لا بقاء لوحدة الجزائر دون اللسان الجامع في الماضي والحاضر!؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
في لحظة جزائرية مشحونة بالأسئلة التاريخية والرهانات السيادية، حيث يتقاطع الجدل المتجدد حول قانون تجريم الاستعمار مع تصاعد التوتر في العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، يعود النقاش حول الهوية الوطنية إلى صدارته بوصفه معركة وعي لا تقل خطورة عن معارك السلاح.
وفي هذا السياق، يكتب الباحث الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان نصًا فكريًا ـ سياسيًا لـ "عربي21"، يتجاوز السجال الظرفي ليضع مسألة اللغة في قلب الصراع على الذاكرة والسيادة ووحدة الدولة، معتبرًا أن ما فشل فيه الاستعمار بالقوة العسكرية، ما زال يسعى إلى تحقيقه عبر أدوات ثقافية ولسانية ناعمة، تهدد بتفكيك الأسس الجامعة التي قامت عليها الجزائر الحديثة.
اختلاط الأنساب والأعراق في الجزائر
إن اختلاط الأنساب والأعراق في الجزائر داخل بوتقة الإسلام وثقافته الربانية إيمانا وإنسانا ولسانا يعتبر من أفضل نعم الله على هذا الوطن المفدى بأغلى الأثمان من قبضة المحتل الغاشم بفضل وحدة الشعب المتلاحم وإرادة أفراده عبر القرون كأعضاء الجسد الواحد كما يصفه الإمام عبد الحميد ابن باديس (القبائلي ) الوطني وصفا دقيقا وبديعا بقوله :"إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ وحّد بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في الشدة والرخاء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام".
ويقول عن فرنسا ذاتها، متخذا الحجة من واقعها الحالي على أرضها وشعبها المكون من شتى الأصول السلالية والثقافية، وخاصة من أقطارنا المغاربية المسلمة العربية "الوطنية منها والحرْكية (بتسكين الراء)".
"إن اختلاط الدماء في فرنسا والدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما نجد على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل ـ نظرا للأكثرية ـ لم يمنع من أن تكون فرنسا أمة واحدة، وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا، يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات، وجودا محليا، وجهل عدد قليل بالعربية، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال".
هذا هو مفهوم العروبة النوفمبرية المكتسبة بالانتساب الاختياري، وليس بالإكراه الاستحلالي والاستدماري، كما حاول المحتلون أن يفرضوه منذ قرون، وما يزالون يحاولون ويأملون في البقاء والعودة من النافذة الثقافية واللغوية، بعد أن أخرجوا من الباب العسكري والسياسي والوطني الترابي (الجغرافي والديمغرافي).
"إن اختلاط الدماء في فرنسا والدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما نجد على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل ـ نظرا للأكثرية ـ لم يمنع من أن تكون فرنسا أمة واحدة، وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا، يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات، وجودا محليا، وجهل عدد قليل بالعربية، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال".إن هذه العروبة الإسلامية الاختيارية، هي التي أخرجت أبا لهب (القرشي) من الأمة المحمدية، وأدخلت بلالا الحبشي وصهيبا الرومي وسلمان الفارسي، وجعلتهم جميعا من الصحابة المقربين. بل ومن آل البيت أنفسهم في المؤمنين !!
وهذا الباب ما يزال مفتوحا لكل مسلم على وجه الأرض، كما ورد في الحديث الشريف: "ليست العربية (أي العروبة بالمعنى الباديسي) بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي باللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي".
وإن تعلّم أي فرد مسلم للعربية وإتقانها كأهلها أو أفضل منهم، هي مسألة في متناول كل إنسان سليم الحواس موفور الإرادة، ككل الأسلاف في شمال أفريقيا بعد الفتح الإسلامي، واستبدال العربية القرآنية بالبونيقية والرومانية.
وهذه العلاقة العضوية بين الإسلام والعربية، هي التي كونت الهوية الوطنية لشعوب كل البلاد المسلمة، الناطقة بالعربية في القارة الأفريقية والآسيوية الحالية.
وإن مطالب الشعب السينغالي المسلم للتبني الرسمي والوطني للغة العربية بدل الفرنسية، لأقوى دليل على ما نقول!؟
ولذلك، يتعين علينا هنا رفع اللبس الذي يكتنف هذه المغالطة الكبرى التي يرددها بعض المتجنسين الجدد عندنا (عن أمية وجهالة أو عن خبث وتواطؤ وعمالة)، لتجريم بيان الشهداء الذي كرس تطبيقه تلك الوحدة الرائعة التي حققت الاستقلال الذي ما يزال يتطلب الاستكمال بالتخلص الكامل من مخلفات الاحتلال المتربص بالاستقلال رغم تغير الوسائل والأحوال وتبدل الرجال؟!
