القطب المغناطيسي الشمالي يغير موقعه والعالم يعيد ضبط بوصلته
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
لم يعد القطب المغناطيسي الشمالي في مكانه الذي اعتادته الخرائط عقودا. فوفق أحدث النماذج الجيوفيزيائية الدولية، واصل القطب انجرافه المتسارع نحو سيبيريا، ودخل رسميا في عام 2025 نطاقا جغرافيا لم يسجل له مثيل من قبل، في تحوّل غير مرئي للعين لكنه بالغ الأثر على عالم يعتمد على الدقة.
هذا التغير، الذي أكدته النسخة الجديدة من "النموذج المغناطيسي العالمي" (WMM2025) المطور من قبل "الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي" (NOAA) و"هيئة المسح الجيولوجي البريطانية" (BGS)، لا يعني انقلابا في أقطاب الأرض، لكنه يفرض إعادة معايرة فورية لأنظمة الطيران والملاحة البحرية والأقمار الصناعية، وحتى البنى الدفاعية والتقنية الدقيقة.
تشير البيانات إلى أن القطب المغناطيسي الشمالي بات اليوم أقرب إلى روسيا منه إلى كندا، بعد أن قطع أكثر من 2200 كيلومتر منذ بدء القياسات المنتظمة في القرن التاسع عشر.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2“شينتشو-20”.. عودة هادئة تكشف قوة الصين الخفية في إدارة أزمات الفضاءlist 2 of 2سديم يشبه الدماغ يضيء في السماء.. صورة نادرة من أعماق مجرّة درب التبانةend of listوبين عامي 1990 و2020 بلغت سرعة انجرافه ذروتها بنحو 60 كيلومترا سنويا، قبل أن تتباطأ حاليا إلى نحو 35 كيلومترا سنويا، وهي سرعة ما تزال أعلى بكثير من المعدلات التاريخية.
هذا الانجراف سببه تغيرات عميقة في تدفقات الحديد السائل داخل لب الأرض الخارجي، على عمق يقارب 2900 كيلومتر من سطح الأرض، حيث يتولد المجال المغناطيسي للأرض ويُعرف بـ"الدينامو الجيولوجي"، إذ تتحرك كتل ضخمة من الحديد والنيكل المنصهرين بفعل الحرارة ودوران الأرض.
هذه الحركات تولِّد تيارات كهربائية هائلة، تنشئ بدورها المجال المغناطيسي الذي يحمي الأرض ويوجّه البوصلات.
اعتمد العلماء على بيانات أقمار صناعية متخصصة مثل "سوارم" (Swarm) و"شامب" (CHAMP) تقيس شدة واتجاه المجال المغناطيسي بدقة عالية، ثم تدمج هذه البيانات في نماذج رياضية متقدمة تحدث كل خمس سنوات. وقد استدعى التسارع غير المتوقع في حركة القطب إصدار تصحيح طارئ خارج الجدول عام 2019، في سابقة تعكس حساسية الأنظمة الحديثة لأي انحراف مغناطيسي.
إعلانوأما الأثر العملي المباشر فأظهر بأن زاوية الانحراف بين "الشمال الحقيقي الجغرافي" و"الشمال المغناطيسي" تتغير مع الزمن، وفي بعض مناطق ألاسكا تجاوز التغير 10 درجات في عقدين فقط، مما قد يسبب أخطاء خطيرة في الملاحة إن لم تحدث الأنظمة باستمرار، كما تتوسع مناطق "العمى المغناطيسي" قرب القطبين، حيث تصبح البوصلة عديمة الجدوى.
تمر الشمس كل 11 سنة في دورة نشاط شمسي تظهر فيها البقع الشمسية وتختفي، وينقلب بسببها اتجاه مجال الشمس المغناطيسي، لكن رغم تزامن الخبر مع ذروة غير متوقعة نسبيا في الدورة الشمسية رقم 25، يؤكد العلماء أن انجراف القطب المغناطيسي ليس سببه النشاط الشمسي، فالشمس تؤثر أساسا في الطقس الفضائي والعواصف المغناطيسية المؤقتة، بينما حركة القطب ناتجة عن عمليات داخلية عميقة في لب الأرض.
ومع ذلك، فإن النشاط الشمسي القوي قد يزيد من تعقيد المشهد مؤقتا عبر تشويش الإشارات والأنظمة المعتمدة على المجال المغناطيسي.
يؤكد الباحثون أن النماذج الحالية لا تشير إلى انقلاب وشيك في أقطاب الأرض، وأنها ظاهرة نادرة تحدث كل مئات آلاف السنين، لكن التسارع والتباطؤ المفاجئَين في حركة القطب يطرحان تساؤلات علمية كبرى حول ما يجري في أعماق الكوكب، ومدى جاهزية البنية التقنية العالمية لمواكبة عالم مغناطيسي متغير.
في النهاية يذكّرنا انجراف القطب المغناطيسي الشمالي بأن الأرض ليست مسرحا ثابتا نعيش فوقه، بل هي كيان حيّ يتحرك ويتغيّر في أعماقه ببطء لا نشعر به، لكن آثاره تمتد إلى كل تقنية نعتمد عليها.
وبينما نعيد ضبط بوصلات الطائرات والأقمار الصناعية، نعيد في الوقت ذاته اكتشاف حقيقة قديمة: أن فهمنا للكوكب لا يكتمل عند سطحه، وأن التقدّم العلمي ليس ترفا معرفيا، بل ضرورة لحياة آمنة في عالم يتغيّر حتى من تحت أقدامنا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فضاء القطب المغناطیسی الشمالی المجال المغناطیسی النشاط الشمسی
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.