سواليف:
2026-06-03@03:16:00 GMT

وراء الحدث

تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT

#وراء_الحدث

د. #هاشم_غرايبه

اذا تجاوزنا المقولات التي يروجها أيتام النظام الأسدي البائد، باتهامهم للنظام الحالي بالعمالة للاستعمار، والتي ليس عندهم أي دليل عليها، وانما هم يخرصون، فما يتم حاليا في شمال وشرق سوريا هو باتجاه وحدة البلاد وتأمين خروجها من حالة الضياع التي مرت بها خلال نصف القرن المنصرم.


لقد تمكن الشيطان الأكبر ومخلبه القذر (الكيان اللقيط) من فرض الشرذمة وتقويض النسيج الاجتماعي السوري، الذي ظل متماسكا طوال التاريخ، وحالة سائدة لبلاد الشام والعراق، فرغم التعددية والتنوع القومي والديني، فلم تشهد هذه البلاد أي انتقاص من حقوق أي مكوّن، بل احترمت الغالبية العربية المسلمة حقوق الأقليات، ولم تطلب من أي منها التخلي عن خصوصياتها الثقافية كشرط للقبول بمواطنتها (كما تفعل الشعوب الأوروبية)، فظل الوئام المجتمعي قائما، والتعايش السلمي سمة سائدة فيها.
بدأ الخلل عندما لجأ النظام الأسدي الى الاستعانة بالأقلية العلوية لترسيخ حكمه، ففتح الباب للمستعمر الغربي، الذي يعلم أن خير وسيلة لإضعاف سوريا هو الايقاع بين مختلف المكونات، بدعم الأصوات الانفصالية، فكانت البداية بالمكون المسيحي بمحاولة احياء القومية السريانية التي قاربت على الانقراض، وعندما هب الشعب في ثورته، شجع الأقليات على انتهاز فرصة ضعف النظام بالمطالبة بمكاسب فئوية مقابل وقوفها مع النظام، ثم انتهزأكراد سوريا الحالة لمحاولة الانفصال مثلما فعل أكراد العراق قبلا وبتشجيع ودعم من أمريكا منتهزين فرصة العدوان عليه، وانكشف هذا الدور الخياني من قيادات الأكراد للوطن والأمة، عندما ظهر التنسيق والتعاون مع الكيان الصهيوني جليا في اقليم كردستان الوليد.
من قبل أن تنتصر الثورة السورية ومن بعد نجاحها، لم تتوقف محاولات تشجيع الانتهازيين طلاب الزعامة من الأقليات على الانفصال، فتلك أفضل طريقة لمنع نهضة سوريا وعودتها ركنا منيعا من أركان الأمة، فقامت أمريكا بتسليح وتمويل جيش من المرتزقة تحت قيادة كردية، أسمته قوات سوريا الديمقراطية، استغلته في البداية لمناوأة تمدد تنظيم الدولة الاسلامية في منطقة الجزيرة، والطريف أنها ترعى الطرفين، ولكن لكل دور مختلف، إنما في المحصلة فقد ضمن لها ذلك السيطرة على آبار النفط ونقله.
كان أول اجراء للشيطان ومخلبه القذر بعد نجاح الثوار بالاطاحة ببشار، أن قاموا بمهاجمة وتدمير كل الأسلحة النوعية وأماكن البحث والتطوير(والتي قيل أن بشار زودهم بمواقعها كصفقة لتسهيل خروجه الآمن الى روسيا)، وذلك بهدف إعاقة إعادة النظام الجديد بناء قوة سوريا، مما اضطر هذا النظام الى الحذر الشديد في اظهار نواياه، واللجوء الى أسلوب أردوغان المراوغ، بإعلان التزامه بالعلمانية لإخفاء نواياه الاسلامية، لكسب الوقت الى حين بناء أسس القوة العسكرية التي تضمن استقلاله، وبصمت وبلا ضجيج اعلامي.
لم ينجحوا باقناع السريان ولا الأرمن بالانفصال، فهؤلاء لا يمكنهم تشكيل كيان سياسي، إذ أن نسبتهم مجتمعين في سوريا لا تصل الى 1 %، لكنهم تمكنوا من اختراق احد زعماء الدروز (حكمت الهجري)، الذي أعلن سريعا عن ارتباطه مع الكيان اللقيط، ويسعى حاليا الى جني المكاسب الفئوية، مما جعل بعضا من الانتهازيين من طائفته يطالبون بالانفصال والارتباط باكيان اللقيط.
ما يطمئن هو التعامل الحكيم الذي يصبغ سياسات حكومة الشرع، ويتجلى ذلك بمحاولة استيعاب كل هذه المحاولات بالتفاوض، مع الإعداد والتهيئة للاجراءات الحازمة العسكرية ان لزم الأمر، ولأن هؤلاء الانفصاليين يعلمون قدرات قوات الشرع، المتمرسة بحروب العصابات، فهم يعملون ألف حساب للمجابهة العسكرية، فالجيش السوري الآن ليس كجيش الأسد الذي كان قوامه أفراد الخدمة العسكرية الإجبارية وقياداته علوية، لا تحركها سوى المصلحية، فيما الجيش الحالي قوامه العقيدة والولاء للأمة، وما انضموا اليه بدافع الحصول على الراتب، بل استجابة للدافع الجهادي الاستشهادي، وشتان ما بين الدافعين.
وبناء على ذلك فأعتقد أن سقوط الحسكة التي هي أهم معاقل (قسد) بات وشيكا، ومتى من انتهت قسد، سوف تخرس أصوات الانفصاليين في السويداء، ويقبر حلم الممر الصهيوني في الجنوب السوري.

مقالات ذات صلة أمريكا وإسرائيل نحو عالمٍ ذليلٍ وشعوبٍ مستضعفة 2026/01/21

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: وراء الحدث هاشم غرايبه

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تدشين كنيسة دخول السيد إلى الهيكل في طنطا بحضور البطريرك ثيودوروس الثاني
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • داغستان تعرض كبشا بوزن 120 كغ في معرض تربية الأغنام والماعز في كالميكيا الروسية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • وزير البترول يمثل مصر في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • وزير البترول يشارك في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان ممثلاً لمصر