وهنا يجب أن نقف قليلا لكشف مغالطة تتمثل في ادعاء بعض المغرضين (عن جهل أو قصد) لرفع المظلومية عن مكون أو حقبة من تاريخ الذات الوطنية، المتمثلة في ما يسمونه بالبعد النوميدي البربري (أو الأمازيغي) للهوية الوطنية الجزائرية، التي أهملها البيان (الباديسي النوفمبري) حسب زعمهم، وكأنهم اكتشفوا البارود بهذه الهوية الثلاثية التركيب أو الترتيب (عربية بربرية إسلامية)، الموجودة كحلقة من أطوار التاريخ الوطني في الاتجاه العمودي عبر الزمان، وتتمثل في كون الهوية الوطنية الجزائرية أو المغاربية والعربية عموما، هي بربرية عربية إسلامية، أو بابلية عربية إسلامية، أو سريانية عربية إسلامية، أو فرعونية عربية إسلامية، أو كنعانية عربية إسلامية. ولكنها في الاتجاه الأفقي في المكان الواحد، هي عربية إسلامية فقط، أو بربرية إسلامية فقط، أو فرنسية إسلامية فقط، مثلما كانت طوال 132 سنة تحت الاحتلال.
وإن أي طرح لهذه الهوية الثلاثية المركبة على هذا النحو المغالط والمريب، لا تكون نتيجته الحتمية إلا تمزيق الوطن الواحد والشعب الواحد، في إطار (الجزائر الجزائرية بغنيمة الحرب الفرنسية)، إلى أشتات لا حصر لها من الشعوب والهويات القومية والطائفية والعرقية والعنصرية، على أساس اختلاف اللهجات المحلية على المدى القريب والبعيد، مثل بعض الدول الأوروبية الغربية الحالية ( كفرنسا ورومانيا وإيطاليا و بلجيكا وإسبانيا والبرتغال) التي استقلت لهجاتها المحلية المشتقة من اللاتينية أصلا تحولت إلى لغات وطنية ورسمية مستقلة بذاتها ولا تتعامل فيما بينها إلا بالمترجمين في اجتماعات الاتحاد الأوروبي حاليا كما نشاهد على المباشر !!؟؟
علما أن هذا التحول اللساني عندنا في بلدان شمال افريقيا. تم بالاختيار الحر للأغلبية السكانية حبا للعربية بعد إسلامها الإرادي الحر وليس بالإجبار على الإطلاق، كما قلنا، ولو كنا غير ذلك لما قدمنا الملايين من الشهداء لنظل عربا مسلمين، وقد كانت أمام شعوبنا الفرصة السانحة لأكثر من قرن من ظلام الاحتلال لنرتد عن الإسلام لو كنا مكرهين عليه وعلى لسانه، كما يروج المرتدون عندنا وما يزالون يرددون ذلك مع المرجفين على الضفتين!ويتبين من روح البيان النوفمبزي الذي تحقق الاستقلال بفضل تطبيقه الصادق بالرجال المخلصين ، أن الجزائر وإن انهزمت عسكريا بعد وقوعها تحت الاحتلال الفرنسي المديد والفريد، فأنها لم ترضخ يوما ولم تستسلم قط لإرادة المحتل في مسخ الهوية الوطنية (بالفرنسة والتنصير).
وطوال 132 سنة من الاحتلال الكامل والشامل لم تعرف المقاومة الشعبية تحت لواء الإسلام والعربية معنى الراحة، وقد سارت هذه المقاومة في خطين متوازيين (ثقافي هوياتي وسياسي جهادي) دون هوادة أو انقطاع، حتى الاستفتاء على تقرير المصير في 3 تموز/يوليو 1962، الذي تم بموجب نتائجه الساحقة والشفافة أمام أعين العالم كله بـ 97 % (بنعم) للاستقلال الوطني، في إطار السيادة الكاملة والمعاملة بالمثل مع الدولة الفرنسية على الورق الموقع أمام الأشهاد، باعتراف الجنرال دوغول ذاته عشية يوم الاستفتاء على تقرير المصير، لتبدأ مرحلة جديدة لاسترجاع الجزائر باليسرى الفرنسية والعمالة المحلية، بعد أن افتكها الشهداء باليمنى الوطنية القوية، كما يوحي بذلك رئيس وزراء فرنسا في خطاب له ألقاه في المجلس الوطني الفرنسي بمناسبة توقيف الحرب مع الجزائر وذلك يوم 20 آذار/مارس 1962، أي في اليوم التالي من دخول توقيف القتال حيز التنفيذ، قال فيه حرفيا: "وإذا توقف القتال الذي بدأناه منذ 132 سنة.. (أي سنة 1830)، فإننا سنواصله بطرق أخرى"!!؟؟
وهذا ما تم التخطيط له بالفعل ويجري تنفيذه بكل الوسائل منذ توقيف ذلك القتال ضد الاحتلال المباشر، لتبدأ مرحلة الاستحلال التي تحدث عنها رئيس الوزراء الفرنسي الأنف الذكر، وهي التي حولت فيها اللغة الفرنسية من "جريمة حرب" في جزائر الاحتلال، إلى "غنيمة حرب" تحت راية الاستقلال في الاستحلال.!؟
(انظر مقالنا المفصل حول هذا الموضوع في عربي 21 ليوم 10 تموز/يوليو 2023).
