يلعب السفر دورا كبيرا في دفع العلاقات الإنسانية للأمام، وتحويلها إلى روابط متينة. وقد اعتمدت الكوميديا الرومانسية على السفر والإجازات لصنع قصص الحب في الأفلام منذ منتصف القرن الماضي، وذلك عبر أفلام مثل "عطلة رومانية" 1953 (Roman Holiday) و"قبل الشروق" 1995 (Before Sunrise) و"فيكي كريستينا برشلونة" 2008 (Vicky Cristina Barcelona) و"كل، صلّ، أحب" 2010 (Eat Pray Love)، وهي حالة إنسانية مقبولة تماما، لأن الابتعاد عن أماكن العمل، والحياة اليومية يجلب معه صفاء المشاعر والبعد عن مسببات التوتر.

وتشهد تلك الرحلات لقاءات قد تصبح أقل من عادية في إطار الحياة العادية وفي ظل الانشغالات، لكن أجواء السفر والراحة النفسية تجعلها أكثر من مجرد لقاءات. وفي السينما الرومانسية، تنتقل من كونها مصادفات يعيشها أبطال العمل، إلى فرصة لخروج المشاعر والتعبير عنها.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2إعلان ترشيحات الأوسكار و"صوت هند رجب" في المقدمةlist 2 of 2مهرجان برلين 2026.. أفلام تعكس هموم العائلة وقلق العالمend of list

مزج السينمائيون تلك الرومانسية بالكوميديا لينتج نوع "الرومانسية الكوميدية" منذ سنوات، وانتشر ذلك النوع بفضل منصات البث، التي تنسج أحلام الأمان العاطفي والدفء لمشاهدها كاختيار آمن بدلا من ميلودراما الانفصال والمخاطرة بالعيش في وحدة قاسية.

قفزات زمنية ماكرة

ويندرج فيلم "أشخاص نلتقيهم في الإجازات" (People We Meet on Vacation)، المقتبس من رواية إيميلي هنري الصادرة عام 2021، والتي احتلت قمة قائمة الأكثر مبيعا في قائمة "نيويورك تايمز"، ضمن هذا التوجه. إنه فيلم عن المشاعر المؤجلة، وعن التقارب دون التزام، وعن الاطمئنان كبديل للحب.

تدور أحداث العمل حول الصديقين بوبي رايت (وتجسد دورها الممثلة إيميلي بادر) وأليكس نيلسون (ويجسد دوره توم بلايث)، واللذين اعتادا قضاء إجازة واحدة معا كل عام على مدى 10 سنوات.

وفي بداية الفيلم، تنهار صداقتهما، ويتخليان عن تقليدهما، لأسباب غير واضحة. تتكشف القصة عبر خطوط زمنية بالتبادل، إذ نجد لعبة زمنية تستعيد الرحلات السابقة ثم تعود إلى الحاضر، وهكذا عبر 10 رحلات في محاولة للمصالحة.

إعلان

لا يحاول مخرج العمل الإبحار في الرومانسية واستعراض قصة الحب، بالعكس تماما، يركز الفيلم على تأجيل تلك الرومانسية، فمنذ اللحظة الأولى يدرك المشاهد أن بوبي وأليكس يحبان بعضهما. لا ينشغل أحد بسؤال الاستمرار في هذا الحب، وإنما ينشغل بسؤال حول مبررات تأجيل هذا الاعتراف لـ 10 أعوام.

المخرج بريت هارلي (غيتي إيميجز)

لا توجد مشتركات كثيرة تجمع البطلين، فالفتاة اجتماعية ونشطة، يجذبها الجديد دائما، أما الشاب فهو متحفظ، ومنظم، يتجنب المخاطر.

وقد بدأت الصداقة التي تجمع النقيضين قبل سنوات، وتحولت إلى موعد سنوي لطقس هو رحلة واحدة إلى مكان جديد، وأصبحت تلك الرحلات والمدن والشواطئ محطات عاطفية لكليهما.

يقدم صانع العمل انتقالات ناعمة بين الرحلات والأحداث وسرد الحاضر، وتتواصل بوبي مع أليكس لتقترح رحلة أخيرة في محاولة لإصلاح العلاقة.

يستدرج الفيلم مشاهده في رحلة عبر خط زمني متعرج لكشف السر وراء تلك النهاية المحزنة التي أنهت علاقة عمرها سنوات طويلة، بل وكشف السبب وراء ذلك الخوف الذي منع كل منهما من الاعتراف بمشاعره في الوقت المناسب.

حرص المخرج على تقديم فيلم هادئ لا يحتوي على مفاجآت صادمة أو أسرار مرهقة، فأقسى ما في العمل هو ذلك التردد الذي يسيطر على البطلين ويفقدهما فرصة سعادة قد لا تتكرر.

