كيف أشعلت طابعة أزمة بشأن الأمن القومي وحرية الصحافة بأميركا؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
سلّطت كل من صحيفة واشنطن بوست وموقع إنترسبت الأميركي الضوء على تداخل معقَّد بين السلطة والرقابة وحرية الصحافة في الولايات المتحدة خلال السنة الأولى من ولاية الرئيس دونالد ترامب، وذلك عقب دهم السلطات الفدرالية منزل مراسلة لصحيفة واشنطن بوست ومصادرة أجهزتها الإلكترونية بذريعة التحقيق في قضية تخص الأمن القومي.
وأكدت السلطات أن مذكرة تفتيش منزل المراسلة صدرت في سياق تواصلها مع موظف حكومي يُدعى أوريليو لويس بيريز لوغونيس -وهو مختص في نظم المعلومات، ويتمتع بتصريح أمني رفيع المستوى- متهم بحيازة مواد تتعلق بالأمن الوطني بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2وول ستريت جورنال: أميركا تسعى بجدية لتغيير النظام في كوبا قبل نهاية العام الحاليlist 2 of 2كأجساد بلا أرواح.. لاجئو جنين بين مطرقة "سور الحديد" وسندان تقويض الأونرواend of listواللافت، وفق الصحيفة، هو تعليق ترامب على قضية لوغونيس بعد أن أصبحت علنية بالقول "تم القبض على شخص سرَّب معلومات عن فنزويلا"، رغم أن الموظف لم يُتهم حتى الآن بتسريب أي معلومات إلى وسائل الإعلام.
وأوضحت الصحيفة أن مراسلتها هانا ناتانسون تغطي شؤون القوى العاملة الفدرالية، وكانت قد تواصلت مع موظفين حكوميين في إطار تغطيتها لملفات "حساسة" مثل فصل الموظفين الحكوميين والدبلوماسية وملف فنزويلا.
تطور الرقابة الأمنيةوكشفت وثائق قضائية -وفق تقرير إنترسبت- أن التحقيق لم يبدأ عبر تسريب مباشر أو بلاغ صحفي، بل عبر نظام رقابة تقني داخل جهة عمل لوغونيس، تَمثل في نظام طباعة ذكي قادر على حفظ نسخ رقمية كاملة من محتوى الملفات المطبوعة.
ووفق إفادة مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، حاول لوغونيس التحايل على أنظمة المراقبة التقليدية، فبدل طباعة الملفات السرية مباشرة، أخذ لقطات شاشة لها، ثم قصَّها وأدرجها داخل ملف "وورد" عادي سمّاه "الملف 1″، بهدف إخفاء طبيعتها الحقيقية في سجلات الطباعة.
غير أن نظام إدارة الطباعة في المؤسسة لم يكن يكتفي بتسجيل بيانات عامة عن الملفات، مثل وقت الطباعة واسم الملف، بل كان يحتفظ بنسخ رقمية كاملة من الصفحات المطبوعة، مما أتاح لمدير الموظف استرجاع محتواها والكشف عن الصور المأخوذة من التقارير السرية.
إعلانوحذَّر إنترسبت -في تقرير بعنوان "تحقيق ‘إف بي آي’ مع مراسلة واشنطن بوست يُظهر كيف يمكن لطابعتك أن تشي بك"- من أن العديد من أنظمة الطابعات تنشئ تلقائيا نسخة رقمية كاملة لكل ما يُطبع، وتُخزنها في أرشيف خاص يمكن لإدارة مكان العمل الاطلاع عليه.
استغلال للسلطة؟لاحقا، انتقل مسار القضية إلى المجال الصحفي، بعدما أفادت واشنطن بوست بأن السلطات الفدرالية دهمت، في 14 يناير/كانون الثاني الجاري، منزل مراسلتها ناتانسون في ولاية فرجينيا، وصادرت هاتفها وحاسوبَيها المحمولين وجهاز تسجيل وقرصا صلبا محمولا وساعة ذكية.
وأضافت واشنطن بوست أن مراسلتها أوضحت، في إفادة شخصية مرفقة بالملف القضائي، أنها كانت تتواصل مع لوغونيس عبر تطبيق "سيغنال" المشفر والهاتف.
واحتجت على مصادرة أجهزتها، مؤكدة أنها تحتوي على سنوات من المعلومات المتعلقة بمصادر سرية وتقارير غير منشورة.
وتساءلت الصحيفة عن السبب الحقيقي لمصادرة أجهزة المراسلة، وعَدَّت مصادرة الحكومة كل أجهزة ناتانسون للبحث عن معلومة واحدة استغلالا مفرطا للسلطة.
وشبَّهت الأمر بالبحث عن "إبرة في كومة قش"، إذ إن معظم البيانات لا علاقة لها بأمر التفتيش، لكنها تكشف أسرار العمل الصحفي أمام الدولة، وقد تهدد مصادر المراسلة.
هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تفتش فيها الحكومة منزل مراسل في إطار تحقيق بشأن تسريب معلومات أمنية لوسائل الإعلام، وتصادر كمية هائلة من البيانات والمعلومات السرية
بواسطة بروس دي براون، رئيس لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة
وتأتي القضيتان بعد أن نشرت ناتانسون، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، رقم هاتفها عبر تطبيقات مشفرة على منتدى إلكتروني مخصص للموظفين الحكوميين، من أجل تقرير نشرته في الشهر ذاته عن شؤون الموظفين الفدراليين المضطربة في ولاية ترامب.
وأكدت المراسلة أنها شكلت شبكة مصادر لأكثر من ألف موظف، وكانت تتلقى ما بين العشرات ومئات الرسائل يوميا من موظفين محبطين أو راغبين في كشف ما يدور داخل مكاتبهم، واستمر ذلك حتى مصادرة أجهزتها.
