لم يظهر ما سُمّي بـ "مجلس السلام" الذي أطلقه دونالد ترامب في فراغ سياسي أو تاريخي. بل جاء في لحظة تشهد فيها المنظومة الدولية تصدّعاً غير مسبوق: حرب إبادة في غزة تُبَثّ على الهواء، شلل شبه كامل في مجلس الأمن، تصاعد غير مسبوق لدور المحاكم الدولية، وفي المقابل هجوم غربي منظم على هذه المحاكم حين تقترب من إسرائيل.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة مجلس ترامب باعتباره مجرد "مبادرة سلام"، بل كجزء من إعادة هندسة أعمق لكيفية إدارة النزاعات خارج إطار القانون الدولي عندما يصبح هذا القانون مزعجاً سياسياً.

أولاً ـ لماذا ليس بديلاً للأمم المتحدة؟ ولكن لماذا يشكّل خطراً عليها؟

من حيث الشكل، لا يزال مجلس ترامب للسلام عاجزاً عن أن يكون بديلاً مؤسسياً للأمم المتحدة. فالأمم المتحدة ليست منصة تفاوض فحسب، بل منظومة شرعية قائمة على ميثاق دولي، عضوية شبه شاملة، أجهزة قضائية، وآليات تنفيذ – مهما كانت معطلة سياسياً.

الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يحلّ محلّ الأمم المتحدة فوراً، بل في أنه يخلق ساحة بديلة للشرعية: بدلاً من أن تُدار النزاعات في فضاء القانون الدولي، تُدار في فضاء "الصفقات السياسية".أما مجلس ترامب، فهو بنية هجينة: نادي سياسي تقوده شخصية واحدة، تُحدد عضويته بالدعوة والتمويل والنفوذ، لا بالسيادة المتساوية أو الالتزامات القانونية.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يحلّ محلّ الأمم المتحدة فوراً، بل في أنه يخلق ساحة بديلة للشرعية: بدلاً من أن تُدار النزاعات في فضاء القانون الدولي، تُدار في فضاء "الصفقات السياسية".

وهذا فارق جوهري: في الأمم المتحدة، يمكن لدولة صغيرة أن تستند إلى نص قانوني وقرار أممي. في مجلس ترامب، لا تحكم النصوص، بل موازين القوة، والمساهمة المالية، والعلاقة السياسية بالرئيس الأميركي.

ثانياً ـ فلسطين لم تُخذل فقط من القوى الكبرى، بل من النظام الدولي نفسه

ومع ذلك، فإن الدفاع عن القانون الدولي في مواجهة مجلس ترامب لا يعني تبرئة هذا القانون ولا مؤسساته من مسؤولياتها التاريخية تجاه فلسطين.

فالحقيقة المؤلمة هي أن الفلسطينيين خُذِلوا لعقود ليس فقط بالفيتو الأميركي، بل أيضاً بعجز المنظومة الدولية نفسها عن فرض قراراتها أو حماية شعب واقع تحت احتلال عسكري استيطاني.

قرارات لا تُحصى صدرت منذ 1947: حول اللاجئين، والاحتلال، والاستيطان، والقدس، وحق تقرير المصير، لكنها بقيت في معظمها حبراً على ورق.

المؤسسات الدولية تحوّلت تدريجياً، في نظر كثير من الفلسطينيين والعرب، من أدوات عدالة إلى مسار بيروقراطي لإدارة الظلم.

لهذا، فإن فقدان الثقة بالقانون الدولي ليس وليد ترامب، بل نتيجة تاريخ طويل من الإخفاق، والازدواجية، والتواطؤ أحياناً. لكن الفارق هنا جوهري: عجز القانون الدولي شيء، وتفكيكه عمداً واستبداله بمنصات قوة شيء آخر تماماً.

ثالثاً ـ من القانون إلى الصفقة كيف يُعاد تعريف "السلام"؟

القانون الدولي يقوم على فكرة بسيطة لكنها خطيرة على القوى الكبرى: أن الحق لا يُقاس بالقوة، بل بالنص، وأن الجريمة لا تسقط بالتفاوض. لكن ما تطرحه مبادرة ترامب هو نموذج مختلف جذرياً: السلام ليس نتيجة تطبيق القانون، بل نتيجة اتفاق بين الأقوياء. وهنا تكمن آلية الالتفاف: إذا أصبح السلام هو "وقف القتال وإدارة الواقع" بدل "إنهاء الاحتلال ومحاسبة الجرائم"، فإن القانون الدولي يتحول إلى عبء، لا إلى مرجعية.

الحقيقة المؤلمة هي أن الفلسطينيين خُذِلوا لعقود ليس فقط بالفيتو الأميركي، بل أيضاً بعجز المنظومة الدولية نفسها عن فرض قراراتها أو حماية شعب واقع تحت احتلال عسكري استيطاني.ومن هنا، يصبح وجود منصة مثل مجلس ترامب مغرياً للغرب: يمكنك أن تقول: "نحن نعمل من أجل السلام"، بينما تتجاوز فعلياً الأسئلة الأخطر: من احتل؟ من قتل؟ من دمّر؟ من يجب أن يُحاسَب؟

رابعاً ـ إسرائيل كاختبار حقيقي للنوايا

لا يوجد ملف يكشف هذه الديناميكية مثل فلسطين. على مدى عقود، أصدرت الأمم المتحدة عشرات القرارات التي تدين الاحتلال والاستيطان والضمّ، لكن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو مراراً لحماية إسرائيل.

ومع حرب غزة الأخيرة، تكرر المشهد: كلما اقترب مشروع قرار من وقف حقيقي للنار أو من تحميل إسرائيل مسؤولية قانونية، اصطدم بالفيتو الأمريكي. هنا يظهر التناقض الجوهري: المنظومة القانونية الدولية بدأت تتحرك ـ محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية، لجان تحقيق ـ بينما المنظومة السياسية الغربية تحاول كبح هذا المسار.

في هذا السياق، يصبح مجلس ترامب أداة مثالية: بدلاً من أن يُناقش ما إذا كانت إسرائيل ارتكبت جرائم حرب أو إبادة، يُناقش كيف نُعيد إعمار غزة، ومن يديرها، وكيف نمنع "العنف" في المستقبل. الضحية تتحول إلى "مشكلة إنسانية". والجريمة تتحول إلى "نزاع سياسي". والمحاسبة تُستبدل بـ"خارطة طريق".

خامساً ـ لماذا هذا ليس حياداً بل انحيازاً مقنّعاً؟

القول بأن مجلس ترامب "يتجاوز القانون الدولي عندما لا يناسب ترامب أو الغرب" ليس اتهاماً أيديولوجياً، بل توصيفاً وظيفياً.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء مجلس السلام ترامب فلسطين امريكا فلسطين رأي ترامب مجلس السلام قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القانون الدولی الأمم المتحدة مجلس ترامب فی فضاء

إقرأ أيضاً:

تسهيلات غير مسبوقة لسوق المال.. إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية وتخفيضات جمركية على الدمغة

قال رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب، إنه تم استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية، التي كانت بواقع 10% على الربح الرأسمالي، والذي كان يُحتسب بالفرق بين القيمة البيعية للسهم أو الورقة المالية مخصومًا منها تكلفة الاقتناء، وكان هذا الفرق يُخضع لضريبة بنسبة 10%.

أضاف خلال مداخلة مع برنامج "مال وأعمال"، المذاع على قناة "إكسترا نيوز"، وتقدمه الإعلامية إنجي طاهر، أنه تم استبدالها بضريبة الدمغة النسبية، حيث كانت في السابق بواقع 1.25 في الألف لغير المقيم، و0.5 في الألف للمقيم، ولكن تم توحيدها، لتصبح 0.5 في الألف لكل من البائع والمشتري، سواء كان مقيمًا أو غير مقيم.

أوضح أنه بالنسبة لعمليات البيع في نفس اليوم (العمليات الثانوية)، فكانت في القانون القديم معفاة، بينما في القانون الحالي أو مشروع القانون الحالي ستخضع لضريبة بواقع 0.25 في الألف على البائع والمشتري، سواء كانا مقيمين أو غير مقيمين.

وأكد أنه يتم إعفاء صانع السوق، بحيث في حال وجود ركود في عمليات التداول أو ضعف في حركة الشراء والبيع، يتدخل صانع السوق بعرض أو شراء الأسهم، مما يسهم في تنشيط حركة التداول داخل البورصة المصرية، باعتبارها أداة تمويل سريعة للشركات.

اقرأ المزيد..

رئيس مصلحة الجمارك يكشف أبرز التسهيلات والإجراءات الجديدة لدعم حركة التجارة وتيسير الإفراج الجمركي "بروكسل للأبحاث": كلما تأخر توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران زادت احتمالات عودة التصعيد خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات الزراعة: مستهدفات توريد القمح تصل لـ 5 ملايين طن ومصر الثانية عالميًا بإنتاجية الفدان أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة” خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري "مجنون وناكر للجميل".. ترامب يكيل السباب لـ نتنياهو أستاذ إدارة أعمال: استمرار الصراع الأمريكي الإيراني يهدد بـ "ركود تضخمي" يضرب أسواق المال باحث علاقات دولية: إيران تشكك في مصداقية ترامب وهدنة لبنان "فخ عسكري" لتثبيت الاحتلال

مقالات مشابهة

  • الحملة الدولية للدفاع عن القدس تؤكد دعمها للوصاية الهاشمية على مقدسات القدس
  • ماكينة أكاذيب «صهيو أمريكية» تروج لـ«سلام» ترامب
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • د. مايكل لينك: الأمم المتحدة بلا قوة إلزام فعلية لتطبيق القانون الدولي
  • متى يحق لأستاذ الجامعة الحصول على إجازة تفرغ علمي؟.. القانون يجيب
  • تسهيلات غير مسبوقة لسوق المال.. إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية وتخفيضات جمركية على الدمغة
  • 100 جنيه عند مغادرة مصر .. تعرف على المستثنين في مشروع القانون الجديد
  • مجلس العلاقات الدولية يرحّب بإدراج "إسرائيل" على القائمة السوداء للعنف الجنسي
  • رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية يستقبل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
  • أفضل 7 تطبيقات احترافية لتنزيل الفيديو لهواتف سامسونج في 2026