صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-02@20:49:02 GMT

سلطة تعبث بالقوانين

تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT

سلطة تعبث بالقوانين

سلطة تعبث بالقوانين

أحمد عثمان جبريل

حين تتحول الدولة إلى خصم، ويصبح القانون أداة في يد الأجهزة الأمنية، لا يبقى من العدالة سوى اسمها، ولا من الدولة سوى هيكلها القمعي.. فما يجري في السودان اليوم، ليس حالة طوارئ عابرة ولا ردود أفعال أمنية، بل نمط حكم يقوم على تعطيل جوهر العدالة، وإخضاع النصوص القانونية لإرادة السلطة العسكرية، بما يجعل الحديث عن دولة قانون حديثًا بلا سند واقعي.

❝ السلطة التي لا تخضع للقانون لا تحكم، بل تُسيطر، والسيطرة مهما طال أمدها لا تُنتج دولة. ❞

—  حنّة آرنت

(1)

تمارس الحكومة السودانية، عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، وعلى رأسها الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة، نمطًا ممنهجًا من القمع ضد المدنيين، يستهدف بصورة مباشرة النشطاء الرافضين للحرب، وأعضاء لجان المقاومة، وقوى ثورة ديسمبر.. ويتجلى هذا النمط في الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج إطار القانون، والمحاكمات الصورية أمام محاكم لا تتوافر فيها أدنى ضمانات العدالة، وفتح بلاغات ملفقة ذات طابع سياسي باستخدام مواد من القانون الجنائي أُفرغت من مقاصدها الدستورية.

(2)

هذه الممارسات لا تقع في فراغ، ولا يمكن فصلها عن مسؤولية السلطة الحاكمة (القيادة العسكرية العليا) التي تسيطر فعليًا على أجهزة إنفاذ القانون، وتوجهها، أو تغض الطرف عن انتهاكاتها.. فحين يُعتقل المدنيون دون أوامر قضائية، ويُحرمون من الاتصال بمحامين، ويُخفَون قسرًا لفترات غير معلومة، فإن المسؤولية لا تقع على المنفذين وحدهم، بل تمتد إلى كل مستوى قيادي سمح، أو أمر، أو تستر على هذه الأفعال، في خرق واضح للدستور الانتقالي، وللقانون السوداني نفسه.

(3)

إن توظيف النيابة العامة وبعض دوائر القضاء لإضفاء غطاء شكلي على قرارات أمنية مسبقة يمثل انهيارًا خطيرًا لمبدأ الفصل بين السلطات. فالقضاء الذي يُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين يفقد استقلاله، ويتحول إلى جزء من آلة القمع.. وفي هذه الحالة، لا تعود المحاكم فضاءً للعدالة، بل مسرحًا لإعادة إنتاج الظلم تحت لافتة القانون، وهو ما يشكل جريمة مركبة بحق الدولة والمجتمع معًا.

(4)

الواقع أنه ومن منظور القانون الدولي، فإن ما يجري في السودان حاليا يرقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وانتهاك الحق في المحاكمة العادلة، وهي أفعال محرّمة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وكلاهما صادق عليهما السودان. وهذه الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، ولا تُبرَّر بالظروف الأمنية، ولا تُحصَّن بالسيادة الوطنية.

(5)

إن المسؤولية القانونية هنا ليست نظرية.. فمبدأ مسؤولية القيادة، المعتمد في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، يُحمّل القادة العسكريين والأمنيين المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي تُرتكب من قبل مرؤوسيهم إذا كانوا يعلمون بها أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.. وعليه، فإن القيادات العسكرية والأمنية السودانية معنية مباشرة بأي مسار مستقبلي للمساءلة الوطنية أو الدولية.

(6)

التوثيق في هذه اللحظة ليس عملًا حقوقيًا محايدًا، بل فعل مقاومة قانونية.. كل حالة اعتقال، كل واقعة إخفاء قسري، كل محاكمة صورية، هي لبنة في ملف مساءلة قادم لا محالة.. والتجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن الإفلات من العقاب قد يطول، لكنه لا يتحول إلى حق مكتسب.. فالدول التي تستهين بالعدالة داخليًا تجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام آليات مساءلة خارجية لا تملك التحكم فيها.

(7)

إن ما هكذا تُدار العدالة، وما هكذا تُحكم الدول. الدولة التي تستخدم قوانينها لإرهاب مواطنيها، وتُسخّر أجهزتها الأمنية لإسكات الأصوات المدنية، لا تحمي نفسها، بل تحفر أساس انهيارها.. فلا استقرار يُبنى على القمع، ولا شرعية تُستمد من الخوف، ولا دولة يمكن أن تقوم بينما القانون يُستعمل كسلاح ضد المجتمع.

بقى ان نقول:”ليست هذه دعوة للشفقة، ولا تسجيل موقف أخلاقي مجرد، بل إدانة سياسية وقانونية واضحة لمسار يضع السودان على طريق الدولة البوليسية”.. إن سلطة تعبث بالقوانين اليوم ستُسأل عنها غدًا، أمام شعبها وأمام التاريخ وأمام آليات العدالة الدولية.. فالقوة قد تُخيف، لكنها لا تُبرئ، والقمع قد يُسكت، لكنه لا يُسقط الحق. وحين يحين وقت الحساب، لن يكون السؤال عمّا إذا كانت الانتهاكات قد حدثت، بل:” من أمر بها، ومن نفّذها، ومن صمت عليها”.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

الوسومأحمد عثمان جبريل الأجهزة الأمنية الحكومة السودانية السلطة السودان القانون القانون الجنائي الدولي القانون الدولي القانون الدولي الإنساني حنة آرنت

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الأجهزة الأمنية الحكومة السودانية السلطة السودان القانون القانون الجنائي الدولي القانون الدولي القانون الدولي الإنساني القانون الدولی التی ت

إقرأ أيضاً:

البحرين تحظر سفر مواطنيها إلى إيران والعراق بسبب التوترات الأمنية

أعلنت وزارة الداخلية البحرينية حظر سفر المواطنين إلى كل من إيران والعراق، في ظل التوترات الأمنية التي تشهدها المنطقة.

وأكدت الوزارة أن القرار يأتي نتيجة تطورات الأوضاع الأمنية، داعية المواطنين إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة حفاظًا على سلامتهم وأمنهم.

وشددت وزارة الداخلية البحرينية على أنها ستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين لقرار حظر السفر إلى الدولتين.

إيرانالعراقالبحرينأخبار السعوديةأخر أخبار السعوديةقد يعجبك أيضاً«حتى إشعار آخر».. البحرين تمنع سفر مواطنيها إلى العراق وإيرانفريق التحرير2 ساعات مضتالداخلية الكويتية: ضبط النزلاء الهاربين وإنهاء عملية ملاحقتهم الأمنية بكفاءة عالية فريق التحرير3 ساعات مضتوزارة الداخلية: انتهى موسم الحج بنجاح.. وبقي الأثر يقصه الرواة ويكتبه التاريخفريق التحرير30 مايو 2026«الداخلية» تدعو المواطنين والمقيمين والزوار لمواصلة الالتزام بأنظمة وتعليمات الحجفريق التحرير26 مايو 2026

مقالات مشابهة

  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • د. مايكل لينك: الأمم المتحدة بلا قوة إلزام فعلية لتطبيق القانون الدولي
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • البحرين تحظر سفر مواطنيها إلى إيران والعراق بسبب التوترات الأمنية
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