#تأملات_قرآنية
د. #هاشم_غرايبه
يقول تعالى في الآية 61 من سورة الأنعام: “وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ”.
في هذه الآية يبين الله لنا أحد أسرار خلقه، وهي عنايته بالبشر لحمايتهم من الحوادث المميتة التي يمكن ان يتعرض له أي شخص، مئات المرات كل يوم، فلا يموت إلا في الأجل المحتم المكتوب، وعندها ترفع عنه الحماية، لتكون وفاته بالآلية التي قدّرالله أن تتم بها، وفي الساعة المحددة: “فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ” [الأعراف:34].
وقد أوضح الله تعالى آلية هذا الحفظ: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” [الرعد:11]، وهي أن الله يوكل ملائكة بهذا الأمر، وهم بمثابة الحرس الذين يدرؤون المخاطر الكثيرة التي يمكن أن يتعرض لها المرء في أية لحظة.
من عدالة الله ورحمته بخلقه أن جعل تقدير الآجال في يده، وجعل علم ذلك على الخلائق مجهولا، ولم يجعل الأعمار متساوية، لكي لا يكون للمخلوق أية امكانية لمعرفة زمن موته ولا المكان الذي سيموت فيه: ” وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ” [لقمان:34]، لأنه لوعلم الموعد لظل في المعاصي الى حين اقتراب أجله فلا يتوب ويصلح إلا قبيل موعد الموت، ولو عرف المكان لما بقي فيه أبداً.
رغم أن الله فتح للناس أبوابا كثيرة من العلم، فمكّنهم من فهم كثير من سننه الكونية، فقد بات بإمكانهم التنبؤ بنزول الأمطار وحدوث الأعاصير والزلازل، و جنس الجنين وصحته، والكثير من الاستقراءات والحسابات في باطن الأرض وظاهرها، لكن الأمور المصيرية حجبها عنهم رحمة بهم، ومنها عدم معرفة طبيعة الموت ولا موعده، ولا ما سيحدث بعده، إلا مما أخبرنا به.
من الممكن إماتة إنسان قتلا، ذلك لا يعتبر علما بموعد موته، لأنه استخدام لوسيلة تعطل عمل أعضائه الحيوية كالشنق أو التسميم أو اطلاق النار، لكن لا يمكن التنبؤ بموت من ليس هنالك تدخل بشري بقصد قتله، كما أنه ليس ممكنا للبشر إحياؤه بعد موته.
ما يؤدي الى موت الإنسان عوامل عديدة متنوعة، ولو نظرنا فقط الى الحوادث العارضة التي يتعرض لها الإنسان يوميا آلاف المرات، لوجدنا واحدة منها كافية لموته، لكنه دائما ينجو منها.
لو احتسبنا ذلك على مبدأ الإحتمالات العشوائية، سنجد أنها غير مفسرة وفقه، فلو تتبعنا حركة أي فرد، سنجد العديد من الأخطار المهلكة التي يتعرض لها كل يوم، بدءاً من احتمالية الموت أثناء النوم بتوقف التنفس أو القلب، الى السقوط في الحمام وتعرضه لرضة بليغة في الرأس، الى الاختناق بلقمة أثناء الإفطار، ومنذ خروجه الى العمل الى حين عودته للمنزل، هنالك المئات من الإحتمالات لأنواع كثيرة من الحوادث، ولو تتبعنا حوادث السير وحدها، فراقبنا تقاطعا واحدا في مدينة واحدة لوجدنا أن سير السيارات بهذه السرعة ومن غير حدوث تصادم واحد، لا يمكن أن نعزوه الى يقظة السائقين والتزامهم بقانون السير فقط، فيكفي لحظة غفلة واحدة لتحدث مأساة، ومع كثرة الضغوطات والمصاعب التي يعاني منها أغلب الناس كافية لحدوث مثل تلك اللحظة!… لكنها لا تحدث!
لو أخذنا بالتفسير الإلحادي الساذج، بأن موت الإنسان أو بقاءه حيا مجرد صدفة عشوائية وبنسبة متساوية، سنجد واستنادا الى الحسابات الرياضية المنطقية، أن الموت هو الأعلى احتمالا بكثير للشخص الواحد، لأن العوامل متعددة نوعا ومتكررة زمنا، والشخص واحد ..والنجاة في أية مرة لا تمنع الموت في المرة القادمة، إنما الموت مرة تمنع فرصة النجاة بعد ذلك مطلقا.
لكننا فعليا وواقعيا لا نجد ذلك يحدث، بدليل أن النسبة العامة للوفيات الطبيعية عالميا هي ثابتة ونسبتها 8 بالألف.
ألا يعني ذلك أن هنالك عاملا أقوى بكثير من الإحتمالات العشوائية، أي هنالك تدخل حمائي للناس؟.
ذلك يفسر ثبات هذه النسبة رغم أن ثلث الوفيات حاليا هي بسبب حوادث السيارات، والتي لم تكن موجودة قبل مائة عام، لكن كانت الأمراض السارية آنذاك بدلها، وقبلها كانت الحروب والمجاعات.
هذه الآية تفسير لذلك، فمن محبة الله للبشر وعنايته بهم، أن أرسل عليهم حفظة أوكلهم الله بحمايتهم من عواقب أخطائهم أوتصرفاتهم، الى أن يأتي الأجل المقدر.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: هاشم غرايبه
إقرأ أيضاً:
قصة أقرب إلى الخيال.. خوان هوبيرج يعود من «الموت» ليسجل في كأس العالم
قد يبدو العنوان مبالغًا فيه للوهلة الأولى، لكن ما عاشه اللاعب الأوروجوياني خوان هوبيرج خلال كأس العالم 1954 في سويسرا يُعد من أكثر المواقف غرابة وإثارة في تاريخ كرة القدم، لدرجة يصعب تصديقها خارج إطار السينما أو الروايات الدرامية.
وشاركت أوروجواي في مونديال 1954 بصفتها بطلة النسخة السابقة، ونجحت في الوصول إلى الدور نصف النهائي، حيث اصطدمت بمنتخب المجر المدجج بالنجوم، بقيادة الأسطورة فيرينتس بوشكاش، في واحدة من أقوى مباريات البطولة.
مباراة درامية وبداية الحكايةأقيمت المباراة يوم 30 يونيو 1954 على ملعب بونتايس الأولمبي في مدينة لوزان السويسرية، وبدأت بتقدم المنتخب المجري بهدفين دون رد حتى الدقائق الأخيرة.
وفي الدقيقة 75، نجح هوبيرج في تسجيل هدف تقليص الفارق، قبل أن يعود في الدقيقة 86 تقريبًا ليحرز هدف التعادل 2-2، وسط فرحة عارمة من زملائه الذين اندفعوا نحوه للاحتفال بهدف بدا وكأنه يعيد الأمل لأوروجواي.
لكن اللحظة تحولت سريعًا من الفرح إلى الصدمة.
لحظات بين الحياة والموتفبعد المجهود البدني الكبير، سقط هوبيرج أرضًا مغشيًا عليه دون أي استجابة، ليتبين لاحقًا أنه تعرض لحالة خطيرة للغاية، وصلت إلى توقف مؤقت في مؤشرات الحياة لمدة تُقدّر بنحو 15 ثانية، وفق ما نقلته صحيفة "سبورت" الإسبانية.
وتدخل طبيب المنتخب كارلوس أباتي سريعًا، حيث قام بسحبه إلى جانب الملعب وحاول إنعاشه باستخدام حقنة من مادة "الكورامينا"، وهو منشط كان يُستخدم قديمًا لتحفيز الجهازين العصبي والتنفسـي في حالات الطوارئ.
وبعد دقائق حرجة، استعاد اللاعب وعيه بشكل تدريجي، في مشهد وُصف بأنه أشبه بالمعجزة في ظل محدودية الإمكانيات الطبية في ذلك الوقت.
عودة مفاجئة وإكمال المباراةورغم خطورة حالته، عاد هوبيرج إلى أرض الملعب بعد فترة قصيرة من الراحة على خط التماس، في واقعة يصعب تخيل حدوثها في كرة القدم الحديثة، التي تفرض بروتوكولات طبية صارمة وفحوصات دقيقة قبل السماح لأي لاعب بالعودة.
ورغم الروح القتالية، انتهت المباراة بخسارة أوروجواي أمام المجر بنتيجة 4-2 بعد وقت إضافي، ليغادر حامل اللقب البطولة من الدور نصف النهائي.
استمرار المسيرة بعد الحادثةوبعد أيام قليلة فقط من تلك الواقعة الصادمة، شارك هوبيرج في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع أمام النمسا، وسجل هدف منتخب بلاده الوحيد رغم الظروف الصحية الصعبة التي مر بها، في مشهد يعكس قوة استثنائية وإصرارًا نادرًا.
وخسر المنتخب الأوروجوياني المباراة بنتيجة 3-1، ليُنهي مشاركته في البطولة بالمركز الرابع.
ما بعد المونديالواصل هوبيرج مسيرته الكروية حتى اعتزاله عام 1961، قبل أن يتجه إلى التدريب، حيث تولى لاحقًا قيادة منتخب أوروجواي في كأس العالم 1970 بالمكسيك، وقاده أيضًا إلى المركز الرابع.
وتوفي خوان هوبيرج في 30 أبريل 1996 بالعاصمة البيروفية ليما، بعد 42 عامًا من واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ كأس العالم، التي بقيت شاهدة على لاعب واجه الموت داخل المستطيل الأخضر ثم عاد ليكمل الحكاية.