نضج أم خوف؟

تملك السينما شجاعة الاعتراف، أكثر من غيرها، لذلك تؤكد أحيانا أن النضج مجرد "خوف يرتدي قناعا". فالفيلم لا يقف عند حد السؤال عن تأجيل الاعتراف بالحب أو الجرأة لاتخاذ خطوة، ولكنه يطرح سؤال التأجيل خوفا "أو نضجا"، تأجيل التفاصيل وتأجيل الحياة نفسها أحيانا خوفا من الخوف نفسه.

يختار بوبي وأليكس راحة الصداقة على المغامرة بعيش حقيقة الحب وواقع الحياة، كانا يعتقدان أنهما يحافظان على صداقة ثمينة، بينما كانا يبددان ما هو أثمن، ويسمحان له بالتلاشي تدريجيا.

رغم شجاعة الاعتراف، فالفيلم يفضل الإيحاء بين البطلين على المواجهة، ويقدم الحنين على الصراع، ويتناول التفاصيل برفق. يفضل المخرج عدم دفع شخصياته خلال السرد إلى خوض لحظات حاسمة، ويسمح بمرور الزمن الذي يشعر به المشاهد كما لو كان جبلا.

يتناول الفيلم هذا الموضوع برفق، بل برفق مفرط. فهو يفضل الإيحاء على المواجهة، والحنين على الصراع. وبدلا من إجبار شخصياته على خوض لحظات حاسمة، يسمح للسنوات بالمرور في فترات هادئة، واثقا من قدرة الجمهور على الشعور بثقل الزمن.

ورغم الفكرة اللطيفة للرفق بأولئك الذين وضعوا أحلامهم ومشاعرهم على أرفف الزمن حتى فقدت صلاحيتها، فإن تكنيك الهدوء وعدم الدفع بالأبطال للمواجهة ترك أثرا سلبيا وقلل كثيرا من الأثر العاطفي للفيلم.

متاهة زمنية

يتبنى المخرج بريت هالي في فيلم "أشخاص نلتقيهم في إجازة" أسلوب التصوير البرامجي، فرغم كونه فيلما عاطفيا، إلا أنه اعتمد على اللقطات المتوسطة التي تشبه تصوير البرامج، ليحرص على إظهار المسافة الفاصلة بين البطلين، لكن ذلك منع الممثلين من التعبير بملامح الوجه مما يمكن التعبير عنه في فيلم كهذا.

وينتقل المونتاج بسرعة ودون أي تمهيد بين الأزمنة دون أي تمهيد بصري أو عاطفي. وقد يبدو هذا الأمر يوحي بكفاءة سردية، لكنه يشتت الانتباه عن الانغماس في الفيلم وقد يفقد معه المشاهد التركيز والاهتمام. لا يمنح الفيلم دائما اللحظات فرصة للثبات قبل الانتقال إلى اللحظة التالية، مما يضعف التأثير العاطفي التراكمي.

إعلان

رغم مشاركة 3 كتاب سيناريو في الفيلم المأخوذ عن رواية، إلا أن بناء الشخصيات لم يكن مكتملا، فالبطلة "بوبي" التي تكتب في مجلة، لم نعرف حتى النهاية عما تكتب، ولا ما هو تخصصها، وكيف يؤثر على ذلك التردد الذي يدور حوله الفيلم.

لا يبدو أن لحياتهما العملية أي تأثير واضح على شخصيتيهما أو قراراتهما، وهو خطأ وليس مجرد وجهة نظر، لأن النتيجة تظهر في شخصيتين تبدوان محددتين عاطفيا لكنهما مجردتان اجتماعيا، تعيشان حياتهما دون ضغوط خارجية ذات مغزى. وهو أمر غريب خاصة في ظل ثراء المادة الأصلية، كونها رواية.

"أشخاص نلتقيهم في الإجازة" فيلم رومانسي لعصر يفضل الطمأنينة على المخاطرة العاطفية، ويدرك الشوق لكنه يتجنب الألم، ويقدر الذكريات أكثر من الانقطاع، ويتعامل مع الحب كأمر يستحسن التعامل معه برفق، بعد مرور وقت كاف.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الإجازات الرسمية المتبقية في 2026.. موعد أول إجازة رسمية بعد عيد الأضحى
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • محاكمة في الظلام.. النهضة تهاجم أحكام المؤبد وتتهم السلطة بتصفية سياسية
  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ذكرى الهادي تطلق أغنيتها الرومانسية الجديدة أعديها
  • الأكثر حظًا في الحب خلال يونيو 2026.. ارتباطات منتظرة لـ7 أبراج
  • بعد عيد الأضحى.. الإجازات الرسمية المتبقية حتى نهاية 2026
  • مفتي الجمهورية: أضحية النبي عن أمته لا تسقط السنة عن القادرين
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش