لا تزال ميليشيا الحوثي تواصل حربها الاقتصادية الممنهجة ضد الشعب اليمني، متجاوزة حدود المواجهات العسكرية لتستهدف لقمة عيش المواطن في أدق تفاصيلها، من خلال فرض قيود تعسفية تعيق عمل القطاع المصرفي وتكبده خسائر مالية فادحة. 

وفي مطلع عام 2026، كشفت تقارير اقتصادية وميدانية عن تصاعد حاد في حدة هذه الإجراءات التي تهدف إلى تجريف القطاع الخاص والسيطرة الكاملة على الدورة النقدية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما أدى إلى خلق فجوة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة بين المحافظات اليمنية.

 

هذه الحرب، التي تدار عبر أدوات نقدية وجبايات غير قانونية، لم تكتفِ بتدمير القوة الشرائية للعملة المحلية فحسب، بل حولت البنوك والمصارف من مؤسسات خدمية وتنموية إلى رهائن تحت مقصلة الابتزاز المالي والسياسي، وسط تحذيرات دولية من انهيار كلي لما تبقى من أعمدة الاقتصاد اليمني الهش.

استهداف القطاع المصرفي: قيود تعسفية وتجريف للموارد

تعتمد ميليشيا الحوثي في حربها الاقتصادية على فرض حزمة من القيود الأمنية والقانونية على البنوك التجارية والإسلامية العاملة في صنعاء، شملت منع صرف فوائد الودائع القانونية، وتقييد حركة السحب والإيداع، وصولًا إلى التدخل المباشر في تعيين الإدارات المصرفية. 

هذه الإجراءات تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل القطاع المصرفي، حيث عجزت البنوك عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، مما أفقد المواطن اليمني ثقته في الجهاز المصرفي ودفعه للبحث عن بدائل غير آمنة لحفظ مدخراته.

 إن الهدف الحوثي من وراء هذه الفوضى هو إجبار المؤسسات المالية على الانصياع لرغباتها في تمويل ما يسمى بـ "المجهود الحربي"، وتحويل فوائض الأموال لصالح قيادات الميليشيا عبر شبكات صرافة مستحدثة تدار من قبل "اقتصاد الظل" التابع للجماعة، مما أدى إلى خسائر تراكمية بمليارات الريالات تكبدها الاقتصاد الوطني خلال الأعوام الأخيرة.

انقسام العملة ونهب المدخرات عبر "قانون منع الربا" خلف الجدران المظلمة.. كيف تحولت مناطق الحوثيين إلى "بيئة معادية" للصحافة؟ تقرير أممي يحذر: تفاقم الجوع في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن

يعد قرار ميليشيا الحوثي بحظر تداول العملة الوطنية "الفئة الجديدة" في مناطق سيطرتها أحد أخطر الأسلحة التي استخدمت لتمزيق الوحدة الاقتصادية لليمن، حيث أدى هذا الانقسام النقدي إلى خلق سعرين صرف مختلفين للعملة الواحدة، مما ضاعف من تكاليف النقل والتحويلات المالية بين المحافظات.

 ولم تتوقف الميليشيا عند هذا الحد، بل أصدرت ما يسمى بـ "قانون منع المعاملات الربوية"، وهو غطاء ديني استُخدم لمصادرة فوائد الودائع البنكية المخصصة للمواطنين والمتقاعدين، وتحويلها إلى أصول غير قابلة للسحب.

 هذا القانون تسبب في كارثة اجتماعية لمئات الآلاف من الأسر التي كانت تعتمد على عوائد مدخراتها البسيطة لتأمين متطلبات الحياة الأساسية، مما حول مدخرات العمر إلى أرقام وهمية في سجلات البنوك التي باتت عاجزة عن الحركة تحت وطأة التهديد الأمني الحوثي المستمر.

الجبايات والضرائب المضاعفة: سحق القدرة الشرائية للمواطن

في ظل انقطاع الرواتب الذي تفرضه الميليشيا منذ سنوات، تواصل الجماعة فرض جبايات وضرائب مضاعفة على التجار والمستوردين تحت مسميات مختلفة مثل "الخمس" و"الزكاة" و"دعم الفعاليات الطائفية". 

هذه التكاليف الإضافية يتم ترحيلها مباشرة إلى قيمة السلع والخدمات التي يستهلكها المواطن، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والأدوية والوقود بمناطق سيطرة الحوثيين مقارنة بالمناطق الأخرى. 

إن السياسة الحوثية القائمة على "التجويع الممنهج" تهدف إلى إشغال المجتمع بالبحث عن لقمة العيش وصرفه عن المطالبة بحقوقه السياسية والمدنية، وهو ما يفسر رفض الجماعة لكافة المبادرات الرامية لتوحيد البنك المركزي أو تحييد الاقتصاد عن الصراع السياسي، مفضلة الاستمرار في جني الأرباح من معاناة ملايين الجوعى والنازحين.

تداعيات الحرب الاقتصادية على الأمن القومي والغذائي

تتجاوز آثار الحرب الاقتصادية الحوثية الحدود المحلية لتشكل تهديدًا للأمن الغذائي الإقليمي، حيث أدى تدهور العملة والقيود على التحويلات إلى تراجع قدرة التجار على استيراد السلع الأساسية من الخارج. 

وفي مطلع عام 2026، بدأت ملامح مجاعة حقيقية تلوح في الأفق ببعض المحافظات الجبلية، نتيجة عجز المواطنين عن شراء القمح والدقيق بأسعار السوق السوداء التي تديرها الميليشيا. 

كما أن انهيار القطاع المصرفي يعني توقف التمويلات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية.

 إن استمرار هذه الوضعية دون تدخل دولي حازم لإلزام الميليشيا بوقف تدخلاتها في الشأن النقدى سيعني دخول اليمن في مرحلة "السكتة الاقتصادية"، حيث ستتوقف كافة أشكال الحياة الاقتصادية الرسمية ليحل محلها اقتصاد عصابات لا يعترف بالقوانين الدولية أو الحقوق الإنسانية.

ضرورة توحيد الجهود لإنقاذ الاقتصاد اليمني

وإن الحرب الاقتصادية التي تمارسها مليشيا الحوثي ضد الشعب اليمني هي جريمة مكتملة الأركان لا تقل خطورة عن القصف والقتل المباشر وإن استهداف البنوك ونهب الودائع وفرض الجبايات هي أدوات استعمارية تهدف إلى إخضاع الشعب عبر التجويع. 

ومع دخول عام 2026، أصبح من الضروري على المجتمع الدولي والجهات المانحة ممارسة ضغوط حقيقية على الميليشيا لتحييد البنك المركزي، ورفع القيود عن القطاع المصرفي، وضمان تدفق الرواتب لجميع الموظفين دون استثناء.

كما إن إنقاذ الاقتصاد اليمني يبدأ من وقف "العبث النقدى" الحوثي، واستعادة سيادة القانون على المؤسسات المالية، لضمان حماية ما تبقى من مدخرات اليمنيين ومنع انزلاق البلاد نحو كارثة إنسانية شاملة قد لا يستطيع العالم احتواء تداعياتها لسنوات طويلة قادمة.

الانشقاقات في صفوف الحوثيين تكشف عن أزمة ثقة عميقة: صلاح الصلاحي نموذجًا حرب مالية جديدة.. هل ينجو النظام المصرفي اليمني من قبضة الحوثيين؟

المصدر

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: الحرب الاقتصادية في اليمن انهيار العملة اليمنية الجبايات الحوثية أزمة الرواتب في اليمن القطاع المصرفی ما أدى إلى

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي
  • وزارة النقل تتابع تنفيذ مشاريع التحديث الاقتصادي في القطاع
  • رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
  • الأكاديمية السلطانية للإدارة تُطلق برنامج صنع وتنفيذ السياسات العامة
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • خبير: السياسات الإسرائيلية تُهدد استقرار المنطقة والانشغال الدولي يُسرّع الأجندة التوسعية
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي
  • خلال اجتماع اقتصادية الشيوخ.. تساؤلات حاسمة للحكومة حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش