ما حصل وسيحصل في سوريا يأتي في سياق مخطط جديد لمشاريع الفوضى في المنطقة ولا يمكن فصله عن الانسحاب المزعوم من قاعدة عين الأسد في العراق بالتزامن مع إطلاق عناصر "داعش" الإرهابي من سجون "قسد" والتي كانت تحت عين القوات الأمريكية التي تمتلك وجود عسكري في هذه المنطقة، وعلى ما يبدو أن العراق مستهدف من هذه الأحداث المتسارعة والقريبة من حدوده ومرتبط بما يحضر لإيران خاصةً وأن احتمالات استهدافها قائمة، واللافت الدور المستغرب لسلطات كردستان العراق وزعيمها البارزاني المرتبط بالكيان الصهيوني الذي فرط بورقته الكردية لصالح تركيا.
ما يهمنا في هذا كله، التشابك بين الاجتياحات والارتدادات المتسارعة التي شهدتها المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية المحتلة من المجلس الانتقالي التابع للإمارات التي هي الأخرى تابعة للصهاينة، واستطاعت السعودية في أيام طرده من أقصى المهرة إلى مناطق تمركزه الأساسية وإخراجه من عدن.
الداعمين لحكومة الجولاني هم نفس الداعمين لما تسمى بحكومة الشرعية في اليمن، والداعمين للانتقالي هم نفس الداعمين لتنظيم "قسد" الكردي، وفي المحافظات اليمنية المحتلة وسوريا يحضر الأمريكي والبريطاني والصهيوني فاللعبة واللاعبين متشابهين والمخرج واحد مع بعض الاختلاف في الترتيبات فالسعودي في اليمن يريد أن يجمع كل أوراق اللعبة بيده ليكون الأداة الإقليمية الحصرية بالترتيبات الجديدة واحتضانه للمؤتمر الجنوبي –الجنوبي تحت علم الانفصال يشير إلى التزامه بمشاريع التقسيم المستهدفة به المنطقة، والتهديدات المنسجمة مع ما يريده الكيان الصهيوني تجاه صنعاء لم تتوقف من الأطراف سواءً تلك المحسوبة على السعودية وقطر وتركيا أو التي كانت محسوبة على الإمارات وانضوت سريعاً تحت البشت السعودي.
القوى الوطنية المعنية بسيادة ووحدة واستقلال اليمن وتحريره من الغزاة والمحتلين تراقب كل هذا العبث من الوجود الصهيوني في أرض الصومال في القرن الأفريقي وحتى غزة فمعركة الأمة مترابطة وتحدياتها خطيرة، واستيعاب دروس ما مر مهم ويتطلب الانتقال بتحالف محور المقاومة إلى مستويات تمكنه من الانتصار وبالأيمان والوعي والإرادة والشجاعة والإقدام هو من سيحدد خواتم المعركة بين قوى الحق والباطل، والمواجهة الفاصلة قادمة لا محالة.
المصدر
المصدر: ٢٦ سبتمبر نت
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..