، فهذا التأثير لم يعد محصورًا في نقل المعلومة أو صناعة التوجهات، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الوعي الفردي، والتحكم في الانتباه، وإعادة برمجة العقول بآليات خفية تقودها الخوارزميات.
في إحدى المرات، دخل أحدهم إلى تطبيق من تطبيقات التواصل الاجتماعي "لدقائق قليلة" قبل النوم، لم يكن يبحث عن شيء مُحدد، ولم يكن يحمل نية واضحة، تمرير سريع، ثم مقطع، ثم آخر، ثم إشعار، ثم نقاش افتراضي، وعندما رفع رأسه، كانت الساعات قد انقضت، وموعد النوم فات، والتركيز تلاشى، والذهن أُنهك دون أي إنجاز حقيقي. هذه ليست حالة فردية، بل نموذج يومي يتكرر مع ملايين المستخدمين حول العالم، فالدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم لا يتطلب قرارًا واعيًا، بل يكفي أن تفتح التطبيق لتجد نفسك غارقًا فيه، تُقلب المحتوى بلا شعور، ويُسرق الوقت دون إدراك.
منصات مثل فيسبوك، إنستجرام، تيك توك، سناب شات، إكس، يوتيوب، ريديت وغيرها، لم تُصمَّم لتكون مُحايدة، بل بُنيت على خوارزميات ذكية هدفها إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل المنصة، عبر محتوى مُتدفِّق، مُحفِّز، وسريع الإيقاع. هذه البيئة الرقمية، وإنْ كانت قد فتحت أبوابًا واسعة للربح، وصناعة المحتوى، والتسويق، والدخل المشروع لمن يستخدمها بوعي واتزان، إلّا أنها في المقابل خلقت حالة عامة من التشتت الذهني والإدمان السلوكي لدى فئات واسعة من المجتمع.
الأخطر من ذلك ما يحدث على مستوى الأطفال وصغار السن، فبدافع التدليل أو بدافع "مجاراة العصر"، يُغرق بعض أولياء الأمور أبناءهم بهواتف ذكية عالية القيمة، وتطبيقات مفتوحة بلا ضوابط، في عُمر لم تتشكل فيه بعد منظومة القيم ولا مهارات التركيز ولا الانتماء المجتمعي. فيكبر الطفل وهو مبرمج رقميًا، مرتبط بالألعاب والمنصات، ضعيف الاندماج الاجتماعي، قليل الصبر، سريع التشتت، وتحت سيطرة محتوى لا يُراعي نموه النفسي أو الأخلاقي، وقد أدى هذا الواقع في بعض الحالات إلى سلوكيات خطرة، بل وجرائم ارتُكبت في ظل فقدان التركيز والوعي، وتأثر مباشر بمحتوى رقمي عنيف أو محرض.
إدراكًا لهذه المخاطر، اتجهت بعض الدول إلى التقنين، فقد دخل قانون تعديل السلامة على الإنترنت الذي أقرته الحكومة الأسترالية حيّز التنفيذ مع نهاية العام المنصرم، وشمل منصات تواصل اجتماعي كبرى من بينها "ريديت"، و"إكس"، و"إنستجرام" التابعة لشركة "ميتا"، و"يوتيوب" التابعة لـ"ألفابت"، و"تيك توك" المملوكة لـ"بايت دانس"، وأُلزمت هذه المنصات بتطبيق آليات صارمة للتحقق من العمر، بما يمنع من هم دون 16 عامًا من إنشاء حسابات، مع فرض غرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على الشركات المخالفة.
إنَّ التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في رفض وسائل التواصل الاجتماعي أو محاربتها، بل في إعادة ضبط علاقتنا بها، وتعزيز الوعي الرقمي، وبناء استخدام متزن يضع الإنسان في موقع السيطرة لا التلقي؛ فالتواصل الاجتماعي أداة، والذكاء الاصطناعي وسيلة، أما العقل البشري فيجب أن يبقى هو القائد لا الضحية.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
ثغرة خطيرة في ذكاء ميتا الاصطناعي.. قراصنة يخترقون حسابات إنستجرام
في تطور جديد يسلط الضوء على المخاطر الأمنية المرتبطة بالاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، واجهت شركة ميتا أزمة أمنية بعد اكتشاف ثغرة خطيرة في روبوت الدعم الفني المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والذي أتاح لقراصنة الإنترنت السيطرة على عدد من حسابات إنستجرام، حتى تلك المحمية بخاصية التحقق الثنائي.
وكانت ميتا قد أطلقت الأداة الجديدة في نهاية عام 2025 بهدف تسهيل وتسريع عمليات استعادة الحسابات المغلقة أو التي فقد أصحابها إمكانية الوصول إليها. إلا أن ما صُمم لتبسيط تجربة المستخدم تحول إلى نقطة ضعف استغلها المهاجمون الإلكترونيون للوصول إلى حسابات الضحايا.
وكشفت تقارير أمنية أن مجموعة من الباحثين المتخصصين في الأمن السيبراني رصدوا خلال الأيام الماضية انتشار معلومات تفصيلية على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، توضح كيفية استغلال الثغرة. كما تم تداول لقطات شاشة ومقاطع فيديو توثق عمليات الاستيلاء على الحسابات بشكل مباشر.
وبحسب المعلومات المتداولة، تمكن القراصنة من استخدام روبوت الدعم الذكي لإجراء تعديلات على البريد الإلكتروني المرتبط بالحساب المستهدف، ثم طلب إعادة تعيين كلمة المرور، ما منحهم السيطرة الكاملة على الحساب خلال دقائق معدودة.
الأكثر إثارة للقلق أن عملية الاختراق لم تكن تتطلب تجاوز أنظمة الحماية التقليدية أو كسر التحقق الثنائي، إذ اعتمدت على استغلال آلية التحقق التي يستخدمها النظام نفسه للتأكد من هوية المستخدمين.
وأوضحت التقارير أن المهاجمين استخدموا شبكات افتراضية خاصة (VPN) لإظهار مواقعهم الجغرافية وكأنها تتطابق مع الموقع المعتاد لصاحب الحساب المستهدف. ويبدو أن نظام الدعم الذكي كان يمنح مستوى أعلى من الثقة للمستخدمين الذين يظهرون من مواقع جغرافية مألوفة، وهو ما فتح الباب أمام استغلال هذه الميزة الأمنية ضد المستخدمين أنفسهم.
وفي أول تعليق رسمي على الأزمة، أكدت ميتا أنها نجحت في معالجة المشكلة وإغلاق الثغرة الأمنية. كما أشارت إلى أنها تعمل على تأمين الحسابات التي تأثرت بالاختراقات وإعادة السيطرة عليها لأصحابها الشرعيين.
ورغم إعلان الشركة عن إصلاح الخلل، فإنها لم تكشف حتى الآن عن عدد الحسابات التي تعرضت للاختراق أو حجم الأضرار الناتجة عن الحادث. وتشير بعض المعلومات إلى أن الثغرة كانت متداولة بين مجموعات القرصنة الإلكترونية منذ شهر مارس الماضي قبل أن يتم اكتشافها على نطاق واسع.
وتزامنت الواقعة مع موجة من عمليات اختراق الحسابات البارزة على منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة، حيث تعرضت حسابات تابعة لشخصيات ومؤسسات معروفة للاختراق ونشر محتوى غير مصرح به. كما طالت الهجمات حسابات لمؤسسات تجارية وشخصيات عامة، ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى موثوقية الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات الحساسة.
ويرى خبراء الأمن السيبراني أن الحادث يمثل مثالًا واضحًا على التحديات الأمنية الجديدة التي تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة عندما يتم منحها صلاحيات واسعة للتعامل مع بيانات المستخدمين أو تنفيذ إجراءات حساسة مثل استعادة الحسابات وتغيير بيانات الدخول.
كما يؤكد الخبراء أن الشركات التقنية الكبرى مطالبة بإجراء اختبارات أمنية أكثر صرامة قبل إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، خصوصًا تلك التي تتعامل مع بيانات الهوية الرقمية للمستخدمين. فكلما ازدادت قدرات هذه الأنظمة، ارتفع معها مستوى المخاطر المحتملة إذا لم تُصمم وفق معايير أمنية مشددة.
وتعيد هذه الواقعة التذكير بأهمية اتباع المستخدمين لإجراءات الحماية الرقمية المتقدمة، وعدم الاكتفاء بخاصية التحقق الثنائي وحدها، مع ضرورة متابعة إشعارات تسجيل الدخول وتغيير كلمات المرور بشكل دوري، تحسبًا لأي محاولات اختراق مستقبلية.
وتؤكد أزمة ميتا الأخيرة أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يوفره من مزايا كبيرة في تحسين الخدمات الرقمية، قد يتحول إلى مصدر تهديد إذا لم تتم إدارة مخاطره الأمنية بالشكل المناسب، وهو ما يفرض تحديات متزايدة على شركات التكنولوجيا في السنوات المقبلة.