وإن تجريم الاستعمار الفرنسي الذي صدر قانون سيادي بشأنه في المجلس الشعبي الوطني على أهميته وإن تأخر أكثر من نصف قرن فإن هذا التجريم للجرم قد حصل بالفعل وسجل في التاريخ وانتهى إلى الحفظ الأبدي في ذاكرة الأمة لأجيال عديدة متعاقبة خلفا عن سلف في الزمان والمكان!؟
طوال 132 سنة من الاحتلال الكامل والشامل لم تعرف المقاومة الشعبية تحت لواء الإسلام والعربية معنى الراحة، وقد سارت هذه المقاومة في خطين متوازيين (ثقافي هوياتي وسياسي جهادي) دون هوادة أو انقطاع، حتى الاستفتاء على تقرير المصير في 3 تموز/يوليو 1962،ومن ثم فإصدار قانونه الرسمي أو إنكار وجوده (المتسبب في تاخير صدوره من المجرم ذاته أو بعض المستخلفين من وكلائه واعوانهم في السوسة المدسوسة) فإنه يظل ظاهرا ومحفورا على أجساد المعذبين الأحياء وجماجم الأبطال في متاحف المجرمين من الأعداء أنفسهم لا يلغي وجوده من صفحات التاريخ الوطني وذاكرة الأمة على الإطلاق ولا يسقط بالتقادم لأنه جرح غائر ودائم!؟
أما الضربة الحقيقية الموجعة للاستعمار الفرنسي الماضي والحاضر والمستقبل في جزائر الشهداء والضحايا الأبرياء فهو القانون السيادي الشعبي الدستوري المتعلق باستعمال اللغة الوطنية الذي اعتمد بالإجماع في المجلس الشعبي الوطني وصدر في الجريدة الرسمية. للجمهورية الجزائرية بإمضاء الرئيس الشاذلي بن جديد في ديسمبر 1989 وجدد آصاره الرئيس المجاهد الوطني اليمين زروال سنة 1998 واهمل القانون مرة أخرى (نكاية به) بعد استقالة الرئيس المجاهد الصادق لأسباب ليست بعيدة عن إكراهات متعلقة بتطبيق القانون ذاته الذي كان الرئيس زروال عازما على إخراجه من القبر إلى القصر وأسس من اجله المجلس الأعلى للغة العربية (الذي شرفني بتعييني عضوا عاملا فيه) ففقدنا استقالتي المبرر منه احتجاجا وتضامنا مع استقالة الرئيس مكرها وبقي التجميد والتطبيق في مستهل الطريق حتى هذه اللحظة!!؟؟
ولم نشهد له إلا التعويق بعد ثلث قرن من صدوره من المجلس الشعبي الوطني بالإجماع في يوم بهيج مهيب فيما اذكر مع كل الوطنيين (المعربين والمفرنسين) من كل الجهات والفئات الأصيلة (غير العميلة ) لان الوطنية في الجزائر ليست حكرا على عالم أو جاهل بالعربية لأسباب "استدمارية" عنصرية فرنسية، مما حدا بأحد الوجوه الوطنية المجاهدة في كل الأطوار التي سبقت الاستقلال وأعقبت الاحتلال وعاشت بواكير الاستحلال وهو الصديق والرفيق المرحوم مولود قاسم المصرح يومها احتفاء وابتهاجا بهذا القانون الذي طال انتظاره مثل قانون التجريم ذاته كالفجر (بعد ليل طويل ) وقد عم الدنيا الابتهاج به مثل يؤمنا هذا بقانون التجريم من كل أعضاء البرلمان كما شاهدهم كل العالم المتابع على المباشر وأذكر أن فقيد الجزائر الغائب الحاضر مولود قاسم قال عن قانون اللغة العربية إنه بمثابة بيان اول نوفمر الثاني بل هو أهم منه كما قال لأنه يتعلق بمصير وحدة الجزائر!؟!؟
وقد تداول على رئاسة البلاد ستة رؤساء حتى الآن دون أن نشهد تطبيقه في إدارة البلاد أو إلغائه من قائمة القوانين الشعببة السيادية التي عرفتها الجزائر في كل أطوارها (المتقلبة ) بعد سنوات الاستقلال الظاهر عن الاحتلال المتستر بالاستحلال الحاضر والقاهر!؟
تلكم هي المهمة النوعية الأصعب في نظرنا، التي يجب أن يضطلع بها كل الرفقاء الوطنيين في جميع المستويات والجهات، القائمين بالمهمة المتواصلة ضد الاستحلال في الاستقلال.!؟
ويشاء الحكيم العليم الذي ربط الإسلام بلغة القرآن، وجمع الإثنين في المصير المشترك للهوية الوطنية (العربية الإسلامية )التي لا تقبل الانفصال أو الانفصام كما أثبتنا، يشاء أن يجمع كاتب هذه السطور مع إخوان ابن باديس وتلامذته في عضوية المجلس الإسلامي الأعلى للدولة الجزائرية، وفي الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية في أرضها، بعد ستة عقود من الاختفاء الظاهر لبعض المظاهر المتعلقة بالاحتلال المباشر.
