#سواليف

#نظام_تنظيم_الإعلام_الرقمي عودة للشمولية و #انتكاسة_للحريات
بقلم: د. #رلى_الحروب
أمين عام حزب العمال

مقدمة
تأتي مسودة نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 في سياق عالمي يتجه نحو توسيع الفضاء الرقمي بوصفه مجالاً أصيلاً لممارسة الحقوق والحريات، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير. غير أن هذه المسودة، بصيغتها الحالية، تمثل انتكاسة تشريعية خطيرة تمس جوهر الحرية الرقمية، وتتعارض مع الدستور الأردني، ومبادئ دولة القانون، والمعايير الدولية الناظمة لحرية التعبير ومنظومة التحديث السياسي التي أمر بها جلالة الملك.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم قراءة نقدية قانونية سريعة تُبيّن أوجه الخلل الدستوري والقانوني في النظام المقترح، وخطورته على الحقوق والحريات، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى صورة الأردن كدولة تسعى للانخراط في الاقتصاد الرقمي العالمي.

أولاً: تقييد الحرية الرقمية وحرية التعبير خلافاً للدستور
حرية التعبير مكفولة دستورياً، وتشمل التعبير بكافة الوسائل، بما فيها الوسائل الرقمية الحديثة. وأي قيد يمس جوهر هذا الحق لا يجوز أن يصدر إلا بقانون بحسب المادة 15 من الدستور، وبالقدر الضروري، وبما لا يُفرغه من مضمونه بحسب المادة 128 من الدستور.

مقالات ذات صلة محمود العارضة.. من سجن جلبوع إلى عشّ الزوجية 2026/01/21

مسودة النظام التي وضعتها هيئة الإعلام ورفعتها إلى مجلس الوزراء لإقرارها:
• تُخضع التعبير الرقمي لترخيص أو اعتماد مسبق، وتحوّل الحق الدستوري إلى نشاط إداري مشروط، وتنقل منطق الرقابة اللاحقة إلى رقابة سابقة.

وهذا يشكل مخالفة صريحة لمبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية، ومخالف للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ومجمل الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

ثانياً: الخلط غير المشروع بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي
المسودة تضع المواطن الفرد، وصانع المحتوى الشخصي، والمدوّن، في السلة ذاتها مع الشركات الإعلامية والمنصات التجارية.
هذا الخلط بين الشخص الطبيعي والمعنوي:
• يتجاهل اختلاف المراكز القانونية.
• يهدر مبدأ التناسب.
• يفرض أعباء تنظيمية غير مبررة على الأفراد.
في النظم الديمقراطية، يخضع التنظيم المهني والاقتصادي للشركات والمنصات، لا للأفراد بوصفهم أصحاب حق أصيل في التعبير كفلته لهم الدساتير والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

ثالثاً: معيار “الاحتراف” معيار مطاطي يفتح باب التعسف
اعتماد معيار “الدخل” أو “الاستمرارية” لاعتبار النشاط احترافياً:
• معيار فضفاض يمكن تفسيره والتوسع فيه بناء على مزاجية المسؤول وهو ما يخالف قواعد صياغة القاعدة التشريعية المحكمة
• لا يضع حداً أدنى للدخل كي يكون النشاط احترافيا، وبذلك يتساوى من يجني بضعة دولارات مع من يجني الالوف! بل إنه يمكن أن ينطبق على من يجني مبالغ رمزية أو عرضية.
الأخطر أن النظام يمنح الإدارة ( أي هيئة الإعلام) صلاحية استحداث معايير إضافية دون ضوابط، وهو تفويض تشريعي مقنّع يخل بمبدأ الشرعية.

رابعاً: جباية رسوم دون سند دستوري ودون مقابل خدمي
فرض رسوم على صناع المحتوى يثير إشكالات قانونية وأخلاقية ومهنية عدة ومنها:
• أنه مخالف للمادة 111 من الدستور الاردني التي تنص على أنه لا تفرض ضريبة أو رسم إلا بقانون، والنظام ليس قانونا، فالقانون يصدر عن مجلس الامة ويصادق عليه الملك، وليس هناك صلاحية لأي نظام بفرض رسم دون تفويض من السلطة الشرعية سلطة التشريع ممثلة إرادة الأمة، ومنح نظام صادر عن مجلس الوزراء وليس عن سلطة التشريع صلاحية تحديد المراكز القانونية للافراد هو مخالفة دستورية بينة جديرة وحدها برد هذا النظام.

علاوة على ذلك، فإن هذه الرسوم التي يسعى النظام الى فرضها دون سند دستوري، تشبه الى حد كبير الإتاوة غير المستحقة، فهي لا تستند الى وجود أي خدمة عامة تقدمها لهم هيئة الإعلام أو الدولة الاردنية تستحق ان تجبي مقابلها رسوما وبدلات خدمة، لا سيما وأن منصات السوشيال ميديا هي عالمية ومنشؤها خارج الاردن، وخدمة الانترنت تقدمها شركات خاصة يدفع الافراد والشركات مقابلا لها نظير تزويدهم بهذه الخدمة، فما هو المبرر الذي تستند اليه الهيئة في فرض هذه الرسوم الجبائية؟!!
• كما أن هذه الرسوم تأتي دون توفير أي حماية قانونية إضافية، فحتى البطاقات المراد اصدارها لهم لا تمنحهم اي حق، وهذا الترخيص او الاعتماد الذي سيصدر لهم من الهيئة لا يمنحهم حق الانضمام الى نقابة الصحافيين.
• فوق ذلك كله فإن هذه الرسوم تصدر على الرغم من أن هيئة الإعلام لا تقدم أي بنية تحتية أو دعم تقني لهم، وبالتالي فإن المبرر الشرعي والاخلاقي لفرض الرسوم يضحي لا وجود له. مرة اخرى تحاول هيئة الإعلام تحويل ممارسة الحرية الدستورية إلى مصدر جباية، وتُفرغ الرسوم من طبيعتها القانونية.

خامساً: سلطة سحب الترخيص… اعتداء على الحرية وعلى القضاء
منح هيئة الإعلام صلاحية إلغاء الترخيص أو الاعتماد، وإغلاق النشاط، ومصادرة الأدوات،
يعني عملياً:
• منع أشخاص طبيعيين من استخدام الإنترنت ووسائل التواصل للتعبير عن آرائهم، وحرمانهم من فضاء عالمي مشترك لا تملكه الدولة ولا تمنحه.
وهذا أمر يمس جوهر الحق لا تنظيمه، ويشكل جزاءً مانعاً لممارسة الحق، ويعتدي على الاختصاص الأصيل للقضاء الأردني، بوصفه الجهة الوحيدة المخولة بتقييد الحقوق والحريات والفصل في النزاعات.

كما أن النظام وضع في يد الإدارة سلطات وصلاحيات متضاربة لا تبيح مبادئ العدالة المتفق عليها عالميا الجمع بينها وهي: الخصومة و التقدير و العقوبة و التنفيذ
في خرق واضح لمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ القاضي الطبيعي الذي تنص عليه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ المحاكمة العادلة.

سادسا: التوسع في منح صلاحية الضابطة العدلية
من الملاحظ ان السنوات الخمسة عشرة الأخيرة حملت توجها خطيرا بمنح صلاحية الضابطة العدلية لجهات حكومية وغير حكومية بشكل يخالف جوهر القانون وروحه، فهذه الصلاحية لا ينبغي التوسع فيها دون حكمة أو انضباط، ولا يجوز أن تعطى لعشرات الجهات، كما هو الحال الان مع مجمل التشريعات التي صدرت في السنوات الاخيرة.
هذا النظام يقع ضمن هذا التوجه الخطير، فيمنح موظفي هيئة الإعلام صلاحية الضابطة العدلية بشكل مقلق، ويمنحهم صلاحية مصادرة الأدوات لأفراد عاديين وليس فقط لشركات او منصات في مشهد يعيد الى الأذهان صورة محاكم التفتيش الأسبانية في القرون الوسطى.

سابعاً: مخالفة صريحة للمعايير والاتفاقيات الدولية
مسودة النظام هذه تتعارض مع:
• الحماية الدولية لحرية التعبير الرقمية، ومبدأ عدم إخضاع المدونين وصناع المحتوى الأفراد لأنظمة ترخيص أو تسجيل عام، والاتجاه العالمي نحو تنظيم المنصات لا الأفراد.
وهي بذلك تضع الأردن في مسار تشريعي مناقض للتجربة الديمقراطية المقارنة.

وأخيرا، فإن مسودة نظام تنظيم الإعلام الرقمي، بصيغتها الحالية:
• غير دستورية في جوهرها.
• تمثل تغوّلاً تنفيذياً على الحقوق والحريات.
• تُقيد الفضاء الرقمي بدل تنظيمه.
• وتُعيد إنتاج منطق الرقابة الشمولية بأدوات رقمية.

وعليه، فإننا ندعو مجلس الوزراء الموقر إلى الإيعاز بإعادة هذه المسودة إلى هيئة الإعلام، وفتح نقاش وطني واسع حولها، احتراما للدستور الاردني وحريات المواطنين التي باتت تتقلص وتتقلص حتى بتنا نبحث عنها بالمجهر فلا نجدها.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: سواليف الحقوق والحریات هیئة الإعلام هذه الرسوم

إقرأ أيضاً:

تحولات الشهرة في العصر الرقمي

 

د. هبة العطار

مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.

في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.

منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!

لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.

لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.

وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.

ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.

غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.

هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.

وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.

ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.

إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • لتجنب زيادة الوزن .. دراسة تكشف أفضل نظام غذائي للنساء خلال انقطاع الطمث
  • «الديهي»: ما قاله زياد العليمي يخرج عن حرية التعبير ويُهدّد مؤسسات الدولة | فيديو
  • مصر عاصمة التعهيد الرقمي
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • السياحة تناقش تنظيم سلسلة من المعارض الأثرية بعدد من المدن الأوروبية والأمريكية والآسيوية
  • حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام
  • 3 آلاف طلقة بالدقيقة.. “غاتريكس” مسيّرة تركية تصطاد الدرونات الانتحارية
  • عاجل| هيئة الإعلام تعمم قرار حظر النشر في قضية مطلق النار بالأشرفية
  • «نتنياهو»: نظام إيران يتصدع ولن يعود كما كان
  • البحرين تبدأ التحقيق مع تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني