أثناء قراءتي كتاب "في صحبة الكتب" للكاتب الصحفي العراقي علي حسين، توقفت عند مقولة للكاتب الروائي "مكسيم جوركي" يصف من خلالها حبه للكتب، وحدد عشرة كتب "عشرة كتب حيرتني".
تساءلت: لماذا عشرة بالضبط؟ وماذا يضير إن كانوا أكثر أو أقل؟ قلت لنفسي: الأرقام اعتبارية، أما الجوهر فهو المضمون، وبسرعة البرق ومض إلى ذهني بريق العبارة الذي أضاء في نفسي الفضول وشغفي بالمعرفة.
يقول جوركي: "هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المريرة المؤلمة".
توقفت متأملا، متسائلا، هل للحقيقة أقذار؟!
العبارة كانت صادمة، والسؤال بدى لي مستفزا، هل للحقيقة أقذار؟
ارتبطت الحقيقة في مخيالنا بالنقاء والطهارة والصفاء، فلماذا إذن يصفها جوركي بهذا الوصف المستنكر؟!
سرعان ما وجدت أن التجارب الواقعية والفلسفية والإنسانية قديمها وحديثها تستنفرني للإجابة وإزالة الدهشة، والتي كشفت لي على الفور المفارقة الجوهرية.
"الحقيقة نقية في ذاتها، لكن طريقها إلى الإنسان غالبا ما يكتنفه الدنس والأوحال".
ومن خلال التجارب الواقعية، والمشاهد التي تعج بها حياتنا، والتي تتناقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت شهادات على تفسير مقولة جوركي ونعته بأن الحقيقة قذرة ومؤلمة.
تذكرت الفتاة التي حبسها والدها مدة سنة وشهرين، حتى ماتت من الجوع والهزال، ورأيت في هذه الواقعة تجسيدا للحقيقة الثقيلة، ثقيلة لدرجة أن الأم وزوجة الأب والأقارب والمجتمع كلهم اختاروا الصمت، لم تتسخ الحقيقة، بل تكاثر العار حولها من جراء الصمت والمباركة الخفية.
تذكرت أيضا حادثة الأسرة التي فقدت أبناءها الخمسة اختناقا بتسريب الغاز، هزني الحادث الأليم، وزلزلني بعنف ردة فعل الناس التي اختصرت الفاجعة في إدانة الأب والأم ونسيان أنهم بشر أمام إرادة الله.
من خلال هذه التجارب وغيرها، تيقنت أن الحقيقة، لم تكن يوما مكافأة بل هي ابتلاء.
في أسطورة الكهف عند إفلاطون، لا يقابل الخارج من الظلمة بالتصفيق بل بالعداء والاتهام. الحقيقة هنا ليست قذرة، لكنها مزعزعة، تسقط نظاما ذهنيا اعتاد الناس عليه ولو كان زائفا، فمن ألِف الظلام يعاف النور، العيب ليس في النور بل في اعتياد الظلام .
وهو ما أكده الفيلسوف "نيتشه": الإنسان لا يخاف الكذب، بل يخاف الحقيقة، لماذا يخاف منها؟ لأنها تهدد أوهامه. الحقيقة ليست شريرة، لكنها غير رحيمة بالأقنعة، ومن يعجز عن احتمالها يتهمها بالقسوة والقبح".
أمّا دستويفسكي "فيرى أن الحقيقة لا تأتي منقذة، بل فاضحة؛ الاعتراف لا يطهر فورا، بل يجرح".
الحقيقة طاهرة نقية، لكن إداراكها يسلب الإنسان براءته، هي ليست ملوثة، بل النفوس التي ترفضها هي الملوثة، الناس ترفضها لأنها تمثل ثقلا وعبئا.
ما قصده "جوركي" بعبارة "أقذار الحقيقة" ليس الحقيقة نفسها، بل ما نلصقه بها حين لا نحتملها. نحن نخاف الحقيقة لأنها ثقيلة، مؤلمة، وتكشف ما نود إخفاءه عن أنفسنا.
كانت عبارة "جوركي صادمة" فبحثت عن مضمونها في الموروث الديني، فوجدت أن القرآن يجانب وصف الحق بهذا التشبيه، فالحق نقي طاهر، لكنه يقرر أنه مكروه على النفوس التي ألفت الباطل.
يقول تعالى: "بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج" فهولاء كذبوا الحق وجحدوه، فأصبحوا في حالة اضطراب فكري وروحي لا يعرفون صوابا من خطأ ولا حقا من باطل يعيشون في ظلام وعدم يقين.
الاضطراب هنا ليس في الحق، بل في القلوب، ويؤكد القرآن أن النفور من الحق لا يدل على فساده.
وفي الحديث النبوي الشريف "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
فالحق ثقيل ومر، ليس لأنه دنس، بل لأنه يؤلم النفس المتعلقة بالشهوات.
تيقنت من خلال التجارب أن الحقيقة نفسها لا تحمل أقذارا، فهو اتهام عار من الصحة، فالحقيقة نقية في جوهرها ، لكنها حين تمر عبرإنسان مثقل بالأهواء ، أو مجتمع قائم على الزيف ، أو سلطة تخشى الانكشاف ، تلطّخ بالتهم ، وتوصف بالقسوة ، وبالألم ، وربما كما وصفها جوركي في عبارته .
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: أن الحقیقة
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.