امريكا وصناعة الفوضى: حين تتحول الأحادية إلى عقيدة حرب
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
لم تدخل أمريكا بلدًا في تاريخها الحديث إلا وخرجت منه مثقلة بآثار الدمار السياسي والأمني والثقافي، حتى غدا هذا المسار سمة ثابتة لأي تدخل أمريكي مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت الإدارات. فالمسألة لم تكن يومًا مرتبطة بشخص رئيس أو حزب حاكم، بل بعقيدة متجذرة ترى في العالم ساحة نفوذ مفتوحة، وفي الشعوب مشاريع خضوع مؤجلة.
تقدّم أمريكا نفسها بوصفها حامية للنظام الدولي، لكنها في الواقع أكثر من قوّض هذا النظام حين تعارض مع مصالحها. فهي لا تعترف بالسيادة إلا للدول التابعة، ولا تحترم القوانين الدولية إلا إذا تحولت إلى أداة ضغط على خصومها. وهكذا تحولت الديمقراطية إلى لافتة انتقائية، تُرفع في وجه من يرفض الهيمنة، وتُطوى فورًا حين يتعلق الأمر بحليف ينفذ الأوامر دون نقاش. هذا التناقض الفاضح لم يعد خافيًا على الشعوب، بل أصبح أحد أبرز أسباب تآكل الهيبة الأمريكية عالميًا.
الحروب الخارجية الأمريكية ليست استعراض قوة بقدر ما هي تعبير عن خوف عميق من عالم يتغير. فالأحادية التي انفردت بها أمريكا عقب سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت تتصدع، وصعود قوى دولية وإقليمية رافضة للهيمنة كشف محدودية القدرة الأمريكية على التحكم بمسار التاريخ. ومع كل فشل عسكري مباشر، انتقلت أمريكا إلى أدوات أكثر خطورة، تقوم على تفكيك الدول من الداخل، وإشعال النزاعات الطائفية والمناطقية، وفرض العقوبات الخانقة، وتجويع الشعوب تحت عناوين براقة كـ“الضغط السياسي” و“حماية الاستقرار”.
وفي هذا السياق، لم تعد أمريكا مجرد طرف في الصراعات، بل تحولت إلى راعٍ دائم للفوضى ومهندس للأزمات، توظف الحروب والفتن وسيلة لنهب الثروات وإخضاع الدول الضعيفة، خصوصًا في العالمين العربي والإسلامي. فحيثما حلت، حلت معها الانقسامات، وتفككت المؤسسات، وتحوّل العنف إلى أداة حكم، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى.
ولأن الدولة القوية الواعية تشكّل تهديدًا مباشرًا لمشروع الهيمنة، كان لا بد من استهداف البنية الثقافية والدينية للمجتمعات المستهدفة. فالتدخل لا يتوقف عند إسقاط الحكومات أو إنهاك الجيوش، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل الوعي، وتفريغ القيم من مضمونها، ومحاولة تطويع الدين ليصبح أداة خاضعة للسياسة الأمريكية. فالدين الذي يحفّز على المقاومة يُصنَّف تطرفًا، بينما يُلمَّع التدين المفرغ من أي موقف أخلاقي أو تحرري. وهكذا تتحول المعركة من صراع مصالح إلى صراع هوية ووعي.
وفي قلب هذا المشروع، لا يمكن فصل السلوك الأمريكي عن الدعم المطلق للكيان الإسرائيلي، الذي يمثل رأس الحربة المتقدمة في منظومة الهيمنة بالمنطقة. فإسرائيل ليست مجرد حليف، بل وظيفة استراتيجية تُستخدم لابتزاز الأنظمة، وإشغال الشعوب، ومنع أي مشروع نهضوي مستقل. ولهذا تُواجَه كل أشكال المقاومة لهذا الكيان بحرب إعلامية وسياسية وعسكرية شرسة، لأنها في جوهرها مقاومة للمنظومة الأمريكية ذاتها.
أما دونالد ترامب، فقد جسّد النسخة الأكثر فجاجة لهذا النهج. لم يكن داعية سلام ولا رجل صفقات بريئة، بل عبّر بوضوح غير مسبوق عن العقل الأمريكي حين يسقط عنه قناع الدبلوماسية. سياسة الابتزاز العلني، وتحويل الحلفاء إلى ممولين، والاستخفاف بالقانون الدولي، لم تكن انحرافًا عن المسار، بل كشفًا صريحًا لحقيقته. فترامب لم يصنع هذا النهج، بل أظهره بلا مساحيق، مؤكّدًا أن الأخلاق في السياسة الأمريكية ليست سوى أداة دعائية.
إن دعم حركات المقاومة في مختلف ساحات الصراع لا يمكن فهمه خارج هذا السياق. فهو ليس نزوة أيديولوجية ولا مغامرة عبثية، بل ردّ فعل طبيعي على مشروع يسعى لتحويل الشعوب إلى أدوات تابعة في نظام عالمي غير عادل. فعندما تُنهَب الثروات، وتُصادر القرارات، ويُفرض الإذلال السياسي، يصبح خيار المقاومة تعبيرًا عن الكرامة قبل أن يكون خيارًا عسكريًا.
اليوم، تخوض أمريكا حروبها الخارجية لأنها تخشى فقدان موقعها، وتستعرض قوتها لأنها تشعر بقلق متزايد، وتزرع الفوضى لأنها لا تعرف معنى الشراكة. غير أن الخطر الحقيقي الذي يواجهها لم يعد محصورًا في سلاح خصومها، بل في وعي الشعوب التي باتت ترى الحقيقة دون أقنعة. فالتاريخ الممتد لقرابة قرنين ونصف، والمثقل بالحروب والانقلابات والإبادات، يضع أمريكا أمام محاكمة أخلاقية مفتوحة، تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في الشعوب التي رفضت الخضوع، بل في إمبراطورية اعتادت أن تحكم العالم بالقوة، وها هي اليوم تخشى أن تراه خارج قبضتها
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
العلمين الجديدة تتحول إلى «جوهرة البحر المتوسط» ووجهة سياحية عالمية متكاملة
تشهد مدينة العلمين الجديدة طفرة سياحية وعمرانية غير مسبوقة، جعلتها واحدة من أبرز المقاصد السياحية على خريطة مصر والعالم، بعد أن تحولت من منطقة كانت تُعرف سابقًا بـ”مدينة الألغام” إلى نموذج حضاري متكامل لـ”مدينة الحياة”، وفق ما أكده الدكتور مهندس محمد خلف الله، رئيس جهاز مدينة العلمين الجديدة.
وأوضح هاف الله، خلال “صباح الخير يا مصر”، أن المدينة أصبحت اليوم وجهة مفضلة للسياح من مختلف الجنسيات العربية والأفريقية والأجنبية، إلى جانب الزائرين من داخل مصر، لتتحول إلى “جوهرة البحر المتوسط” ومركز سياحي متكامل يجمع بين السياحة والترفيه والتنمية العمرانية الحديثة.
إشغال مرتفع وفنادق محجوزة بالكاملوكشف رئيس الجهاز عن تحقيق نسب إشغال تجاوزت 70% خلال فترة عيد الأضحى، مع توقعات بصيف استثنائي خلال موسم 2026.
وأشار إلى أن معظم الفنادق والوحدات السياحية أصبحت محجوزة بالكامل قبل بداية الموسم، في مؤشر على الإقبال المتزايد على المدينة.
وأوضح أن جهاز المدينة يعمل على تجهيز الممشى السياحي وتطوير البنية التحتية والخدمات المختلفة، إلى جانب الإسراع في تنفيذ عدد من المشروعات السكنية والسياحية.
كما يجري العمل على زيادة الطاقة الاستيعابية من خلال استكمال عدد من الوحدات والمنشآت الفندقية الجديدة لتلبية الطلب المتزايد.
وأشار خلف الله إلى وجود تنسيق كامل بين مختلف الوزارات والجهات المعنية، خاصة في مجالات الأمن والمرور والخدمات، بما يضمن انسيابية الحركة وتقديم تجربة سياحية متكاملة داخل المدينة.
وأكد أن هذا التعاون ساهم في تعزيز جاهزية المدينة لاستقبال الأعداد المتزايدة من الزوار.
فعاليات دولية مرتقبة على أرض العلمينواختتم رئيس الجهاز بالإعلان عن استعداد المدينة لاستضافة مجموعة من الفعاليات والمعارض والمهرجانات الدولية خلال الفترة المقبلة، بما يعزز مكانتها على خريطة السياحة العالمية ويعكس صورة مصر الحضارية والتنموية.