من عجائب الزمن أن تكون "الشهادة العلمية أو المكانة الاجتماعية" هما جواز عبور نحو الحصول على المناصب أو الأفضلية في اختيار الأشخاص لأي مهمة أو وظيفة متاحة أمام البعض، سواء في مجالات العمل أو الحياة العامة.
وكأن الشهادة هي المعيار الذي يتحكم في شؤون الناس! لقد أصبح لدى البعض قناعة تامة بأن الشهادة هي التي تقرّب البشر من بعضهم البعض، بينما الاعتبارات الأخرى "لا مكان لها" عندما يتعلق الأمر بحصول الآخرين على بعض الفرص المتاحة، سواء في تولي المسؤولية أو الجلوس في الأماكن العامة.
ومن يرصد الواقع في بعض الأماكن، يجد أن هناك شيئًا غير عادي يحدث، وتصرفات غريبة تصدر عن الأشخاص، خاصة في المناسبات أو عند وجود تنافس على الحصول على مراكز متقدمة في العمل، حيث يصبح عنصر "المعرفة الشخصية" هو الأقرب والأجدر في نظر البعض، حتى وإن لم يكن هذا عرفًا أو دارجًا، لكنه واقع في بعض الأحيان!
نحن على ثقة تامة بأن البشر متساوون أمام الله، وهذا أمر لا نقاش فيه، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13].
ويبقى الفاصل ما بين شخص وآخر هو مقدار سمو أخلاقه ومدى تواضعه للآخرين، إضافة إلى الجوانب الأخرى كالعلم والمعرفة والخبرة، ولكن البعض يخلط بين البشر، معتبرًا أن الاستحقاق يأتي من الوضع المادي والمكانة الاجتماعية، وهذا خلاف واضح وإجحاف متعمد في حقوق الآخرين.
ومن الملاحظ أيضًا أن بعض عمليات اختيار اللجان أو المراتب تتم أولًا من خلال "الألقاب"، دون النظر إلى التفوق في المستوى المعرفي للأشخاص، حتى وإن كانوا لا يحملون شهادة علمية عالية، وإن كانت خبراتهم تؤهلهم إلى المكان الذي يتم التنافس عليه.
هذا التفضيل جعل البعض يخلط الأوراق بين "الصالح والطالح"، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، فأصيب بـ"جنون العظمة"، الأمر الذي جعلهم يغوصون في أعماق الخيال معتقدين أن الحياة لا تعبر إلا بوجودهم، فهم الأجدر والأقدر على كل شيء، لذا تقلبت أحوالهم وتبدلت نظرتهم إلى الآخرين، وأصبحوا يرون الحياة بمنظور آخر مبنيًا على "الغرور الإنساني".
ومن الملاحظ أن البعض، بمجرد حصوله على لقب علمي، يطلق العنان لخياله الواسع، ولا يتوانى في استصغار الآخرين، واعتبار من هو أقل منه درجة شخصًا هامشيًا، ولا يدع شاردة أو واردة إلا ويمجد نفسه بما حصل عليه.
هذا الاستصغار والنظرة باستخفاف للآخرين تسمح له بتجاوز بعض الخطوط الحمراء، أو لنقل إنها تجاوز على حقوق الآخرين، معتقدًا بأن الشهادة المعلقة في ذاكرته والتي حصل عليها مؤخرًا هي "معجزة بشرية لن تتكرر"، بينما الواقع يقول إنه حصل عليها نتيجة بحث تم مناقشته أمام لجنة من البشر، هي من منحته تلك الدرجة، سواء كان يستحقها أو لا على الصعيد الإنساني.
ومن المؤسف جدًا أن البعض يتشدق كثيرًا بمسمى "علمي أو وظيفي"، ويحاول أن يبهر الذي أمامه بأنه شخص اخترع شيئًا غير عادي على كوكب الأرض، ونسي البعض أن البحث الذي قدمه كان أغلبه عبارة عن "قص ولصق" مأخوذ خفية من الدراسات والبحوث القديمة.
ما نريد أن نذهب إليه هو: لماذا يظن البعض أن "الألقاب" هي التي تجعلهم ذو قيمة أمام الآخرين؟ ولماذا ينساق البعض بعيدًا عن الأخلاق والتواضع، معرضين عن قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ".
عندما يحادثك شخص من "الوهمين" والمدعين للمعرفة، أول ما يستفتح به حديثه معك يلفت انتباهك بأنك تتحدث مع شخص خارق للعادة، فهو الحامل للشهادة العلمية، رغم أنك لست بحاجة لهذه المعلومة، والصدمة عندما تتحاور معه تجد أنه "حبر على ورق"، فهو لا يفقه شيئًا في العمل أو الأخلاق!
وأخيرًا، نؤكد أن الأخلاق هي من ترفع من شأن الآخرين، وهي من تقربهم للناس، وهي أيضًا من تمكنهم من الحصول على النجاح سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود