24 يناير، 2026

بغداد/المسلة: يؤكد الجدل الذي رافق بدء نقل دفعات من معتقلي تنظيم داعش إلى العراق أن الملف لم يعد أمنيًا صرفًا، بل تحوّل إلى اختبار سيادي مباشر لقدرة الدولة على حماية أمنها القومي واستعادة حقها في محاسبة من تورطوا في واحدة من أعنف موجات العنف بتاريخها الحديث، في خطوة ترى فيها بغداد معالجة لملف أُدير لسنوات خارج حدودها.

ويكشف إعلان بدء تنفيذ عملية النقل، التي شملت في مرحلتها الأولى نحو 150 معتقلًا مع توقعات بوصول العدد إلى آلاف، عن مسعى عراقي لإغلاق ثغرة أمنية ظلّت مفتوحة في شمال شرقي سوريا، حيث تحولت مراكز الاحتجاز إلى بؤر ضغط إقليمي وتهديد مستمر بإعادة تدوير الخطر، في ظل هشاشة الوضع الأمني هناك.

ومن جانب آخر، يعكس الدفاع عن نقل المعتقلين إلى الداخل العراقي قناعة رسمية وسياسية بأن الجرائم التي ارتكبها التنظيم، حتى خارج الحدود، استهدفت العراق بشكل مباشر، وأصابت أمنه القومي في الصميم، ما يمنح القضاء الوطني أحقية النظر فيها، ويحول دون بقاء الملف عالقًا في ساحات صراع غير مستقرة.

ويبرز في هذا السياق أن احتضان العراق لهذا الملف يضع حدًا لاستخدامه كورقة ابتزاز دولي، بعدما رفضت دول عديدة استعادة رعاياها المنخرطين في التنظيم، مفضلة ترك العبء الأمني والإنساني معلقًا، وهو ما دفع بغداد إلى تبني مقاربة تقوم على الحسم القضائي بدل الانتظار.

كما يوضح المسار القانوني أن التشريعات العراقية تتيح محاكمة المتورطين في الإرهاب إذا ثبت تهديدهم للأمن الوطني، بغض النظر عن جنسياتهم، ما يمنح الخطوة غطاءً قانونيًا، ويحولها من مخاطرة أمنية إلى إجراء سيادي منظم.

وفي المقابل، لا تُغفل التحديات المرتبطة بالاكتظاظ السجني والمخاوف من الخروقات، إلا أن التعامل مع الخطر داخل بيئة خاضعة للسيطرة الأمنية العراقية يُنظر إليه كخيار أقل كلفة من ترك آلاف المتشددين في مناطق رخوة قد تتحول مجددًا إلى منصات تهديد عابر للحدود.

ويتصل هذا التوجه برهان سياسي أوسع، يتمثل في تقديم العراق نفسه شريكًا فاعلًا في مكافحة الإرهاب، لا ساحة لتكديس نتائجه، عبر إدارة الملف أمنيًا وقضائيًا، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته المالية والسياسية تجاه مواطنيه.

وينتهي النقاش عند حقيقة أن نقل معتقلي داعش، رغم حساسيته، يُعد خطوة دفاعية تهدف إلى تقليص المخاطر المؤجلة، وإغلاق واحدة من أخطر ملفات ما بعد الحرب، ضمن معادلة ترى في الحسم الداخلي ضمانة للأمن القومي، لا عبئًا إضافيًا عليه.

 

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author moh moh

See author's posts

المصدر

المصدر: المسلة

إقرأ أيضاً:

ثابت فوق 150 ألفاً.. تباين أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق نهاية الأسبوع

ثابت فوق 150 ألفاً.. تباين أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق نهاية الأسبوع

مقالات مشابهة

  • المرحلة الثانية من صولة الفجر: هل تكسر الحماية السياسية عن شخصيات بارزة؟
  • خطوات استخراج بطاقة الرقم القومي أونلاين عبر مصر الرقمية
  • العراق وإيران يوقعان اتفاقية و3 مذكرات تفاهم للشراكة
  • مصطفى بكري في ذكرى رحيل عمر سليمان: رمز وطني أدار أصعب ملفات الأمن القومي
  • استهداف جديد لمنفذ “العبدلي” الحدودي بين العراق والكويت
  • كابينة الزيدي تحت المقصلة: هل تباع الوزارات في سوق التوافقات مجدداً؟
  • الحبس بحق النائب حسنين الخفاجي عن جريمة الابتزاز
  • توازن بغداد ينهار.. الغارديان: العراق يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها
  • ثابت فوق 150 ألفاً.. تباين أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق نهاية الأسبوع
  • وزارة التعليم العالي تتفاعل مع مزاعم تسريب أجوبة مباراة الطب وتحيل الملف على القضاء