سلّطت كل من صحيفة واشنطن بوست وموقع إنترسبت الأميركي الضوء على تداخل معقَّد بين السلطة والرقابة وحرية الصحافة في الولايات المتحدة خلال السنة الأولى من ولاية الرئيس دونالد ترامب، وذلك عقب دهم السلطات الفدرالية منزل مراسلة لصحيفة واشنطن بوست ومصادرة أجهزتها الإلكترونية بذريعة التحقيق في قضية تخص الأمن القومي.

وأكدت السلطات أن مذكرة تفتيش منزل المراسلة صدرت في سياق تواصلها مع موظف حكومي يُدعى أوريليو لويس بيريز لوغونيس -وهو مختص في نظم المعلومات، ويتمتع بتصريح أمني رفيع المستوى- متهم بحيازة مواد تتعلق بالأمن الوطني بصورة غير قانونية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2وول ستريت جورنال: أميركا تسعى بجدية لتغيير النظام في كوبا قبل نهاية العام الحاليlist 2 of 2كأجساد بلا أرواح.. لاجئو جنين بين مطرقة "سور الحديد" وسندان تقويض الأونرواend of list

واللافت، وفق الصحيفة، هو تعليق ترامب على قضية لوغونيس بعد أن أصبحت علنية بالقول "تم القبض على شخص سرَّب معلومات عن فنزويلا"، رغم أن الموظف لم يُتهم حتى الآن بتسريب أي معلومات إلى وسائل الإعلام.

وأوضحت الصحيفة أن مراسلتها هانا ناتانسون تغطي شؤون القوى العاملة الفدرالية، وكانت قد تواصلت مع موظفين حكوميين في إطار تغطيتها لملفات "حساسة" مثل فصل الموظفين الحكوميين والدبلوماسية وملف فنزويلا.

تطور الرقابة الأمنية

وكشفت وثائق قضائية -وفق تقرير إنترسبت- أن التحقيق لم يبدأ عبر تسريب مباشر أو بلاغ صحفي، بل عبر نظام رقابة تقني داخل جهة عمل لوغونيس، تَمثل في نظام طباعة ذكي قادر على حفظ نسخ رقمية كاملة من محتوى الملفات المطبوعة.

ووفق إفادة مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، حاول لوغونيس التحايل على أنظمة المراقبة التقليدية، فبدل طباعة الملفات السرية مباشرة، أخذ لقطات شاشة لها، ثم قصَّها وأدرجها داخل ملف "وورد" عادي سمّاه "الملف 1″، بهدف إخفاء طبيعتها الحقيقية في سجلات الطباعة.

ترامب اتهم لوغونيس بتسريب ملفات خاصة عن فنزويلا لكن لم يثبت ذلك في المحكمة، وفق واشنطن بوست (رويترز)

غير أن نظام إدارة الطباعة في المؤسسة لم يكن يكتفي بتسجيل بيانات عامة عن الملفات، مثل وقت الطباعة واسم الملف، بل كان يحتفظ بنسخ رقمية كاملة من الصفحات المطبوعة، مما أتاح لمدير الموظف استرجاع محتواها والكشف عن الصور المأخوذة من التقارير السرية.

إعلان

وحذَّر إنترسبت -في تقرير بعنوان "تحقيق ‘إف بي آي’ مع مراسلة واشنطن بوست يُظهر كيف يمكن لطابعتك أن تشي بك"- من أن العديد من أنظمة الطابعات تنشئ تلقائيا نسخة رقمية كاملة لكل ما يُطبع، وتُخزنها في أرشيف خاص يمكن لإدارة مكان العمل الاطلاع عليه.

استغلال للسلطة؟

لاحقا، انتقل مسار القضية إلى المجال الصحفي، بعدما أفادت واشنطن بوست بأن السلطات الفدرالية دهمت، في 14 يناير/كانون الثاني الجاري، منزل مراسلتها ناتانسون في ولاية فرجينيا، وصادرت هاتفها وحاسوبَيها المحمولين وجهاز تسجيل وقرصا صلبا محمولا وساعة ذكية.

وأضافت واشنطن بوست أن مراسلتها أوضحت، في إفادة شخصية مرفقة بالملف القضائي، أنها كانت تتواصل مع لوغونيس عبر تطبيق "سيغنال" المشفر والهاتف.

واحتجت على مصادرة أجهزتها، مؤكدة أنها تحتوي على سنوات من المعلومات المتعلقة بمصادر سرية وتقارير غير منشورة.

وتساءلت الصحيفة عن السبب الحقيقي لمصادرة أجهزة المراسلة، وعَدَّت مصادرة الحكومة كل أجهزة ناتانسون للبحث عن معلومة واحدة استغلالا مفرطا للسلطة.

واشنطن بوست قالت إن مصادرة مواد المراسلة "تؤدي إلى تقييد حرية التعبير، وتشلّ القدرة على التغطية الصحفية" (الفرنسية)

وشبَّهت الأمر بالبحث عن "إبرة في كومة قش"، إذ إن معظم البيانات لا علاقة لها بأمر التفتيش، لكنها تكشف أسرار العمل الصحفي أمام الدولة، وقد تهدد مصادر المراسلة.

هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تفتش فيها الحكومة منزل مراسل في إطار تحقيق بشأن تسريب معلومات أمنية لوسائل الإعلام، وتصادر كمية هائلة من البيانات والمعلومات السرية

بواسطة بروس دي براون، رئيس لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة

وتأتي القضيتان بعد أن نشرت ناتانسون، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، رقم هاتفها عبر تطبيقات مشفرة على منتدى إلكتروني مخصص للموظفين الحكوميين، من أجل تقرير نشرته في الشهر ذاته عن شؤون الموظفين الفدراليين المضطربة في ولاية ترامب.

وأكدت المراسلة أنها شكلت شبكة مصادر لأكثر من ألف موظف، وكانت تتلقى ما بين العشرات ومئات الرسائل يوميا من موظفين محبطين أو راغبين في كشف ما يدور داخل مكاتبهم، واستمر ذلك حتى مصادرة أجهزتها.

سابقة خطيرة

ووفق واشنطن بوست، حاول محامو الصحيفة حل الأزمة وديا في البداية، إذ وافقت الحكومة في لقاءات أولية على عدم البدء في "مراجعة جوهرية" للبيانات المصادرة حتى موعد اجتماع ثانٍ في 20 من يناير الجاري.

لكن موقف المسؤولين الفدراليين تغيَّر جذريا في الاجتماع، إذ رفضوا مطالب الصحيفة بإعادة المواد وصاروا أكثر "عدوانية" في التعامل، وبرروا هذا التحول بوجود تعليمات مباشرة صادرة عن "مسؤولين كبار لم تُذكر أسماؤهم".

مظاهرات ضد تسريح الموظفين الحكوميين الأميركيين في ظل سياسات إدارة ترامب (الفرنسية)

وأكد المحامون أن هذه التصرفات مخالفة للعرف القانوني المتبع في قضايا الصحافة، إذ كانت الحكومة عادة ما تنتظر قرار القضاء طواعية قبل مراجعة المعلومات.

وبلغ التوتر ذروته عندما أبلغ المسؤولون الحكوميون محامي الصحيفة صراحة بأنهم "لن يمتنعوا" عن فحص البيانات، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك برفضهم الالتزام بإبلاغ الصحيفة حتى في حال بدئهم عملية المراجعة، مما دفع المحامين لتحويل القضية إلى المحكمة بسرعة لما تحتويه الأجهزة من معلومات حساسة.

أصدر القاضي ويليام بورتر في ولاية فرجينيا قرارا يمنع الحكومة من مراجعة البيانات المصادرة إلى حين إتمام مراجعة القضية، لكنه سمح للحكومة بالاحتفاظ بالأجهزة.

وأصدر القاضي ويليام بورتر في ولاية فرجينيا قرارا يمنع الحكومة من مراجعة البيانات المصادرة إلى حين إتمام مراجعة القضية وإصدار حكم نهائي بشأنها، لكنه سمح للحكومة بالاحتفاظ بالأجهزة.

إعلان

كما أمر الحكومة بالرد على استيضاحات الصحيفة قبل 28 يناير، وحدد جلسة استماع في مطلع الشهر المقبل.

ونقلت الصحيفة قول رئيس لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة بروس دي براون "هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تفتش فيها الحكومة منزل مراسل في إطار تحقيق بشأن تسريب معلومات أمنية لوسائل الإعلام، وتصادر كمية هائلة من البيانات والمعلومات السرية".

وهكذا تكشف القضيتان معا منظومة رقابة متكاملة، تبدأ من الطابعة داخل المؤسسة الحكومية، وتمتد إلى الهاتف والحاسوب داخل منزل مراسلة واشنطن بوست، في مشهد يضع حرية الصحافة في مواجهة مباشرة مع منطق الأمن والرقابة التقنية الشاملة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات حریة الصحافة واشنطن بوست الحکومة من فی ولایة

إقرأ أيضاً:

اتهامات بإسكات الصحافة.. “محامو الطوارئ” تهاجم ملاحقة 47 إعلامياً

متابعات تاق برس – أدانت مجموعة محامو الطوارئ الملاحقات الجنائية التي استهدفت 47 صحفياً وإعلامياً على خلفية نشر وإعادة نشر تحقيق صحفي تناول مزاعم فساد داخل مؤسسات الدولة، واعتبرت أن هذه الإجراءات تمثل تصعيداً جديداً في استهداف حرية الصحافة والرأي والتعبير في السودان.

وقالت المجموعة، في بيان اليوم الخميس، إن النيابة المختصة بجرائم المعلوماتية بولاية البحر الأحمر أصدرت أوامر قبض بحق 47 صحفياً وإعلامياً، بينهم رؤساء تحرير صحف ومنصات إعلامية ومشرفو مواقع إلكترونية، كما أعلنت 17 منهم متهمين هاربين ومنحتهم مهلة لتسليم أنفسهم.

وأوضحت أن الإجراءات استندت إلى المواد (10) و(23) و(24) و(25) من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية، بدعوى انتهاك الخصوصية والإشانة بالسمعة ونشر الأخبار الكاذبة، على خلفية نشر أو إعادة نشر تحقيق صحفي يتناول مزاعم فساد داخل مؤسسات الدولة.

واعتبرت المجموعة أن ملاحقة الصحفيين بدلاً من التحقيق في مزاعم الفساد التي كشفها التحقيق الصحفي تمثل انحرافاً عن مقتضيات العدالة والمساءلة، وتقوض الدور الرقابي للصحافة باعتبارها إحدى أهم أدوات تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.

وأضاف البيان أن القضية لا تستهدف الصحفيين المشمولين بالإجراءات فحسب، وإنما تمثل رسالة ترهيب لجميع الصحفيين والإعلاميين، بما قد يدفع إلى الرقابة الذاتية ويقيد تدفق المعلومات ويحرم المجتمع من حقه في المعرفة والرقابة على أداء السلطات العامة.

وأكدت مجموعة محامو الطوارئ أن استخدام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية في مواجهة عمل صحفي يتعلق بقضايا ذات مصلحة عامة يثير مخاوف بشأن إساءة استخدام التشريعات لتقييد حرية التعبير، مشيرة إلى أن المواثيق الدولية والإقليمية تكفل الحق في حرية التعبير وتداول المعلومات.

ودعت المجموعة إلى الوقف الفوري لجميع إجراءات الملاحقة الجنائية بحق الصحفيين والإعلاميين، وإلغاء أوامر القبض وإعلانات المتهم الهارب، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في مزاعم الفساد الواردة في التحقيق الصحفي، مع الكف عن استخدام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لتجريم العمل الصحفي، وضمان حماية الصحفيين وتمكينهم من أداء مهامهم بحرية، كما ناشدت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة متابعة القضية واتخاذ ما يلزم لحماية الصحفيين في السودان.

الصحفيين السودانيينمجموعة محامو الطوارئ

مقالات مشابهة

  • على وقع التصعيد.. مباحثات أردنية أمريكية بشأن التعاون العسكري
  • الخارجية البريطانية: قطاع غزة لا يزال يواجه مستويات أزمة في الأمن الغذائي
  • الخارجية السودانية: واشنطن تجاهلت التعاون الثنائي بشأن مزاعم الأسلحة الكيميائية وفرضت عقوبات دون أدلة
  • الإمارات تدعو لتنفيذ قرارات مجلس الأمن بشأن اليمن والبحر الأحمر
  • مصطفى بكري في ذكرى رحيل عمر سليمان: رمز وطني أدار أصعب ملفات الأمن القومي
  • تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
  • الخرطوم تشدد إجراءات الأمن.. وتحذير صارم بشأن حظر التجوال
  • اتهامات بإسكات الصحافة.. “محامو الطوارئ” تهاجم ملاحقة 47 إعلامياً
  • قوات الاحتلال تقتحم طوباس وتداهم منزلًا
  • عن عودة السلاطين ومشروع الفوضى