الجزيرة:
2026-06-02@21:02:01 GMT

انهيارات قسد ومفاجأة الميدان

تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT

انهيارات قسد ومفاجأة الميدان

لا تشبه انهيارات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من حيث سرعتها، سوى الانهيارات السريعة والمفاجئة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. عشرة أيام، هنا وهناك، كانت كفيلة بإحداث انقلابات جذرية في المشهدين: السوري والإقليمي، والقياس هنا مع الفارق في وزنَي الحدثين.

ومثلما فعلت "البيئة الإقليمية-الدولية" المتغيرة فعلها في إسقاط نظام الأسد، بعد أن سحب الحلفاء أيديهم، وأزاحوا من فوقه المظلة ومن تحته البساط، فإن تطورات البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا هذه الأيام، قد حولت انهيارات "قسد" إلى ضرب من السقوط الحر.

تبددت الرهانات والأوهام، ووقع المحظور، وها هي الحركة الكردية تدفع الأثمان التي طالما حذر كثيرون من احتمالات دفعها.

في السياق السياسي-الإستراتيجي المتغير

اكتسبت "قسد" مكانتها المتميزة من منظور الحلف الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وبدعم من بعض العواصم الإقليمية، من دورها في مواجهة "تهديدات" ثلاثة:

أولها: النظام السابق، وحاجة هذه الأطراف لاستهدافه، وإخراج مناطق شاسعة من تحت سيطرته و"ولايته"، واستتباعا، مواجهة "المحور" الداعم له، من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، مرورا ببغداد. ثانيها: تنظيم الدولة "داعش"، والحاجة لكبحه واحتواء انتشاره وتمدده، بعد أن سيطر على كامل شرق الفرات، وأجزاء واسعة من غربه، فضلا عن ثلث مساحة العراق، وثاني أكبر مدنه: الموصل، وذلكم تفويض ظل ممنوحا للحركة الكردية، حتى بعد سقوط النظام، ودخول سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عهدا جديدا. ثالثها: وقد تفاقم بالأساس في ذروة صراع المحاور وحروب الوكالة، في عشرية "الربيع العربي"، إذ رأت بعض العواصم الإقليمية في "قسد" رأس حربة يمكن الاتكاء عليها لإزعاج تركيا، وتهديدها في أمنها واستقرارها وسلامة وحدتها الترابية والوطنية.

يومها، كانت تركيا تتصدر قائمة "مهددات" الأمن القومي والوطني من منظور تلك الدول، قبل أن تتبدل الأحوال، في السنوات الأربع أو الخمس الفائتة، وتنتقل تركيا من موقع التهديد القائم إلى موقع الحليف المحتمل لعدد منها.

إعلان

سقوط نظام الأسد، وتراجع الدور الإيراني، وانكفاء المحور، أسقطت جميعها عن "قسد" مكانة "الأولى بالرعاية" من منظور واشنطن، وباريس، ولندن، وتل أبيب من خلف ستار.

فالنظام الجديد في دمشق، لم يكن يوما بحاجة لمن "يحرضه" على هذه الأطراف، وهو قاتلَها زمن المعارضة، وقطع "الممر الإيراني" في منتصفه بعد وصوله إلى السلطة، سالبا "قسد" واحدة من أهم وظائفها الإستراتيجية.

ظل الرهان الغربي على "قسد" كرأس حربة في مواجهة إرهاب تنظيم الدولة قائما، برغم تغيير النظام في سوريا. عواصم الغرب، وبعض عواصم العرب، لم يكن لديها يقين بأن الحكم الجديد في سوريا، سيأخذ على عاتقه مهمة محاربة التنظيم ومطاردته، بالنظر لخلفيته السلفية.

لكن نظام الرئيس أحمد الشرع، سينضم بعد مرور أقل من عام على قيامه، إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، لتصبح سوريا الدولة رقم 90 في هذا التحالف، وسيفي، في غير موقع ومناسبة، بالتزاماته في العمل الأمني والاستخباري والميداني ضد "تنظيم الدولة".

ليسقط بذلك ثاني أهم ركن من أركان "التفويض" الممنوح لـ"قسد"، والذي استحقت عليه كل هذا الدعم و"التغطية" من واشنطن وحلفائها.

