الجزيرة:
2026-07-23@23:21:15 GMT

سوريون بين وطنيْن وحربين.. رحلة لجوء لا تنتهي

تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT

سوريون بين وطنيْن وحربين.. رحلة لجوء لا تنتهي

لم يكن الرحيل يوما خيارا حرا في حياة كثير من السوريين، بل هو قدر يتكرر بأسماء مدن مختلفة، وملامح متشابهة من الخوف والفقد. من دمشق التي غادروها هربا من الحرب، إلى الخرطوم التي لجأوا إليها بحثا عن الأمان، ثم إلى نزوح جديد فرضته حرب أخرى، وجد سوريون أنفسهم يسيرون في دائرة مغلقة من المنافي، حاملين معهم ذاكرة مثقلة، وقلوبا أنهكها البدء من الصفر.

لسنوات، شكل السودان محطة أمان نسبي لكثير من السوريين. لم تكن الخرطوم مجرد مدينة لجوء، بل مساحة حياة جديدة، اختلطت فيها اللهجات، وتجاورت العادات، ونسجت علاقات إنسانية تجاوزت حدود الجنسية. في الأسواق، وفي الأحياء الشعبية، وفي البيوت المفتوحة على الضيافة، وجد السوريون وجها آخر للعروبة، أقل صخبا، وأكثر حميمية.

كان محمود الصباغ واحدا من هؤلاء. هرب من بطش النظام السوري المخلوع، ووصل إلى السودان مثقلا بالخوف، لكنه سرعان ما وجد ما لم يكن يتوقعه. هناك، التقى زوجته ياسمين، وهناك بدأ فصل جديد من حياته.

يروي محمود كيف كان القلق يرافقه في بدايات اندماجه "كنت متخوفا جدا.. التقاليد مختلفة، وخفت ألا يتقبلوني".

لكن مخاوفه سرعان ما تلاشت. "كانوا طيبين، وسهلوا علي كل شيء"، يقول، مستعيدا تفاصيل عرسه الذي أقيم على الطريقة السودانية، بطقوس مختلفة، وثقافة يصفها بأنها "غنية وبسيطة في آن واحد".

هوية معلقة

أنشأ محمود عائلته في السودان، وأنجب أطفاله هناك، حتى أصبحت الخرطوم وطنا ثانيا، أو ربما وطنا مؤقتا طال الثواء به أكثر مما كان متوقعا. غير أن الحرب لا تعترف بالاستقرار، ومع اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، انهار الإحساس بالأمان مرة أخرى.

"أحسست أنني غريب بعد كل هذه السنوات"، يقول محمود وهو يجلس بين زوجته وأطفاله الثلاثة.

غربة في المكان الذي يفترض أن يكون الوطن، وحنين إلى مدينة احتضنته يوما ثم لفظته الحرب.

إعلان

قصة رغدة كريدي لا تقل قسوة. لجأت إلى السودان مع زوجها بحثا عن حياة آمنة، لكنها فقدته هناك بعد إصابته بمرض السرطان. لم يكن المرض وحده هو العدو، بل الفقر والعجز عن تحمل تكاليف العلاج.

تحاول رغدة أن تتحدث بهدوء، لكنها لا تخفي مرارة التجربة.

تكاليف العلاج كانت باهظة، ومحاولات نقل زوجها إلى مصر باءت بالفشل. ومع تدهور الوضع المالي، اضطرت الأسرة إلى ترك المنزل والانتقال إلى مخيم، بعد أن عجزت عن دفع الإيجار.

ومع ذلك، لا تختزل رغدة سنواتها في السودان بالألم وحده. تتذكر المدن التي زارتها، والناس الذين التقتهم، والأفراح التي حضرتها.

"حضرت أعراسا سورية سودانية"، تقول، وكأنها تتمسك بتلك اللحظات الصغيرة لتقاوم ثقل الفقد.

حرب تحاصر الجميع

لم تكن مأساة السوريين في السودان معزولة عن السياق العام. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، دخل السودان واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية. آلاف القتلى، وملايين النازحين، ودولة تتآكل من الداخل.

تشير أحدث بيانات الأمم المتحدة إلى أن 9.3 ملايين شخص لا يزالون نازحين داخل السودان، في حين فر أكثر من 4.3 ملايين عبر الحدود، في موجة لجوء تضغط بقسوة على الدول المجاورة. وفي الوقت نفسه، يعاني أكثر من 21 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وسط هذه الأرقام، تضيع القصص الفردية، لكن معاناة السوريين تكشف وجها مضاعفا للأزمة: لاجئون اضطروا للجوء من جديد، وناجون من حرب وجدوا أنفسهم في قلب حرب أخرى.

بين دمشق والخرطوم، وبين وطن يستعاد بشعور الغربة، ومدينة تفقد بالقوة، يعيش السوريون حالة إنسانية مركبة، لا يملك فيها الإنسان سوى ذاكرته، وبعض الذكريات الجميلة التي يرفض أن تذوب في ركام الحروب.

هي قصص أناس لم يختاروا الرحيل، لكنهم ما زالوا، رغم كل شيء، يحاولون إعادة بناء الحياة… كل مرة، من جديد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

سوريون يتظاهرون في الجولان للمطالبة بأبنائهم في سجون الاحتلال (شاهد)

نظّم أهالي المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء، وقفة احتجاجية أمام مقر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "الأندوف" في بلدة نبع الفوار بريف القنيطرة الشمالي.

وطالب المشاركون في الوقفة بالكشف عن مصير 47 معتقلاً من أبناء الجولان السوري المحتل ومناطق درعا والقنيطرة، يقبعون خلف القضبان منذ ما بين سنة وسنتين دون أي تواصل منتظم مع ذويهم.

وطالب المحتجون قوات الأمم المتحدة بتقديم إجابات وعدوا بها في زيارة سابقة، مؤكدين أن مساعيهم المتكررة مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر والجهات الرسمية لم تُسفر عن نتيجة حتى الآن.



وكشف أحد المتحدثين باسم الأهالي لوكالة "سانا" الرسمية أن معلومات وصلتهم بطرق غير رسمية تفيد بأن المعتقلين يعانون من أمراض جلدية، في مقدمتها الجرب، مشيراً إلى أن الصليب الأحمر لم يزرهم حتى الآن، ولا تعرف العائلات شيئاً عن الأحكام الصادرة بحقهم أو مواعيد الإفراج عنهم.

وأدلت عدد من العائلات بشهاداتها خلال الوقفة؛ إذ روت إحدى الأمهات أنها تجهل مصير ابنها وحفيدها منذ سنة ونصف، فيما أفادت زوجة معتقل بأن زوجها اعتُقل أثناء خروجه لشراء الخضار قبل نحو عام، ولا يعلم حتى الآن أنها أنجبت ابنتهما في غيابه.

وفي سياق متصل، أعلنت قناة "الإخبارية" الرسمية، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أفرجت، الخميس، عن معتقلَين اثنين من محافظتي القنيطرة ودرعا بعد سبعة أشهر من الاعتقال.

مقالات مشابهة

  • كيف أثّر رفع أسعار المحروقات على معيشة السوريين؟
  • سوريون يتظاهرون في الجولان للمطالبة بأبنائهم في سجون الاحتلال (شاهد)
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • من فرنسا إلى أستراليا بلا توقف.. إيرباص تختبر أطول رحلة عالميا
  • السودان يطلق مبادرة لتوسيع المظلة الضريبية.. و60% من النشاط الاقتصادي خارجها
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)