قصة العرب والأتراك والأكراد في سوريا
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
كنت أنوي أن أجري تحليلا جيوسياسيا لتطورات الأوضاع في سوريا وما شهدته مؤخرا، وأن أكشف عما يجري خلف الكواليس، متناولا دور تركيا في هذه المرحلة.
لكنني، كشخص شهد على زمن الازدهار في سوريا، وعلى الحرب الأهلية، وأيام الثورة، وسمع قصص الألم التي عاشها ملايين اللاجئين من العرب والتركمان والأكراد السوريين، شعرت بأن عليّ أن أنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.
لا أعتقد أن التحليلات الجافة الباردة، أو الأخبار الجيوسياسية، قادرة على عكس العالم الداخلي الحقيقي، أو أن تروي الحكايات والمعاناة التي عاشتها شعوب هذه الجغرافيا. فروابطنا، وتاريخنا المشترك، وعلاقات القرابة بيننا، أظنها أقوى من كل الآليات الجيوسياسية في مساعدتنا على حل مشكلاتنا.
شعوب متشابهةقبل أيام قليلة، التقيت بمجموعة من الصحفيين الشباب، وناقشنا خطط التغطية الإخبارية حول سوريا. وحين علمت أن أحدهم عربي سوري، تفاجأت كثيرا؛ لأن لغته التركية كانت أفضل من لغتي!
كان أحدهم كرديا، ومع ذلك لم نكن نعي هوياتنا العرقية، فقد سادت بيننا أجواء من الود والإخلاص. لقد جمعتنا ثلاث روابط:
نحن شعوب تتشابه، وتتأثر ببعضها، وتغني بعضها بعضا.
ابنتي الصغيرة كانت تتجه إلى منزل عائلة سورية لتناول طبق فلافل رائع أعدوه، بينما أكتب هذا المقال. كانت تعشق طعامهم وحلواهم. أما أنا، فأعشق الأطعمة التي يطبخها أكراد ديار بكر. وأظننا جميعا لا نستطيع أن نقاوم البقلاوة العنابية.
نحن كعيون الماء التي تصب في بحر واحد، وتختلط مياهه في تيار مشترك، كلنا في النهاية نسير نحو المصب ذاته.
نؤمن إيمانا راسخا بأن الأخوة الإسلامية ستكون مفتاح حل مشكلاتنا؛ عربا وأكرادا وأتراكا. لكن من جهة أخرى، علينا أن ندرج هذا المفهوم في دساتيرنا، وقوانيننا، وأنظمة حكمنا
آلام الأيديولوجيات العمياء والدول الأجنبيةحين أعلن السفير الأميركي لدى أنقرة، والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، أن العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قد انتهت، قوبل ذلك بغضب عارم في ذلك المعسكر.
إعلانوأكثر ما آلمني في هذه الأحداث، كان مقطع الفيديو الذي نشره الفنان الكردي الكبير شيفان برور، وهو يبكي بحرقة في منزله بألمانيا، ويتوسل إلى الولايات المتحدة ألا تترك الأكراد.
لقد أحببت أغاني هذا الفنان، وتألمت كثيرا لرؤيته في تلك الحال. ومقتّ أولئك الذين خدعوه وقالوا له إن "الأكراد يذبحون" فقط ليستدروا دموعه.
في تركيا، أقدم بعض الانفصاليين الأكراد على إنزال العلم التركي في نصيبين وإحراقه.
اللون الأحمر في العلم التركي يرمز إلى دماء الشهداء، وضمن هذه الدماء دماء الأكراد والعرب أيضا. هذا التصرف أغضبنا بشدة.
وفي أوروبا، كان بعض العرب من الطائفة العلوية يرسلون رسائل من غرفهم الوثيرة يحرضون فيها الأكراد على الثورة ضد الأتراك ونظام دمشق.
كيف يمكن أن يحدث كل هذا؟ الجواب في سببين اثنين:
أحد الناطقين باسم "وحدات حماية الشعب" (YPG) قال إنهم على اتصال بإسرائيل، وإنهم سيدافعون عن أنفسهم ضد نظام دمشق بدعم من الإسرائيليين.
آخرون سعوا إلى التواصل مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام عبر إسرائيل، واعتقدوا أن إطلاق التهديدات من هناك سيكون مفيدا للأكراد، كما ظن بعض الدروز أن الدعم الإسرائيلي سينفعهم.
حين نستسلم للأيديولوجيات العمياء -سواء كانت الاشتراكية المتطرفة لـ"بي كا كا" (PKK)، أو الفكر التكفيري لتنظيم الدولة- نصبح غرباء عن بعضنا البعض، وتصبح مهمة الدول الأجنبية أسهل بكثير. لقد استفادت الولايات المتحدة و"إسرائيل" من ضعف شعوب المنطقة؛ بسبب اقتتالها، فتمكنتا من التمدد في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن.
إلى متى ستظل سوريا تتألم؟ما معنى أن تعيش ستين عاما تحت دكتاتورية أقلية؟
ما معنى أن يقتل أكثر من مليون إنسان في حرب أهلية استمرت أربعة عشر عاما؟
ما معنى أن يجبر ثمانية ملايين إنسان على ترك منازلهم وأراضيهم؟
لا يفهم هذه الأسئلة إلا من رأى سوريا بعينيه، أو سمع من أبنائها، أو عاش في أرضهم.
عندما كنت أمشي في ممرات سجن صيدنايا، تلك الممرات التي تعبق برائحة الجثث المحترقة، شعرت بعمق تلك العقود الستة من الاستبداد.
وحين التقطت صورة في مسجد بحلب، كان مقاتلو المعارضة وجنود النظام يتقاتلون داخله، أدركت كيف أفقدت الحرب الناس عقولهم.
وعندما رأيت جسد الطفل السوري إيلان الكردي على شاطئ البحر المتوسط، غريقا في محاولته الوصول إلى أوروبا، عرفت معنى ألم اللاجئين.
سوريا بلد سكنته شعوب ذاقت كل أشكال الألم، واحتفظت بهذه الآلام في أعماق الذاكرة والعاطفة. كل الهويات العرقية، وكل الأديان والمذاهب، نالت نصيبها من الجراح. لم ينجُ أحد من الموت أو التهجير أو الوجع. فإلى متى ستظل سوريا تنزف؟
الامتحان الكبير الذي ينتظر أنقرة ودمشقعندما أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوما يضمن الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، وجه بعدها رسالة مصورة أكد فيها على "أخوة المسلمين". حين استمعت إلى كلماته، شعرت أن هذا الخطاب أهم بكثير من أي مكسب جيوسياسي.
وبينما أكتب هذه السطور، كان الرئيس رجب طيب أردوغان يخطب في أنقرة، ويؤكد أن الأكراد والعرب والأتراك إخوة في الدين، وأن الوقت قد حان ليتعانقوا من جديد.
نحن نؤمن إيمانا راسخا بأن هذه الأخوة الإسلامية ستكون مفتاح حل مشكلاتنا. لكن من جهة أخرى، علينا أن ندرج هذا المفهوم في دساتيرنا، وقوانيننا، وأنظمة حكمنا.
في تركيا، مع انطلاق "مسار تركيا بلا إرهاب"، وفي سوريا، مع بدء تفعيل المرسوم الجديد وضمان الحقوق بقوة القانون، سيجد الأكراد والعرب والأتراك حياة أكثر استقرارا وطمأنينة، لا شك في ذلك.
لقد ذقنا من الألم ما يكفينا. آن الأوان لفتح صفحة جديدة. علينا أن نمنع الأيديولوجيات العمياء، والدول الأجنبية، والأفكار الانفصالية من التسلل إلى صفوفنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی سوریا
إقرأ أيضاً:
ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟
أعلن الرئيس الأمريكي تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم باراك، مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق، مشيدًا بالأداء الذي قدمه في منصبه الدبلوماسي، معتبرا أن ذلك في إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي دمشق وبغداد.
وقال ترمب، عبر منصة تروث سوشيال»: «سيستمر باراك في منصبه كسفير لدى تركيا، وسيعمل بدعم كامل من وزارة الخارجية الأمريكية»، معربا عن تقديره للعمل الذي أنجزه، واستعداده الدائم لخدمة الولايات المتحدة.
توم براك- توم باراك حفيد لمهاجرين لبنانيين.
- يجيد التحدث باللغة العربية والفرنسية والإسبانية واللغة الإنجليزية،
- حاصل على شهادة البكالوريوس في الآداب من جامعة جنوب كاليفورنيا.
- حصل على شهادة الدكتوراه في القانون من كلية الحقوق بجامعة سان دييجو.
- بدأ حياته المهنية محاميا متخصصا في الشؤون المالية والتمويل.
- عمل لفترات في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
- عمل في صحيفة «وول ستريت جورنال».
- أسس شركة «كولوني كابيتال» المعروفة باسم «ديجيتال بريديج»، وتولى سابقا منصب الرئيس التنفيذي للشركة.
- تولى إدارة مجموعة روبرت إم. باس الشهيرة في فورت وورث بتكساس.
- في عام 1982 عينه الرئيس رونالد ريجان نائب وكيل وزارة الداخلية الأميركية.
- وفي عام 2016 اختاره ترمب ليتولى رئاسة التنصيب الرئاسية.
- وفي عام 2025 عُين سفيرا لأمريكيا لدى تركيا ومبعوثا خاصا إلى سوريا.
واشنطن تعلن تعطيل سفينة ترفع علم جامبيا بخليج عمان كانت في طريقها إلى إيران
تل أبيب مصرة على إبقاء قواتها في لبنان إذا خدمت التطورات الميدانية رؤيتها
ترامب: نحصل على ما نريده من الإيرانيين ببطء.. وقد ننهي الصراع بطريقة مختلفة