سابقة خطيرةووفق واشنطن بوست، حاول محامو الصحيفة حل الأزمة وديا في البداية، إذ وافقت الحكومة في لقاءات أولية على عدم البدء في "مراجعة جوهرية" للبيانات المصادرة حتى موعد اجتماع ثانٍ في 20 من يناير الجاري.
لكن موقف المسؤولين الفدراليين تغيَّر جذريا في الاجتماع، إذ رفضوا مطالب الصحيفة بإعادة المواد وصاروا أكثر "عدوانية" في التعامل، وبرروا هذا التحول بوجود تعليمات مباشرة صادرة عن "مسؤولين كبار لم تُذكر أسماؤهم".
وأكد المحامون أن هذه التصرفات مخالفة للعرف القانوني المتبع في قضايا الصحافة، إذ كانت الحكومة عادة ما تنتظر قرار القضاء طواعية قبل مراجعة المعلومات.
وبلغ التوتر ذروته عندما أبلغ المسؤولون الحكوميون محامي الصحيفة صراحة بأنهم "لن يمتنعوا" عن فحص البيانات، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك برفضهم الالتزام بإبلاغ الصحيفة حتى في حال بدئهم عملية المراجعة، مما دفع المحامين لتحويل القضية إلى المحكمة بسرعة لما تحتويه الأجهزة من معلومات حساسة.
أصدر القاضي ويليام بورتر في ولاية فرجينيا قرارا يمنع الحكومة من مراجعة البيانات المصادرة إلى حين إتمام مراجعة القضية، لكنه سمح للحكومة بالاحتفاظ بالأجهزة.
وأصدر القاضي ويليام بورتر في ولاية فرجينيا قرارا يمنع الحكومة من مراجعة البيانات المصادرة إلى حين إتمام مراجعة القضية وإصدار حكم نهائي بشأنها، لكنه سمح للحكومة بالاحتفاظ بالأجهزة.
إعلانكما أمر الحكومة بالرد على استيضاحات الصحيفة قبل 28 يناير، وحدد جلسة استماع في مطلع الشهر المقبل.
ونقلت الصحيفة قول رئيس لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة بروس دي براون "هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي تفتش فيها الحكومة منزل مراسل في إطار تحقيق بشأن تسريب معلومات أمنية لوسائل الإعلام، وتصادر كمية هائلة من البيانات والمعلومات السرية".
وهكذا تكشف القضيتان معا منظومة رقابة متكاملة، تبدأ من الطابعة داخل المؤسسة الحكومية، وتمتد إلى الهاتف والحاسوب داخل منزل مراسلة واشنطن بوست، في مشهد يضع حرية الصحافة في مواجهة مباشرة مع منطق الأمن والرقابة التقنية الشاملة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات حریة الصحافة واشنطن بوست الحکومة من فی ولایة
إقرأ أيضاً:
نقابة الصحفيين السودانيين ترفض أوامر القبض بحق إعلاميين وتعلن تضامنها معهم
متابعات تاق برس – أبدت نقابة الصحفيين السودانيين قلقها إزاء إصدار النيابة العامة المختصة بجرائم المعلوماتية بولاية البحر الأحمر أوامر قبض وإعلانات نشر بحق عدد من الصحفيين والإعلاميين والعاملين في مؤسسات صحفية وإعلامية، على خلفية دعوى منظورة أمام السلطات العدلية.
وأكدت النقابة، في بيان اليوم الخميس، احترامها لاستقلال القضاء وسيادة حكم القانون، مشددة في الوقت ذاته على أن أي إجراءات قانونية تتعلق بالعمل الصحفي يجب أن تراعي الضمانات الدستورية والمعايير الدولية الخاصة بحرية التعبير وحرية الصحافة.
وقالت إن جميع الصحفيين المشمولين بالإجراءات يتمتعون بقرينة البراءة، ولهم الحق في محاكمة عادلة تشمل حق الدفاع والاستعانة بمحامٍ، مؤكدة أن معالجة القضايا المرتبطة بالنشر الصحفي ينبغي أن تراعي خصوصية العمل الإعلامي، وألا تتحول القوانين، بما فيها قانون الجرائم المعلوماتية، إلى وسيلة لتقييد حرية الصحافة أو ترهيب الصحفيين.
وأشارت النقابة إلى أن المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير تشترط أن تكون أي قيود على العمل الصحفي محددة بنص قانوني واضح، وضرورية ومتناسبة، وألا تُستخدم بصورة تعسفية ضد الصحفيين أو المؤسسات الإعلامية.
وأعلنت النقابة رفضها وصف صحفيين معروفين بأنهم “متهمون هاربون” في وقت يوجدون فيه خارج البلاد وتتوفر بيانات التواصل معهم، معتبرة أن ذلك قد يعرضهم للإيقاف فور عودتهم.
كما أعلنت تضامنها مع الصحفيين المشمولين بالإجراءات، مؤكدة استعدادها لتقديم الدعم القانوني والنقابي لهم، ودعت السلطات العدلية إلى مراعاة خصوصية العمل الصحفي وضمان عدم تأثير الإجراءات القانونية على حرية الإعلام وأداء الصحفيين لمهامهم المهنية.
وأكدت نقابة الصحفيين السودانيين أن حرية الصحافة وسيادة القانون مبدآن متكاملان، وأن حماية المجتمع تتطلب صحافة حرة ومسؤولة إلى جانب ضمان العدالة وسيادة القانون.
حرية الصحافةمحكمة جرائم المعلوماتيةنقابة الصحفيين السودانيين