ما هي عقيدة مونرو؟ وما علاقتها بترامب؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
يمكن القول بداية أن الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترامب أصبح يشكل تهديدا حقيقيا للقانون الدولي، ومجموع القواعد القانونية المؤطرة للعلاقات الدولية التي تضمن سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها بعيدا عن التدخل الخارجي.
ما حصل بعد عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو هو حقا انقلاب على ما راكمته البشرية من أطر قيمية ومعيارية منذ الحرب العالمية الثانية.
كثيرة هي الأسئلة التي تطرح في هذا السياق الدقيق من تاريخ البلد البوليفاري، وتاريخ دول أميركا اللاتينية، خصوصا تلك التي لا تتقاطع مع المصالح الإستراتيجية الأميركية؛ نذكر على الخصوص المكسيك، وكولومبيا، ونيكاراغوا، وكوبا.
ما هي السيناريوهات المطروحة لما بعد مادورو؟ وما هي المحركات الحقيقية للرئيس ترامب؟ هل نشر الديمقراطية، وتعميم منظومة حقوق الإنسان الكونية على باقي دول العالم، أم إن الأمر يتعلق بمصالح أميركية صرفة، ارتباطا بمصادر الطاقة الأحفورية من بترول وغاز، ومعادن نفيسة تحتاجها الصناعات الأميركية المتطورة، على اعتبار أن احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا هي الكبرى على الصعيد العالمي؟
ما مدى فاعلية القانون الدولي في تدبير فائض القوة لدولة مثل الولايات المتحدة الأميركية؟ إلى أين تسير البشرية، خصوصا بعد تهديدات ترامب باحتلال جزيرة غرينلاند الدانماركية، وإبداء رغبته في تنصيب وزير خارجيته ماركو روبيو رئيسا على كوبا، وإسكات أي صوت معارض، حتى وإن كان حليفا أوروبيا أو غربيا أو ينتمي إلى حلف "الناتو"؟
عقيدة مونرو، إطار مفهومي لفهم ما يجري من أحداثترتبط هذه التسمية بالرئيس الأميركي "جيمس مونرو"، الذي تولى منصبه بين عامي 1817 و1825. وتعتبر عقيدة مونرو هذه، بمثابة الغطاء السياسي لرغبة الولايات المتحدة الأميركية في بسط نفوذها والهيمنة على عمقها الإستراتيجي في أميركا اللاتينية، باعتباره امتدادا طبيعيا لأمنها القومي. إنها تبرير للتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار.
إعلانعادت اليوم هذه العقيدة إلى واجهة السياسة الخارجية الأميركية بشكل واضح، خصوصا بعد إعلان الولايات المتحدة الأميركية يوم 5 ديسمبر/ كانون الأول 2025 عن وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي.
وهي وثيقة يمكن اعتبارها بمثابة إعادة ترتيب للأولويات الأميركية، وإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة الأميركية إستراتيجيا وجيوسياسيا في العالم، بعد حوالي أربعين عاما من الالتزامات التقليدية التي لا تخدم دائما بالضرورة مصالح أميركا الإستراتيجية والاقتصادية، مثل حماية أمن إسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط، وتأمين سلامة الممرات البحرية للتجارة الدولية.
وهو موضوع لا يعني فقط الولايات المتحدة الأميركية، بل ينبغي على مجموع دول العالم الانخراط في هكذا معارك؛ ضمانا للأمن والسلم العالميين، حسب ما يفهم من مضامين الوثيقة.
تعتبر وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي تطويرا لمضامين عقيدة مونرو، التي تراهن بالأساس على حماية نفوذ المصالح الأميركية وأمنها القومي في الأميركتين، مع دعم الدول التي تتقاطع مع المصالح الإستراتيجية الأميركية في المنطقة بعيدا عن تأثيرات وتدخلات الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والتي يحظر عليها وفق عقيدة مونرو دخول فضاء التأثير والحضور الأميركي.
هذا بالضبط ما يفسر تعهد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بإعادة هيمنة الولايات المتحدة الأميركية العسكرية على نصف الكرة الغربي، وشروع واشنطن عمليا في تغيير سياساتها للأمن القومي تجاه دول الجوار، باعتبارها عمقا إستراتيجيا لها.
وهو ما تجلى بشكل واضح في اعتقال نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2026، والتلويح بتغيير النظام السياسي في كوبا، والتهديدات المتلاحقة باحتلال جزيرة غرينلاند الدانماركية، والعمل على إحداث انشقاقات داخل حلف "الناتو"، بعدما أرسلت مجموعة من الدول كفرنسا، وألمانيا، والسويد، والنرويج جنودها إلى هناك؛ في إشارة إلى ترامب لكبحه عن القيام بأي فعل قد يضر بالمصالح الأمنية والإستراتيجية لمجموع الدول المشكِلة للحلف.
ثلاثة متغيرات مؤثرة في سيناريوهات مرحلة ما بعد مادورو أولا: السيدة ديلسي رودريغيز، رئيسة فنزويلا المؤقتة بعد ضوء أخضر من المحكمة العليا ودعم الجيش- الذي يعتبر جزءا من الحركة الثورية البوليفارية في فنزويلا- حضرت إلى البرلمان الفنزويلي في 15 يناير/ كانون الثاني 2026 بمناسبة عرض التقرير السنوي للتدبير الحكومي على أعضاء البرلمان، باعتباره تقليدا دستوريا للقصر الفدرالي التشريعي كما يسمى في فنزويلا البوليفارية؛ في مناسبة عرفت حضور سفراء مجموعة من الدول الأجنبية، والسلطات الحكومية.لكن مناسبة هذه السنة لم تكن مثل المناسبات السابقة، حيث شهدت تقديم مجموعة من مشاريع القوانين داخل قبة البرلمان، في إشارة إلى أن فنزويلا قد تدخل مرحلة جديدة لاستثمار رأس المال الأجنبي لاستغلال مواردها الطاقية وتوظيف عائداتها في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتربية، وباقي الخدمات الاجتماعية، وقطاع البنى التحتية.
وهي قطاعات عانت سوء التدبير في السنوات التي عرفت حكم الرئيس السابق نيكولاس مادورو.
إعلانمشروع القانون الأول الذي قدمته رئيسة فنزويلا المؤقتة، هو مشروع قانون إصلاح القانون المتعلق بمصادر الطاقة وقطاع الهيدروكربونات من أجل جلب الاستثمار الأجنبي، وهي خطوة ضرورية لأجل النهوض بالقطاع، وتعزيز منظومة العدالة الاجتماعية، خصوصا أن مجموعة من الحقول النفطية تحتاج إلى استثمارات ضخمة تعجز ميزانية الدولة على تحمل كلفتها.
كما أن منظومة تسعير الأثمنة في القطاعات التجارية والاقتصادية هي منظومة متوافق عليها، ويحظر التلاعب بها كما جاء في شروحات ديلسي رودريغيز المقدمة لأعضاء البرلمان.
مشروع القانون التنظيمي الثاني يتعلق بحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، في إشارة إلى توظيف مداخيل النفط في مجال القطاعات الاجتماعية الحيوية المتضررة من فترات الحكم، وتدبير الشأن الاجتماعي السابقة.
هناك مشروع قانون تنظيمي ثالث يسمى قانون تسريع المساطر الإدارية، وهو نموذج لمواجهة حالة الحصار الاقتصادي الذي تعانيه فنزويلا.
ويروم بالأساس تشجيع رأس المال الأجنبي لدخول فنزويلا للاستثمار في قطاع البنى التحتية للحقول النفطية بالبلد. هذا، وأكدت الرئيسة المؤقتة من داخل البرلمان على تكليف الفريق القانوني بمواصلة العمل من أجل تقوية وتصليب المنظومة القانونية المعيقة للاستثمار الأجنبي؛ لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية للمواطنات والمواطنين الفنزويليين.
هذا، وجدير بالذكر، أن ديلسي رودريغيز، شددت في معرض حديثها أمام البرلمانيين على أن العدوان الأميركي على فنزويلا يشكل نقطة سوداء في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وفنزويلا، مؤكدة أن السياق السياسي بعد عدوان 3 يناير/ كانون الثاني 2026، دفع فنزويلا إلى تبني الخيار الدبلوماسي من أجل إنهاء الخلاف، كما أن فنزويلا من حقها تعزيز علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الصين، وروسيا، وإيران، وكوبا، وكل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية؛ باعتبار فنزويلا بلدا حرا ذا سيادة.
سواء تعلق الأمر بكلام الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، أو أخيها خورخي رودريغيز رئيس البرلمان الفنزويلي، فإنه من الواضح أننا أمام محاولة تدشين مرحلة جديدة في تاريخ فنزويلا السياسي، رغم تأكيد الأولى أن منطلقات ومضامين عقيدة "مونرو" تناقض تطلعات الحركة البوليفارية، وأن المكان الطبيعي لنيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس هو فنزويلا.
ثانيا: استقبلت ديلسي رودريغيز في نفس اليوم، 15 يناير/ كانون الثاني 2026، مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف، وهو مسؤول أعلى منصب يزور البلد بتكليف من الرئيس دونالد ترامب بعد أسبوعين من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، كما صرحت وسائل الإعلام الأميركية.استغرق اجتماع الطرفين ساعتين، وكان الهدف هو فتح قنوات التواصل، وخلق أجواء الثقة بين البلدين. هذا، وناقش الطرفان كذلك، آفاق التعاون الاقتصادي وتنسيق الجهود حتى لا تصبح فنزويلا بلد لجوء بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة الأميركية.
ثالثا: نفس اليوم كذلك، أي 15 يناير/ كانون الثاني 2026، عرف اجتماع زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بالبيت الأبيض في واشنطن، من أجل التداول في مستقبل فنزويلا، ودورها في عملية الانتقال السياسي.يشار إلى أن ماتشادو مُنعت من الترشح في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، والتي عرفت فوز الرجل الثاني في المعارضة الدبلوماسي إدموندو غونزاليس، المعترف به كرئيس للبلد من طرف دول عديدة عبر العالم، رغم عدم نشر محاضر أشغال هذه الانتخابات إلى اليوم.
هذا، ويدرك الرئيس ترامب أن زعيمة المعارضة الفنزويلية لا تملك من المؤهلات، ما يمكّنها من قيادة المرحلة، حسب تصريحات الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت.
إعلانلذلك فهو يراهن على الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، بعدما أعطت هذه الأخيرة أكثر من إشارة تدل على عزمها تدشين مرحلة جديدة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، علاقة أقل ما يمكن أن يقال عنها، أنها مختلفة عن سابقتها.
فهل هي خلافات سياسية آن أوان حسمها داخل الحركة الثورية البوليفارية في فنزويلا بين جناح نيكولاس مادورو، وجناح آخر يحاول الضغط على ديلسي رودريغيز، أم هو سياق جديد وغير منتظر ألزم الجميع بتدبير مرحلة دقيقة وصعبة من تاريخ فنزويلا، تدبير يستحضر طبيعة المرحلة، ولا يجازف بمبادئ وأفق الحركة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة الأمیرکیة کانون الثانی 2026 دیلسی رودریغیز نیکولاس مادورو عقیدة مونرو فی فنزویلا مجموعة من من أجل
إقرأ أيضاً:
الحنيطي وماهوني يبحثان تعزيز التعاون الدفاعي الأردني الأميركي
صراحة نيوز – التقى رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللواء الركن يوسف الحنيطي، الأربعاء، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال كريستوفر جي. ماهوني، في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ضمن زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة.
وجرت لرئيس هيئة الأركان المشتركة مراسم استقبال عسكرية رسمية وفق البروتوكول المعمول به، قبل أن يعقد الجانبان لقاء ثنائيا، أعقبه اجتماع موسع بحضور عدد من كبار الضباط والمسؤولين من القوات المسلحة في البلدين.
وبحث الجانبان أوجه التعاون العسكري والدفاعي بين الأردن والولايات المتحدة، وسبل تطويرها في مجالات التدريب والتمارين المشتركة، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات، ورفع مستويات الجاهزية والتنسيق العملياتي، بما يعزز قدرة القوات المسلحة في البلدين على التعامل مع التحديات الأمنية المختلفة.
كما تناولت المباحثات التطورات الإقليمية الراهنة وانعكاساتها على أمن المنطقة واستقرارها، إضافة إلى الجهود المشتركة المبذولة لمواجهة التهديدات، وتعزيز التعاون والتنسيق بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وأكد اللواء الركن الحنيطي عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الأردن والولايات المتحدة، وأهمية مواصلة تطوير برامج التعاون العسكري وتبادل الخبرات والتجارب، بما يسهم في تعزيز كفاءة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي وجاهزيتها.
من جانبه، أشاد الجنرال ماهوني بمستوى التعاون والتنسيق القائم بين القوات المسلحة في البلدين، وبالدور الذي يضطلع به الأردن في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة، مؤكداً الحرص على مواصلة العمل المشترك وتطوير مجالات الشراكة الدفاعية.
وتأتي هذه الزيارة ضمن سلسلة اللقاءات والنشاطات التي يجريها رئيس هيئة الأركان المشتركة خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة الأميركية واشنطن، والهادفة إلى تعزيز علاقات التعاون العسكري والدفاعي، وتوسيع مجالات التنسيق وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة في البلدين.