فما الذي يمكن لـ"قسد" أن تقدمه لهذا الحلف، ولا تستطيع دمشق تقديمه أضعافا مضاعفة؟ ذلكم هو السؤال الذي كان يتعين على قادة "قسد" البحث عن جواب عنه

أما الدعم الذي كانت تحظى به "قسد" من عواصم عربية، راهنت على تحويل مظلوم عبدي إلى "حميدتي 2" أو "حفتر 2" أو "عيدروس الزبيدي 2″، فقد كثيرا من أهميته وإلحاحيته، في ضوء ما شهدته علاقات دول عربية بتركيا من مصالحات وتسويات.

ليست كل العواصم انخرطت في ملف "توظيف قسد" ضد أنقرة بالطبع، وليست كلها تحتفظ بالدرجة ذاتها من الثقة والاطمئنان للدور التركي الراهن، لكن بالنسبة لها جميعها، فإن تركيا اليوم، غادرت موقع "العدو" الذي كانت فيه زمن ثورات "الربيع العربي".

وأحسب أن تفكيرا عاقلا وواقعيا، كان يُملي على قادة "قسد" قراءة المشهد بحركته وديناميته، لا أن تبقى نائمة على حرير أوهامها ورهاناتها الخائبة، وأن تشرع في التمييز بين ما هو واقعي وممكن من مطالبها، وما هو خارق لكل السقوف والخطوط الحمراء، وينتمي إلى عهد أفل.

مياه تحت البيت الكردي

ثمة أقطاب "تاريخية" ثلاثة دارت الحركات الكردية في المنطقة، وتدور حولها: زعامة الطالباني الآفلة بعد رحيله، وعجز السليمانية عن إنتاج قيادة كاريزمية بديلة عابرة للحدود المحلية.

زعامة البارزاني التاريخية، التي لم تكن يوما على وفاق مع "قسد"، واحتفظت بالحد الأدنى من "روابط الأخوة" مع التنظيم، وآثرت عليه مجموعات وأحزابا انضوت في المجلس الوطني الكردي، على اعتبار أن "قسد" محسوبة على الزعامة الكاريزمية الثالثة للكرد، ذات الامتداد العابر للحدود، والمقصود عبدالله أوجلان، أكثر القادة الأكراد تأثيرا على الأكراد داخل بلاده وخارجها.

وما زالت الذاكرة حافلة بمحطات من "تأزم العلاقات" على ضفتي الحدود بين "روج آفا" وإقليم كردستان العراق، بدءا بإغلاق المعابر، مرورا برفض استقبال قادة ومواطنين في أربيل، وقصص عن تسهيلات قُدمت لمرور قوات وسلاح، لأطراف مناهضة لـ"قسد" متجاوزة الحدود العراقية والتركية معا.

ما كان ممكنا لزعيم كردي-تركي، جنح للسلم، وحل حزبه، وألقى سلاحه، أن يستمر في مطالبة مريديه من أكراد سوريا، بالاحتفاظ بسلاحهم، والإبقاء على نزوعهم "الانفصالي" تحت مسمى الفدرالية واللامركزية الموسعة.

إعلان

ما كان للأب الروحي، أن يحصر نظريته للدولة والمجتمع الديمقراطيين في محبسه بجزيرة إمرالي، أو إبقاءها داخل حدود بلاده، وأن "يستكثرها" على جواره السوري، وأكراد سوريا بالذات.

وأحسب أنه منذ المصالحة التركية، وقرار حل حزب العمال الكردستاني، وإلقاء السلاح، وبدء رحلة الهبوط من جبال قنديل، فقدت "قسد" صخرة كانت تستند إليها، وهي وإن احتفظت في صفوفها وقيادتها برموز قيادية من الحزب المذكور، إلا أن الأثر الذي أحدثته تحولات أوجلان على "قسد" لا يمكن نكرانه، أو التقليل من شأنه.

ما الذي يمكن لـ"قسد" أن تقدمه لأميركا وحلفائها، ولا تستطيع دمشق تقديمه أضعافا مضاعفة؟. ذلكم هو السؤال الذي كان يتعين على قادة "قسد" البحث عن جواب عنه.

وفي أربيل، لم تجد "قسد" عند الزعيم مسعود البارزاني، ما كانت تبحث عنه. الرجل الخارج من صدمة فشل "الاستفتاء"، يبدو أنه تعلم بالطريقة الصعبة، دروس "المغامرات غير المحسوبة"، واتخذ موقع الناصح لـ"قسد" بالاستجابة لنداءات دمشق، والمرسوم الرئاسي حول حقوق أكراد سوريا ومشاركتهم ومواطنتهم.

ولعله أمر ذو مغزى، أن يصدر اتفاق 18 يناير/كانون الثاني من أربيل، وهو بكل المعاني، استبطن هبوطا بسقف التوقعات و"المكتسبات" الكردية، ولو أن "قسد" ذهبت إلى تنفيذ أمين وسلس لاتفاق 10 مارس/آذار، لكانت اليوم في موقع أفضل في تركيبة الحكم والقيادة في سوريا الجديدة، لا سيما أن الاتفاق المذكور أُبرم في مناخات أحداث الساحل الضاغطة على دمشق، وقبل أن تستكمل الأخيرة انفتاحاتها على الساحتين العربية والدولية.

لقد راهنت "قسد"، أو صقورها بالأحرى، على إمكانية الحصول على اتفاق أفضل، فتحصلت على اتفاق أسوأ من منظور تطلعاتها وحساباتها.

فقدان البوصلة

في الأشهر الأخيرة، بدا أن بوصلة "قسد" قد فقدت اتجاهها مرتين:

الأولى: تظهرت بقيام مصادر ومواقع استخبارية، بتداول تسريبات مفادها، أن "قسد"، إذ أخذت تستشعر سيناريو "التخلي والخذلان"، وتواجه احتمالات سحب غطاء الرعاة وبساطهم معا، تبحث في إمكانية طلب العون من أعداء الأمس: إيران وحزب الله وبقايا النظام السوري القديم.

دمشق اتهمت "قسد" باستخدام مسيرات "الشاهد" إيرانية الصنع في حلب وأريافها، ومصادرها تحدثت عن تجنيد أكثر من سبعة آلاف من "الفلول" في صفوفها، فيما تسريبات استخبارية تحدثت عن وصول وفد منها إلى الضاحية الجنوبية قبل بضعة أشهر.

وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الأنباء أو زيفها، فإن المؤكد أن "قسد" أدركت سريعا، أن هذا ليس خيارا أبدا، ذلك أن نقل البندقية من كتف واشنطن إلى كتف طهران، سيكون مكلفا على "قسد" بالذات، ولن يفضي إلا إلى تسريع مسار "انقلاب الرعاة" عليها وعلى مشروعها، ما سيضع حدا نهائيا لكل تطلعات الأكراد، المشروعة منها وغير المشروعة.

ولقد عزز من صدقية هذه "التسريبات"، التغطية الإعلامية التي اعتمدتها وسائل إعلامية محسوبة على محور طهران، إذ كان واضحا أن ثمة "نفس تعاطف"، أو موضوعية فائضة عن الحاجة، في التغطيات الإخبارية، وفي نوعية الضيوف وانحيازاتهم، لكأن ثمة "حنينا" أو رهانا في "مطرح ما"، على عودة عقارب الساعة إلى الوراء، رغم أن مياها كثيرة، كانت قد جرت في أنهار سوريا والمنطقة، منذ انقلاب المشهد في 8 ديسمبر/كانون الأول.

والثانية: عندما حاولت "قسد" اختبار نظرية "حلف الأقليات" في مؤتمر القامشلي الشهير، وبدأ بعض من قادتها تجريب خيار الرهان على إسرائيل، والتلويح بطلب العون، والانفتاح على لقاءات إعلامية وسياسية مع مسؤولين ومحطات إعلامية إسرائيلية، وتحريك اللوبي الكردي بالتنسيق مع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن ضد دمشق.

رهان خائب آخر، لا تبرره مسارات التطبيع الرسمية بين عرب وإسرائيل، كما لا تسوغه مفاوضات رسمية بين دمشق وتل أبيب للوصول إلى اتفاق حول جنوبي البلاد، واصطدم وسيصطدم بموقف شعبي عربي رافض هذا الكيان، لا يرى فيه إلا صور العنصرية والإبادة والتطهير العرقي.

إعلان مفاجأة الميدان

أن تتقدم قوات الجيش السوري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بل وفي كل مناطق غرب الفرات، فهذا أمر مفهوم، وله ما يفسره ويبرره. لكن المفاجأة التي أتت على "قسد"، وأصابت سيطرتها في "مقتل"، إنما تمثلت في "انتفاضة العشائر العربية" على التنظيم الكردي.

لقد عاشت "قسد" حالة إنكار مديدة، لوجود فجوة بين الحكم والمحكومين في مناطق سيطرتها: أقلية كردية، عقائدية (يسارية-علمانية)، تمسك بتلابيب السيطرة والتحكم بأغلبية عربية محافظة، عشائرية في هويتها ومبناها، ولم تفلح كل السردية التي تبنتها "قسد" في التغطية على حقيقة أنها تفرض سيطرتها بالقوة على مناطق الأغلبية العربية "الكاسحة"، بالذات في دير الزور والرقة وأنحاء من الحسكة ذاتها.

لم تفلح عمليات "التطعيم" التي أجرتها "قسد" للإدارة الذاتية، بعناصر عربية، في إخفاء الطابع المهيمن للتنظيم الكردي على هذه الإدارة، فكان العرب فيها، بمن فيهم بعض الأسماء المحترمة، ليسوا أكثر من "خرزة زرقاء"، تضفي طابعا وطنيا زائفا على جوهر مؤسسات الحكم والإدارة، الممسوكة أساسا من التنظيم.

وإذا كان نظام الأسد قد لعب دورا منفرا للعشائر العربية، دفعها لحضن "قسد"، وإذا كان ذاك النظام قد أبدى اهتماما أقل بهذه المناطق وأهلها، من منطلق نظرته الخاصة إلى "سوريا المفيدة"، فقد جاء إلى رأس الحكم في سوريا نظام جديد، بأولويات مختلفة، رأت فيه العشائر فرصة للتخلص من سيطرة "قسد"، فخرجت عن بكرة أبيها لملاحقة وحداتها وقواها الأمنية، واستبقت الجيش في إسقاط هذه المناطق واسترجاعها.

تلكم كانت "قاصمة الظهر" بالنسبة لنفوذ "قسد" المتمدد في فراغ السلطة والنظام، وعلى مساحة تزيد عن ربع مساحة سوريا، ذات أغلبية عربية وازنة.

والخلاصة:

أولا: أن "قسد" لم تتعلم من دروس تجربتها الخاصة، ولا من دروس أشقائها في تركيا والعراق، فأقدمت، بما يصل حد العمد والإصرار، على مقارفة الأخطاء ذاتها، والبناء على الرهانات الخائبة ذاتها، و"التغطي" بواشنطن، دون الأخذ بالحكمة الذائعة: "المتغطي بأميركا عريان". ثانيا: أن "قسد" كانت محاميا فاشلا عن قضية عادلة، وهنا نفتح قوسين للتشديد على قناعتنا، بأن للأكراد حقوقا فردية وجماعية مهدرة بأقدار متفاوتة، في الدول التي يتوزعون عليها، ومن ضمنها سوريا، ولقد ازداد الأمر سوءا في السنة الأخيرة، حين لاحت في الأفق، معالم انسداد لمشروعها. ثالثا: أن لا حلَ عسكريا لمشكلة الأكراد وسوريا على الإطلاق، لا من جانب السلطة ولا من جانب الأكراد، فالحل يمر عبر الحوار حصرا، وبالوسائل السلمية، من دون استقواء بالخارج أو استدعائه، وبدستور مدني-ديمقراطي لسوريا، يكفل لكل المواطنين والمواطنات، الكيانات والمكونات، حقوقهم الفردية والجماعية. تلكم رسالة للقامشلي ولدمشق سواء بسواء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی سوریا من منظور الذی کان

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل
  • أمير كرارة يدافع عن نفسه: سهام جلال كانت تراسله على رقم خاطئ
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • الاحتلال الإسرائيلي يعتقل شابا سوريا خلال توغل لقواتها بالقنيطرة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