يحيى شقير قدم قراءة خاصة في نظام تنظيم الإعلام الرقمي
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
#سواليف
كتب المتخصص والخبير في #التشريعات و #القوانين_الإعلامية الصحفي #يحيى_شقير –
وضعت #الحكومة على موقع ديوان التشريع والرأي بتاريخ (15/1/2026) وموقع “تواصل” الحكومي مسودة #نظام_تنظيم_الإعلام_الرقمي لسنة 2026
الملاحظة الأولى على النظام أنه صدر بمقتضى المدة (50) من قانون المطبوعات والنشر رقم 8 لسنة 1997 والمادة (32) من قانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 26 لسنة 2015، وإن جعل المطبوعات والنشر والبث المرئي والمسموع تحت مظلة واحدة لا يتوافق مع المعاير الدولية ففي أغلب الدول لا يوجد ترخيص للمطبوعات (إنما الإخطار على الأغلب) أما في البث المرئي والمسموع فيوجد ترخيص لسبب فيزيائي وهو أن الترددات فيها ندرة وقد يتداخل البث إذا كان من دون تنظيم.
وفي (المادة 2) وفي تعريفه للقانون يشير النظام إلى قانون الإعلام المرئي والمسموع فقط. كما أنه في تعريفه لكلمة الوزير ينص على أنه وزير الاتصال الحكومي أو الوزير الذي يسميه رئيس الوزراء. وفي المادة (2) من قانون الإعلام المرئي والمسموع يعرِّف الوزير بأنه رئيس الوزراء أو من يفوضه من الوزراء، وفي قانون المطبوعات في المادة (2) يعرِّف الوزير بأنه رئيس الوزراء.
وأرى أن النظام جاء بحكم جديد لم ينص عليه القانونين فرئيس الوزراء هو الوزير الأصلي وله أن يفوِّض أحد الوزراء بصلاحياته وقد يكون وزير الاتصال الحكومي أو غيره. وهذا الحكم الجديد مخالفة صريحة للقانون وفيه شبهة عدم الدستورية. ولمن يريد الاستزادة اعتقد أن اساتذتنا أمثال د. كامل السعيد ود. نوفان العجارمة ود. ليث نصراوين لن يقصِّروا لو سألتهم الحكومة. (أقترح على مدرسي التشريعات الإعلامية في كليات الإعلام أو القانون في الجامعات تكليف طلبتهم بتحليل النظام كتمرين بالذخيرة الحية).
اعتقد أن هذه النظام مخالف للدستور وللقانون لأنه يضيف حكماً جديداً للقانون كما أنه يخالف قرار الديـوان الخـاص بتفسيــر القوانيـن رقـم (11) لسنــة 2012 (الصادر بتاريخ 2012/12/31) بتفسير تعريف كلمة (البث).
كما أن تعريف الشخص في النظام هو: الشخص الطبيعي أو المعنوي بينما في قانون الإعلام المرئي والمسموع فهو الشخص الإعتباري (والمرخص له لا يكون إلا شخصاً اعتباريا) وفي قانون المطبوعات: الشخص الطبيعي أو المعنوي.
كما وردت في التعريفات أن يكون النفاذ للمحتوى عبر الانترنت أي إخضاع البث عبر الانترنت لقانون الإعلام المرئي والمسموع وقد حاولت هيئة الإعلام ذلك (في شهر آب 2012 وفي شهر آب عام 2021) حينما قدَّم مدير عام الهيئة آنذاك طارق أبو الراغب مقترح تعديل أنظمة إعلامية تضمنت رفع رسوم تجديد تراخيص المواقع الإلكترونية وفرض رسوم على البث المباشر، لكن رفض نقابة الصحفيين للتعديلات دعا وزير الإعلام آنذاك صخر دودين للتصريح باستمرار العمل بالأنظمة القديمة وأن التعديلات كانت مجرد مقترحات لم تُعتمد.
إلغاء الترخيص حكماً أم صلاحية تقديرية للمدير؟
تنص المادة 15 من الدستور الأردني:
1- تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل اردني ان يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط ان لا يتجاوز حدود القانون.
3- تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون.
4- لا يجوز تعطيل الصحف ووسائل الإعلام ولا إلغاء ترخيصها إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون.
كما تنص المادة 128 من الدستور:
1- لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.
وتنص المادة 15 من النظام المقترح: مع مراعاة الأحكام الواردة في القانون وقانون المطبوعات والنشر للمدير إلغاء الترخيص أو الإعتماد أو التنسيب للوزير بذلك في الحالات التالية:
أ- عدم البث أو النشر خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الحصول على الرخصة أو الاعتماد.
ب- مع مراعاة النشر الدوري، التوقف عن البث أو النشر مدة تتجاوز ستين يوماً متتالية أو مئة وعشرين يوماً متقطعة خلال السنة.
ج- التنازل عن الرخصة أو التصرف بها دون موافقة الهيئة المسبقة.
د- عدم تجديد الاعتماد بموجب هذا النظام خلال ثلاثة اشهر من تاريخ انتهاء الاعتماد.
ه- مخالفة الجهة المعتمدة للتشريعات النافذة.
وللمقارنة وتنص المادة (19) من قانون المطبوعات والنشر:
أ- تعتبر رخصة المطبوعة الدورية ملغاة حكماً في اي من الحالات التالية:
1- اذا لم تصدر المطبوعة الصحفية خلال ستة أشهر من تاريخ منح الرخصة.
2- اذا توقفت المطبوعة اليومية لمدة ثلاثة أشهر متصلة.
3-اذا توقفت المطبوعة غير اليومية التي تصدر بصورة منتظمة مرة في الأسبوع عن اصدار اثني عشر عدداً متتالياً.
4- اذا توقفت المطبوعة غير اليومية التي تصدر بصورة منتظمة في مدة أطول من الأسبوع أربعة أعداد متتالية.
5- اذا تنازل مالكها عنها كلياً أو جزئياً خلافاً لآحكام المادة (18) من هذا القانون.
ب- للمحكمة الغاء رخصة المطبوعة اذا خالفت شروط ترخيصها, بما في ذلك مضمون التخصص, دون الحصول على موافقة مسبقة من الوزير شريطة ان يكون قام بانذارها مرتين بسبب مخالفتها لتلك الشروط.
ج- تستثنى المطبوعات الصحفية التي تصدرها الأحزاب السياسية المسجلة من الشروط الواردة في الفقرة (أ) من هذه المادة.
ويلاحظ أن قانون المطبوعات في المادة السابقة قد فرَّق بين قيام المحكمة بإلغاء الرخصة وبين اعتبار الرخصة حكماً ملغاة، وفي المقابل أعطى النظام صلاحية جوازية تقديرية لمدير هيئة الإعلام بإلغاء الترخيص أو الإعتماد أو التنسيب للوزير بذلك.
ولربما أن الصلاحية الجوازية لمدير هيئة الإعلام بإلغاء الترخيص أو الإعتماد أو التنسيب للوزير بذلك، تخالف النص الدستوري (المادة15- 4: لا يجوز تعطيل الصحف ووسائل الإعلام ولا إلغاء ترخيصها إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون).
وفي الختام وحتى لا يطول المقال أود التذكير بنص المادة (123/4) من الدستور: يكون للقرارات التي يصدرها الديوان الخاص وتنشر في الجريدة الرسمية مفعول القانون.
قرار رقم (2) لسنة 2012 صادر عن الديوان الخاص بتفسير القوانين بتاريخ (4/9/2012) الذ اجتمع من أجل تفسيـر (المقصود بالتسجيل الوارد في تعريف “المطبوعة الالكترونية ” في المادة (2) من قانون المطبوعات والنشر رقم (8) لسنة 1998 وتعديلاته وهل تنطبق شروط ترخيص المطبوعة الصحفية المنصوص عليها في القانون ذاته ونظام الرسوم الصادر بمقتضاه على المطبوعة الالكترونية.)
وجاء في نص القرار: أن المشرع اعتبر المطبوعة الالكترونية نوعاً من انواع المطبوعات الصحفية، وأنّ إعطاء القانون للمطبوعة الالكترونية حق اختيار التسجيل لا يعفيها من استكمال إجراءات الترخيص وفق أحكام القانون قبل ممارسة أعمالها، وأنّ المطبوعة الالكترونية تخضع لذات شروط ترخيص المطبوعة الصحفية المنصوص عليها في قانون المطبوعات والنشر ويتوجب عليها بصفتها مطبوعة صحفية دورية الحصول على الترخيص قبل صدورها، وبخلاف ذلك تكون عرضة لتغريمها وفق أحكام المادة (48) من القانون ذاته، وتكون أيضاً وفق نص المادة (49) من القانون ذاته غير مستفيدة هي ومالكها وناشرها وكتابها وصحافيوها والعاملون فيها من مزايا قانون المطبوعات والنشر ما لم تكن مرخصة ومسجلة وفقاً لأحكامه ومن هذه المزايا ما هو منصوص عليه في المادة (8) من ذات القانون والتي تعطي للصحفي الحق في الحصول على المعلومات وتسهيل مهمته من قبل جميع الجهات الرسمية والمؤسسات العامة وحقه في تلقي الإجابات عما يستفسر عنه من معلومات وأخبار من الجهات المختصة بالسرعة اللازمة وحقه في حضور الاجتماعات العامة وجلسات مجلس الأعيان ومجلس النواب والجمعيات العامة للأحزاب والنقابات والاتحادات والأندية والشركات المساهمة العامة والجمعيات العامة وغيرها من مؤسسات عامة وجلسات المحاكم العلنية وعدم جواز التدخل بعمله في إطار مهمته أو التأثير عليه أو إكراهه على إفشاء مصادر معلوماته .أما بخصوص شمولها بنظام الرسوم رقم (112) لسنة 2008 ساري المفعول حتى تاريخه الصادر بمقتضى المادة (49) من قانون المطبوعات والنشر وتعديلاته فإنه لم يرد ذكر للمطبوعة الالكترونية في المادة (3) منه التي حددت على سبيل الحصر المؤسسات الخاضعة لهذا الرسم ومقدار الرسوم المستحقة لغايات الحصول على الترخيص وبالتالي وعملاً بأحكام المادة (111) من الدستور والتي تنص على أنه :-
(( لا تُفرض ضريبة أو رسم إلا بقانون………….. )) تكون المطبوعة الالكترونية غير خاضعة لرسم الترخيص .
هــذا ما نقـرره بالإجماع بصدد التفسيـر المطلوب .
قـراراً صـدر فـي 17 جمادى الأولـى 1433هجري الموافـق 9/4/2012 ميـلادي
أي أنه لا يجوز فرض رسوم إلا بقانون وليس بأداة أقل من القانون كالنظام أو التعليمات.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف التشريعات القوانين الإعلامية يحيى شقير الحكومة نظام تنظيم الإعلام الرقمي إلغاء الترخیص الحصول على من الدستور وفق أحکام فی المادة التی تصدر فی قانون لا یجوز
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح