عائدات النفط العراقي بين الاستقرار المالي والارتهان السياسي
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
24 يناير، 2026
بغداد/المسلة: عائدات النفط العراقي وفّرت، عبر إدارتها في النظام المالي الأميركي، مظلة حماية من الديون والدعاوى الدولية وساهمت في استقرار سعر الصرف، لكنها في الوقت نفسه كرّست تبعية هيكلية للدولار الأميركي.
تسيطر الولايات المتحدة فعلياً على عوائد النفط العراقي بالدولار منذ الغزو الذي شنته عام 2003، ما يمنح واشنطن نفوذاً استثنائياً للتدخل في شؤون بغداد، مع تأثيرات تمتد إلى التوازنات الإقليمية المتعلقة بإيران.
كيف تسيطر الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقي حالياً؟
تأتي سيطرة الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقي أساساً من إدارتها لهذه العائدات عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. فبعد غزو العراق عام 2003، دشنت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة، صندوق العراق للتنمية، الذي كان مقرّه في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وصمم هذا الصندوق لجمع عائدات النفط العراقي واستخدامها في إعادة إعمار البلاد وتنميتها ولحماية هذه العائدات من الدعاوى القضائية والمطالبات المرتبطة بولاية صدام حسين.
ووقّع الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الابن، أمراً تنفيذياً، جدده جميع الرؤساء اللاحقين، يرسي هذا النظام. وفي نهاية المطاف، أصبح صندوق العراق للتنمية حساباً تابعاً للبنك المركزي العراقي في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو الوضع القائم حتى اليوم.
ما هو النفوذ التي تتمتع بها واشنطن على العراق؟
يعد النفط أهم مصادر دخل العراق، إذ يشكّل نحو 90% من ميزانية الدولة، ما يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على استقرار البلاد الاقتصادي والسياسي.
وعندما طلبت الحكومة العراقية من القوات الأميركية الخروج من البلاد عام 2020، هددت واشنطن بحرمان العراق من الوصول إلى عائداتها من النفط في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما دفع بغداد في نهاية المطاف إلى التراجع.
ورغم أن الحكومة العراقية اكتسبت مزيداً من السيطرة على شؤونها المالية منذ السنوات الأولى للاحتلال الأميركي، فإنّ استمرار هذه العلاقة بين البلدين يسلّط الضوء على النفوذ الأميركي المستمر على المشهد الاقتصادي العراقي، حتى في الوقت الذي تسعى فيه البلاد إلى تأكيد سيادتها واستقلالها.
لماذا استمر هذا الترتيب طويلاً؟
قال مسؤولون حكوميون عراقيون، تحدثوا لوكالة رويترز شريطة عدم الكشف عن هويتهم، إن النظام ساعد في ترسيخ الاستقرار المالي للعراق وحماية المالية العامة للدولة، وأضافوا أنه يوفر ثقة دولية في إدارة عائدات النفط، ويسهل الوصول السلس إلى الدولار الضروري في التجارة والواردات، ويحمي الإيرادات من المطالبات الخارجية والصدمات المالية، من بينها مطالبات الدائنين والدعاوى القضائية.
ويدعم هذا الترتيب أيضاً استقرار سعر الصرف ويعزز الثقة في الاقتصاد العراقي، ويعزز في الوقت نفسه المؤسسات المالية المحلية والسيادة الاقتصادية.
ويتيح النظام أيضاً للحكومة التصدي لبعض الجهات، من بينها الجماعات المتحالفة مع إيران، التي تسعى إلى تخفيف القيود على الوصول إلى الدولار، وكانت الولايات المتحدة فرضت العام الماضي عقوبات على بنوك عراقية وأفراد اتهمتهم بغسل الأموال لمصلحة إيران.
كيف أثر هذا النظام على العراق؟
تسببت القيود المشددة على إمداد العراق بالدولار في ظهور سوق موازية غير رسمية، ما أدى إلى تفاوت في الأسعار بين سعر الصرف الرسمي الذي يحدده البنك المركزي وسعر السوق السوداء.
ويمثل هذا التفاوت في الأسعار في جوهره علاوة مخاطرة للتعامل خارج النظام الرسمي. ومنذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه في ولاية ثانية، شن حملة “أقصى الضغوط” على إيران، وغالباً ما يجد العراق نفسه في مرمى النيران، إذ تتعامل طهران معه باعتباره شرياناً حيوياً لاقتصادها.
ما هو الوضع الحالي لإدارة عائدات النفط في العراق؟
لا تزال عائدات النفط العراقي خاضعة لإشراف بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. واعتمد البنك المركزي العراقي تاريخياً على مزادات الدولار، المعروفة رسمياً باسم مزاد العملة الأجنبية، كآلية رئيسية لتوفير الدولار. وكان بإمكان البنوك الخاصة وشركات الصرافة تقديم عروض يومية للحصول على الدولار من خلال شرائه بالدينار العراقي.
وأنهى العراق رسمياً نظام المزادات في مطلع عام 2025 بعد ضغوط مكثفة من واشنطن في إطار حملة واسعة النطاق لمكافحة ما اثير عن تهريب الدولار إلى كيانات خاضعة للعقوبات، ولا سيّما إيران.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
كلمات دلالية: الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
عُمان تتحرك لإحياء المسار السياسي في اليمن.. وباكستان تعلن مساندتها للسعودية
أعلنت سلطنة عُمان أنها تكثف جهودها بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي الخاص إلى اليمن لاستئناف المسار السياسي وخارطة الطريق، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً جديداً عقب الهجمات التي نفذتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران ضد سفن مرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر.
وقالت وزارة الخارجية العُمانية، في بيان، إنها تتابع "باهتمام بالغ" التطورات الأخيرة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة تجنب التصعيد وأي خطوات من شأنها تعميق الأزمة أو تعريض حرية الملاحة الدولية للخطر، في ظل تصاعد التهديدات التي تستهدف أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وأضافت الوزارة أن مسقط تعمل حالياً بالتنسيق مع السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي بهدف استئناف العملية السياسية وتنفيذ خارطة الطريق، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، في إشارة إلى استمرار الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر المتصاعد.
ويأتي الموقف العُماني عقب إعلان السلطات السعودية تعرض السفينة "ENCELIA" التابعة لإحدى الشركات السعودية للاستهداف أثناء إبحارها في البحر الأحمر، ما أدى إلى اندلاع حريق في مقدمتها، فيما أكدت المملكة سلامة أفراد الطاقم واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين السفينة وحماية البيئة البحرية.
وكانت ميليشيا الحوثي قد أعلنت مسؤوليتها عن استهداف السفينتين "ENCELIA" و"LAYLA" باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، زاعمة أن الهجوم يأتي ضمن ما سمته تنفيذ قرار حظر الملاحة المرتبطة بالسعودية، بعد يومين فقط من إعلانها فرض قيود على حركة السفن تحت شعار "الحصار بالحصار"، ملوحة بمزيد من التصعيد ضد أي تحركات سعودية.
وأثار هذا التصعيد سلسلة من التحركات الإقليمية، إذ أقر مجلس الدفاع الوطني اليمني حزمة إجراءات عسكرية وأمنية واقتصادية لمواجهة مختلف السيناريوهات، فيما أعلن التحالف العربي بدء تنفيذ تدابير عملياتية لتعزيز حماية السفن التابعة لدوله أثناء عبورها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وفي السياق ذاته، جددت باكستان دعمها الكامل للمملكة العربية السعودية، حيث أجرى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اتصالاً هاتفياً مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بحثا خلاله التطورات الإقليمية وانعكاسات الهجمات الحوثية على أمن المنطقة.
وأكد شريف، في تدوينة عبر منصة "إكس"، إدانته "بأشد العبارات" للهجمات التي استهدفت ناقلات نفط سعودية، معتبراً أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين، ومشدداً على تضامن بلاده الكامل مع المملكة.
وأضاف أن الجانبين اتفقا على مواصلة التنسيق والتعاون للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، وضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز واستمرار حركة التجارة البحرية الدولية دون انقطاع.
وتعكس المواقف الإقليمية المتلاحقة تنامي المخاوف من أن يقود التصعيد الحوثي في البحر الأحمر إلى تقويض الجهود السياسية الرامية لإنهاء الأزمة اليمنية، فضلاً عن تهديد أمن الممرات البحرية الدولية، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.