محللون يشرحون الموقف الروسي من سعي واشنطن للاستحواذ على غرينلاند
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
موسكو- بغلاف من المواقف الضبابية والتصريحات الحذرة، يصف المسؤولون الروس الموقف من التطورات بشأن جزيرة غرينلاند والنيّة الأميركية لضم الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي.
ففي أول تعليق له على الأزمة المتصاعدة، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه النيّة بأنها "جدية"، وأشار في الوقت ذاته إلى أن هذا "ليس مجرد كلام مُبالَغ فيه" وأن هذه القضية "لا تعني موسكو بشكل مباشر".
أما وزير الخارجية سيرغي لافروف، فقال إن سيطرة الدنمارك على غرينلاند "بقايا من الماضي الاستعماري"، وإن "الجزيرة ليست جزءا طبيعيا منها".
تجنب الانتقادوعلى الرغم من أن موسكو رفضت التلميحات بشأن تهديد عسكري للدنمارك، فإنها تجنبت انتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي في حال تنفيذ خططه بشأن الجزيرة، فستصبح الولايات المتحدة بذلك ثأني أكبر دولة في العالم من حيث المساحة بعد روسيا.
وكان لافتا تعليق المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف على مقولة بعض المراقبين السياسيين إن ترامب "سيصنع التاريخ" بضم غرينلاند، إذ قال إنه "سواء أكان هذا جيدا أم سيئا، يصعب الاختلاف مع هؤلاء". لكنه امتنع عن التعليق على خطط روسيا بشأن الدنمارك وغرينلاند، وأوضح "وردت إلينا معلومات مقلقة كثيرة في الأيام الأخيرة. نحن نراقب ونحلل ما يحدث عن كثب. أما بخصوص خططنا، فلن أعلق".
يأتي هذا التحفظ في حين يسود شبه إجماع وسط المراقبين السياسيين الروس بأن التوترات بشأن غرينلاند قد تؤدي إلى انقسام حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتعميق الشرخ بين أهم حلفاء أوكرانيا.
يرى المختص في الدراسات الدولية ديمتري زلاتوبولسكي أن المناقشات بخصوص غرينلاند تتطور بطرق كان من الصعب تصورها سابقا، بما في ذلك احتمالات الحفاظ على الناتو كتلة عسكرية سياسية غربية موحدة.
وقال زلاتوبولسكي للجزيرة نت "لقد أثمرت قضية الجزيرة بالفعل لمصلحة الكرملين، إذ أبعدت أوكرانيا عن أجندة منتدى دافوس. وعليه، يجب استغلال الأزمة لتقويض وحدة الغرب وتشتيت انتباه ترامب، وإجباره على تحويل تركيزه إلى أمر آخر".
إعلانوأضاف أن تعمُّق الخلاف بين الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية بسبب هذا الملف قد يُجبر الاتحاد الأوروبي على تغيير توجهاته السياسية مع موسكو، بما في ذلك تقليص الدعم لأوكرانيا أو إيقافه، وإنهاء حرب العقوبات ضد روسيا. ويرى أنه بإمكان موسكو "أن تقف مكتوفة الأيدي وتشاهد أعداءها يتعثرون ويمزق بعضهم بعضا".
تهديد وعزلة
وفي إشارة إلى ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، أشار زلاتوبولسكي إلى أن جزيرة غرينلاند ذات أهمية للأمن الأميركي تماما مثل القرم بالنسبة لروسيا، وهو الأمر الذي أشعل فتيل الصراع مع كييف، ويمكن أن يتكرر، ولكن في نسخة أميركية- أوروبية هذه المرة.
ولكن، مع ضبط النفس الرسمي تجاه التطورات بشأن غرينلاند، تعرب أوساط روسية متخصصة ووسائل إعلام عن قلقها من أن نقل الجزيرة إلى السيطرة الأميركية قد يشكل تهديدا للأسطول الشمالي الروسي، ويؤدي إلى عزلة إستراتيجية لموسكو في القطب الشمالي.
من هؤلاء الكاتب السياسي ألكسندر سافيلييف، الذي يرى أن بوادر نزاع عميق بين الحلفاء الغربيين بدأت تتبلور، بما سيُحدث تغييرا جذريا في السياسة العالمية، ويهدد النظام العالمي "الهش أصلا".
وكما يوضح للجزيرة نت، قد يؤدي ذلك إلى انهيار الاتحاد الأوروبي وإثارة "بعض الفوضى" في الناتو. وتابع أنه من وجهة النظر الجيوسياسية الروسية، تُعَد هذه التحالفات الأكثر عدائية على مدى التاريخ، ويبدو أن هذا يصب في مصلحة موسكو.
ورقة ضغطلكن سافيلييف يحذر من أنه في الوقت الذي تلقت فيه أوروبا ضربة قوية من واشنطن، فهناك متلقون محتملون آخرون، من أبرزهم روسيا والصين.
ووفقا له، تشكل غرينلاند نوعا من المواقع المتقدمة للولايات المتحدة التي تُمكنها من مراقبة الأسطول الروسي عن كثب. ووصفها بـ"حاملة طائرات لا تُقهر" متمركزة في المحيط المتجمد الشمالي، وتقع على مقربة من الأسطول الشمالي الروسي.
وحسب رأيه، لا يقتصر الأمر هنا على المسائل الإستراتيجية فحسب، فهناك أيضا ورقة ضغط قانونية يسعى ترامب لاستخدامها. ويتمثل ذلك في أن الدنمارك تطالب بالجرف القاري، بما في ذلك سلسلة جبال لومونوسوف والقطب الشمالي، وهو ما يتعارض مباشرة مع مصالح موسكو وكندا.
ولكن في حال السيطرة الكاملة للولايات المتحدة على الجزيرة، فسترث واشنطن هذه المطالبات تلقائيا، أي أنها ستطالب -بطبيعة الحال- بهذا الجرف.
ويدلل سافيلييف على ذلك بأن ترامب وضع خطة إطارية تلبي مطالبه بشأن غرينلاند، وكان حريصا على التأكيد أن التهديد الذي تُشكله بكين وموسكو على الجزيرة يمثل أحد الأسباب التي تدفعه إلى السعي الحثيث للسيطرة عليها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة”
أكد الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، أن الدولة اللبنانية دُفعت دفعاً للدخول في حرب عبثية ليست حربها، بعدما أصر حزب الله منذ اللحظة الأولى للمواجهة الراهنة على إقحام البلاد كجبهة مساندة وورقة ضغط عسكرية تستخدمها طهران لصالح أهدافها الإقليمية.
وأوضح في سياق حديثه خلال مداخلة هاتفية مع فضائية "إكسترا نيوز" أن غياب الحلول العسكرية الحاسمة وتعثر مسارات التفاوض المباشر بين واشنطن وطهران دفع حكومة بنيامين نتنياهو للتصعيد المبالغ فيه بغرض انتزاع مكتسبات ميدانية جديدة، مستغلة الرغبة الأمريكية في فصل مسار الجبهة اللبنانية عن الملف الإيراني.
تصلب المواقف وشروط تفاوضية معقدة
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن المفاوضات الجارية تشهد تشعباً وتعقيداً كبيراً بسبب تصلب مواقف الطرفين؛ حيث تمسكت واشنطن بمطالب صلبة تشمل تفكيك المنشآت النووية الإيرانية وتسليم اليورانيوم المخصب وفتح مضيق هرمز دون قيود، بينما رفعت طهران سقف شروطها بطلب فك حظر أموالها المجمدة ورفع الحصار عن موانئها.
واعتبر أن إدارة دونالد ترامب تواجه محددات داخلية وخارجية صعبة تمنعها من خوض حرب شاملة، أبرزها الكلفة الباهظة للعمل العسكري وقرب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، فضلاً عن استحالة قبولها باتفاق هش يشبه اتفاق عام ألفين وخمسة عشر الذي مزقه ترامب سابقاً بعد حرب كبدت ميزانيتها تريليونات الدولارات.
سيناريو الهدن الاسمية وسلاح الحصار الاقتصادي
وعن السيناريوهات المتوقعة للمرحلة المقبلة أفاد بأن خيار المواجهة الإقليمية الشاملة يظل مستبعداً في المدى القصير، مرجحاً لجوء الإدارة الأمريكية لسيناريو "مد فترات وقف اطلاق النار دون إنهاء الحرب"، وهو المسار البديل والأقل كلفة للاحتفاظ بحق المناوشات العسكرية ومواصلة الحصار البحري الخانق للنظام الإيراني.
ولفت إلى أن هذا التكتيك الأمريكي يهدف بالأساس إلى إنهاك طهران عبر تعميق أزمتها الاقتصادية الداخلية وتسريع انهيار العملة المحلية لإجبارها على تقديم التنازلات المطلوبة، والقبول بصيغة الاتفاق الذي يبحث عنه ترامب لوقف طموحها النووي وتصفية نفوذ أذرعها العسكرية في المنطقة.
استفادة واشنطن وتضرر الاقتصاد الدولي
وذكر أن الأزمة الحالية تختلف جذرياً عن الأزمة الروسية الأوكرانية الممتدة التي استطاع العالم إيجاد بدائل للتعامل معها، محذراً من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيتسبب في خسائر فادحة للاقتصاد الدولي والدول المستوردة للطاقة، بينما تظل الولايات المتحدة المستفيد الأكبر عبر زيادة صادراتها من النفط والغاز لأسواق كبرى كاليابان وأستراليا.
واختتم تركي تحليله بالتأكيد على أن الأزمة الراهنة بُنيت منذ البداية على تقديرات سياسية وعسكرية خاطئة من كافة الأطراف، ولن تجد طريقاً للحل المستدام دون إقصاء اليمين المتطرف في إسرائيل وتغيير عقلية التصلب التفاوضي الراهنة، محذراً من أن المواجهة الحالية رسخت في النهاية هيمنة إيرانية غير مسبوقة على حركة الملاحة الرابطة بين الخليج والعالم.
اقرأ المزيد..