عالم بلا قواعد؟ منتدى دافوس يُختتم على إيقاع القوة
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
يُسدل الستار اليوم الجمعة على منتدى دافوس، وهو الاجتماع السنوي الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي، في سويسرا، وسط أجواء توتر غير مسبوقة في العلاقات الدولية، بعد استضافة قادة ناقشوا مستقبل النظام العالمي في ظل أزمات متعددة.
وجاءت الدورة هذا العام في وقت يصفه مراقبون بأنه مرحلة تحول في النظام الدولي بعد عقود من الاستقرار النسبي المعتمد على القواعد، بما يمكن وصفه "مغادرة العالم القائم على القواعد ودخول عصر هيمنة القوة".
وفي جلسات منتدى دافوس، حذر قادة دول من تآكل النظام الحالي، وشدد بعضهم على ضرورة بناء "استقلال إستراتيجي" للدول والحلفاء.
فما أبرز الملفات التي طرحها المنتدى في خضم التوترات السياسية الكبيرة؟
كان ملف غرينلاند من أبرز الملفات المطروحة في نقاشات دافوس، بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالمنتدى أكد فيها أن "الاتفاق" بشأن الجزيرة ما زال قيد التفاوض، مضيفا "نحن نريد غرينلاند. إنها قطعة من الجليد، طلب صغير جدا".
وقال إن الاتفاق يمنح واشنطن "وصولا كاملا" من دون سقف زمني، مع نفيه استخدام القوة لضم الإقليم الدانماركي، بما يُعتبر اختبارا لمعنى السيادة الأوروبية أمام النفوذ بالقوة.
وتكررت هذه التصريحات على هامش المنتدى، مع تهديدات غير مباشرة للعمق الأوروبي إذا لم يُستجب لمطلبه، قائلا للأوروبيين إنه "لولا الولايات المتحدة لكانوا يتحدثون الألمانية أو اليابانية"، بإشارة إلى دور بلاده في الحرب العالمية الثانية.
ولم تصمت دول أوروبا أمام ما تتعرض له من حليفها التاريخي. وأثارت التصريحات الأمريكية بشأن ضم غرينلاند غضب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال بالمنتدى إنه لا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن "ينحني لقانون الأقوى".
وقد عبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في المنتدى عن موقف مماثل، مؤكدة أن سيادة غرينلاند وسلامة حدودها غير قابلة للتفاوض، وأن الاتحاد الأوروبي سيسعى إلى استقلالية أكبر في مواجهة الضغوط الدولية.
إعلانوبما اعتبره البعض ردا على تصاعد الهيمنة الأمريكية دوليا، دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى وقف وهم النظام العالمي القائم، والاعتراف بمرحلة تنافس قوى عارمة، مؤكدا أن "القوي لديه قوته، لكنْ بإمكاننا أن نتوقف عن التظاهر وأن نسمي الأشياء بمسمياتها".
مجلس "سلام" غزة
أطلق الرئيس الأمريكي في دافوس ما سماه "مجلس سلام غزة"، الذي يعد جزءا من خطته لوقف إطلاق النار في القطاع حيث تواصل إسرائيل انتهاكاتها يوميا، مؤكدا أنه سيعمل على تثبيت الاتفاق وإعادة بناء "غزة منزوعة السلاح".
وقال ترمب، خلال حفل إطلاق مجلس السلام بدافوس، إن الحرب في غزة صارت أشبه بـ"نيران صغيرة الآن، ونحن سننقلها إلى مرحلة السلام"، معتبرا أن السلام يتعلق بالبناء والنهوض الاقتصادي.
كما أن الرئيس الأمريكي، الذي انتقد الأمم المتحدة معتبرا أنها ضرورية لكنْ لا فائدة عملية لها، لمّح إلى دور أوسع لـ"مجلس السلام" عالميا.
وقوبل ذلك بتحفظات شديدة، خصوصا مع مخاوف عبّرت عنها أطراف من أن تتحول هذه الصيغة إلى مسار يوازي الأمم المتحدة أو يلتف على أطرها، مما دفع حلفاء أوروبيين رئيسيين لعدم الانضمام لمجلس السلام بسبب هذه الهواجس.
وما بدا واضحا في دافوس هو أن فكرة "السلام" باتت تُدار كملف نفوذ، وأن واشنطن تريد هندسة ترتيبات سريعة بأدواتها الخاصة، فيما تُفضّل كندا وعواصم أوروبية الحفاظ على مرجعية الشرعية الدولية، حتى لو كانت بطيئة ومثقلة بالتعقيدات.
وفي واحدة من أكثر كلمات دافوس حدة، وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انتقادات مباشرة للأوروبيين، فيما تعيش بلاده حربا متواصلة منذ نحو 4 أعوام.
ودعا زيلينسكي الدول الأوروبية إلى "التحرك الآن" بدل انتظار الإشارات الأمريكية، واصفا بعض القيادات بأنها في "وضع غرينلاند"، بإشارة إلى الترقب بينما تصاغ الخرائط في اجتماعات الدول الكبرى.
وفي الملف الأوكراني أيضا، عقد ترمب لقاء مع نظيره الأوكراني على هامش منتدى دافوس، لكنه لم يسفر عن شيء جديد.
وقال ترمب بعده إن "الحرب يجب أن تنتهي"، دون الإعلان عن تعهدات محددة، في وقت جدد فيه زيلينسكي تأكيده على ضرورة أي تسوية تضمن الأمن والسيادة، وسط حديث عن محادثات أوسع مرتقبة بعد المنتدى.
فنزويلا تعيد الملف اللاتيني للواجهةكذلك سلط منتدى دافوس الضوء على فنزويلا في جلسة ناقشت سيناريوهات التحول السياسي والاقتصادي ومخاطر العزلة وتحديات إعادة الإعمار المالي، دون التطرق للعملية الأمريكية في كاراكاس والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلورس مطلع العام الجاري.
بذلك تجاوز منتدى دافوس مشكلة السيادة والقانون الدولي بما يتعلق بفنزويلا، وقدم الأمر في إطار سيناريوهات ما بعد الأزمة، بالتركيز على البعد الاقتصادي بوصف كاراكاس جزءا من سلاسل الطاقة والاستثمار العالمي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات منتدى دافوس
إقرأ أيضاً:
خرائط عالمنا الجديد
طالما تحدثت عن الحاجة إلى نظام عالمي جديد، وهو نظام بدأ يلوح في الأفق مع التنامي المتصاعد لقوتين عظميين في عصرنا الراهن: روسيا والصين. وبوسعنا القول إن لقاء القمة الأخير الذي انعقد في بكين بين بوتين وتشي بينج، كان بمثابة تدشين لنشأة هذا النظام العالمي الجديد، كما يتبين ذلك من البيان الصادر عن القمة نفسها، الذي أعلن أن العالم الآن هو نظام متعدد الأقطاب، ينبغي أن تحكمه توازنات القوى والمصالح، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
تشكيل عالمنا الجديد ليس بدعة تميز عصرنا؛ لأن العالم يتغير بعد كل حقبة من الزمن قد تطول أو تقصر، ولكنها لا بد من أن تنتهي لينشأ عالم جديد، وذلك بفعل متغيرات جوهرية عديدة تتعلق بموازين القوة على سائر الأصعدة. ذلك أن تاريخ العالم هو - في واقع الأمر- تاريخ من صراعات الشعوب في مقاومة هيمنة قوة استعمارية عظمى في عصر ما، ومن ذلك على سبيل المثال: هيمنة الإمبراطورية الرومانية على العالم، وغيرها من الإمبراطوريات التي هيمنت من بعدها.
ولعل الإمبراطورية البريطانية تعد أشهر الإمبراطوريات التي هيمنت على العالم في العصر الحديث. توارى نفوذ هذه الإمبراطورية تدريجيا، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ترث نفوذها فيما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية، إلى أن أصبحت بالفعل القوة المهيمنة على العالم.
ولكن السياسة الأمريكية عملت على تكريس السياسات الاستعمارية القديمة في قالب جديد، ولكنه يُبقي على مبدأ هيمنة القطب الواحد على العالم. ولذلك فإن سياستها البديلة إزاء الشرق الأوسط، ليست سوى سياسة استعمارية جديدة، وهي ما أسميته في مقال سابق بهذه الجريدة الرصينة «سايكس بيكو 2»، فليرجع إلى ذلك من يشاء. الشاهد هنا أن السياسة الأمريكية لم تدرك أن مشروع سايكس بيكو الجديد لم يعد قابلا للتطبيق في عصرنا الراهن؛ ببساطة لأن الحقبة الاستعمارية قد انتهت من عالمنا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار، حتى إن اتخذ هذا الاستعمار مظاهر جديدة.
وعلى هذا، يمكننا القول إن ما يميز تشكيل عالمنا الراهن حقا هو أن هذا التشكيل للعالم يقوم أساسا لا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار فحسب، بل أيضا باعتباره عالم ما بعد الهيمنة، أعني: هيمنة قوة بعينها على العالم.
في ضوء هذا يمكننا أن نفهم دلالة اللقاء الأخير بين بوتين وتشي بينج، وأن نقرأ ما هو ضمني وغير معلن في مجمل الحدث وسياقه العام، باعتباره تدشينا لميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب بعد مخاض طويل. لنحاول أولا قراءة بعض المظاهر المصاحبة للحدث: المظاهر الاحتفالية في الاستقبال تشبه كثيرا نظائرها في الاستقبال الرسمي لترامب، ولكننا مع ذلك نجد حالة من الود والحميمية في استقبال تشي بينج وشعبه لبوتين، ليس في لغة الخطاب وحسب، بل أيضا في لغة السلوك والتعبير الجسدي.
ولكن الأهم من ذلك أن نتأمل دلالة توقيت الحدث: يأتي لقاء هذه القمة مباشرة بعد لقاء القمة بين الرئيس الصيني مع ترامب في بكين. والواقع أننا لا يمكننا تجاهل دلالة هذا التوقيت؛ إذ إنه بمثابة رسالة سياسية قوية للإدارة الأمريكية بأن العالم قد تغير الآن بالفعل، وأن الصين وروسيا وحلفاءهما سوف يسهمون بقوة في تشكيل الخرائط السياسية لهذا العالم.
تأتي هذه الرسالة بعد أن غادر ترامب الصين خالي الوفاض، اللهم إلا من بضع اتفاقات تجارية مع الصين؛ فلم يستطع أن يحصل على أي دعم من الصين لسياسته العدوانية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب على إيران؛ بل إنه قد تلقى تحذيرا من تدخله في قضية تايوان التي تراها الصين مسألة تتعلق بشؤونها الداخلية، وهو ما جعل ترامب يصرح فور عودته من الصين إلى القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حاجة إلى الانخراط في صراع يقع على بعد آلاف الأميال منها! وهو تصريح يبدو كما لو كان حفظا لماء الوجه، ولكنه في الوقت ذاته يبدو اعترافا ضمنيا اضطراريا بأن هناك قوى عظمى أخرى (مثل الصين وروسيا) لا يمكن مناوأتها في سعيها لضم أراضي تعتبرها جزءا من حدودها الجغرافية. غير أنه من الضروري التأكيد هنا على أنني لا أعني بمفهوم «الخرائط السياسية» في هذا المقال مجرد «الحدود الجغرافية» التي يمكن ضمها أو إزاحتها أو تعديلها؛ لأن هذه الحدود نفسها تكون نتاجا لموازين القوى المتعددة الجديدة. وعلى هذا، فأنا أعني «بالخرائط السياسية» تلك الخرائط التي تحدد موازين القوى السياسية في عالمنا الجديد، وإن شئنا أن نتخيل تشكيلا لهذه الخرائط، فإنها يمكن أن تشتمل على ثلاث كتل رئيسة: كتلة الدب الروسي والمارد الصيني (مع حلفائهما في كوريا الشمالية وباكستان وإيران، وغيرها)؛ وكتلة الغرب الأوروبي، وكتلة الغرب الأمريكي ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية.
ذلك أن الغرب لم يعد الآن يمثل كتلة واحدة، بل كتلتين رئيستين، وإن كانت أواصر الصلة بينهما غير قابلة للانفصام، رغم مسلك إدارة ترامب الذي يبدو متنصلا من الانخراط في سياسات الكتلة الأوروبية؛ لأن إرث الحضارة الأوروبية في القارة العجوز سيظل ممتدا داخل منجزات الغرب الأمريكي.
ولا شك في أن تحقق عالم متعدد الأقطاب في عصرنا هذا، سوف يصب في النهاية في مصلحة الدول الضعيفة والمهمشة التي لم تعد تملك قرارها في ظل عالم القطب الواحد المهيمن، وهي على الأقل تصبح قادرة على مواجهة محاولات التوسع الاستعماري لقوة ما تهدد وجوده؛ لأنها تدرك أن هناك قوى أخرى يمكن أن تدعمها.