وتبقى أم الأولاد المقهورة من ضرتها الفرنسية (غير الشرعية)، لتؤسس لها جمعية أهلية تدافع عنها بدل تطبيق الدستور الوطني القائم والصارخ بمادته الثالثة (العربية هي اللغة الوطنية والرسمية)، منذ سنة 1963 في الجزائر المستقلة ذات السيادة في مواد الدستور دون تطبيق في هذه المادة السيادية اليتيمة بامتياز !!
أقصد اللغة العربية جوهر الهوية الوطنية، المتضمنة في المبادئ النوفمبرية للجزائر المسلمة العربية، وليس (للجزائر الجزائرية بغنيمة الحرب الفرنسية ) التي خطط لها الجنرال دوغول (انظر مقالنا في عربي 21، ليوم الجمعة 19 ديسمبر 2025) وترك تنفيذ الوصية للورثة من بعده في الاستحلال بعد توقيف القتال كما ورد في كلام رئيس وزرائه الآنف الذكر !!.
ولولا ثوابت تلك الهوية الوطنية المتميزة (لسانا ودينا ووجدانا) كما حددها بيان الشهداء، وطبقها الشعب الموحد المحتضن لثورة الجهاد، وظل وقودا لها طوال اشتعالها (مثل أهل فلسطين الأشداء المرابطين على أرضها الآن )، ما كانت لتقوم ، تلك الثورة المباركة أصلا فضلا عن أن تنجح، لو كان عندنا يومها شعبان مختلفان في تصور وتعدد وتناقض ثوابت الهوية الوطنية (العمودية والأفقية )، كما فصلناها آنفا، لرفع اللبس وتوضيح الأمور، وفضح كل تلاعب بالكلمات بين السطور.!!!
وهنا تكمن القضية الجوهرية في وحدة الهوية والوحدة الوطنية التي أخرجت الاحتلال من الباب، وفي نفسه الشيء الكثير من الحقد عليها، ليراوغها ويتجاوزها بما تركه في إدارتها، كما عبر عن ذلك الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي (ابن باديس الثاني)، في خطبته التاريخية عند استرجاع مسجد كشاورة إلى وظيفته التي وجد من أجلها، وحافظت عليها الأجيال المتعاقبة التي لم يتغير الله في قلوبها نصا وروحا حتى الآن، كما يتمثل ذلك في تدشين جامع الجزائر الأعظم، الذي يعدّ أكبر ثالث مَعْلَم إسلامي بعد الحرمين الشريفين فوق الكرة الأرضية، والذي شيد في مكان الكنيسة التي كان قد شيدها أحد غلاة الفرنسة والتنصير لتحقيق حلم (الجزائر الفرنسية)، قبل حرب التحرير وتقرير المصير الأخير.
وهذه هي مهمة الدولة الوطنية والشعب الأبي وجمعية العلماء المسلمين وكل الرجال المخلصين الراحلين والقائمين على النهج القويم، أوفياء للوطن والدين غير مبدلين ولا مغيرين، إلى أن يقف الجميع أمام الديان يوم الحساب والعقاب مع الأولين والآخرين، والعاقبة للمتقين الثابتين على العهد والنهج القويم إلى يوم الدين !؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير الجدل الجزائرية الهوية اللغة الجزائر لغة هوية جدل سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الهویة الوطنیة عربیة إسلامیة فی الجزائر فی فرنسا
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.