كيف يصنع الخوف ديكتاتورا؟ قراءة جديدة في فيلم نيكسون
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
بعد مرور أكثر من 30 عاما على عرضه، استعاد فيلم نيكسون (1995)، للمخرج أوليفر ستون، أهميته المقلقة. ليس لأن السياسة المعاصرة تُعيد تكرار فضيحة ووترغيت، بل لأن الفيلم يتناول ظاهرة أعمق، هي التحول النفسي للسلطة عندما تصبح مرادفة للخوف. في عصر المراقبة الكثيفة وانتهاك الخصوصية، والدكتاتوريات المقنعة، وتآكل الثقة في المؤسسات، يبدو فيلم نيكسون أقرب إلى دراسة لكيفية انهيار الحكم داخليا عبر تخيل الكل أعداء.
عند عرضه عام 1995، تلقى فيلم "نيكسون" ردود فعل نقدية متباينة بشدة. اتهم المخرج أوليفر ستون بتجاوزه بعض الحقائق التاريخية، وأشاد كثيرون بطموح الفيلم وعمقه النفسي وأداء أنتوني هوبكنز، ووصفه نقاد بأنه صورة جادة ومقلقة للسلطة، وليس مجرد فيلم سيرة ذاتية سياسية تقليدي.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ميلانيا ترامب تعرض فيلما عن حياتها قبل التنصيب في البيت الأبيضlist 2 of 2فيلم "بعد 28 عاما": رعب دائم وجائحة تحتل الذاكرة الجماعيةend of listوريتشارد نيكسون هو أحد أكثر رؤساء الولايات المتحدة تعقيدا وإثارة للجدل في القرن الـ 20، ليس فقط بسبب فضيحة ووترغيت التي أنهت رئاسته، بل أيضا بسبب شخصيته المتناقضة التي جمعت بين طموح سياسي هائل وشعور عميق بالاضطهاد وانعدام الأمن. هذا الاضطراب الداخلي، إلى جانب لحظة تاريخية مشحونة من الحرب الباردة وتحوّل السلطة التنفيذية إلى مركز مغلق للسلطة، جعل من نيكسون مادة مثالية لأفلام أوليفر ستون، التي لا تبحث عن أبطال بقدر ما تستكشف عيوب السلطة النفسية ونقاط ضعفها.
عند مشاهدة الفيلم الذي يروي سيرته اليوم، يبدو كما لو كان بحثا سينمائيا فيما يحدث عندما يخلط القائد بين البقاء الشخصي والمصير الوطني.
شخصية غير مستقرةمنذ لحظاته الأولى، يستبعد مخرج فيلم "نيكسون" استخدام التسلسل الزمني لاستعراض السيرة الذاتية، ويستخدم، بدلا منه، تسلسلا زمنيا متقطعا، وأكثر من "فلاش باك" (Flashback) مفاجئ، ورموزا بصرية متكررة ليعكس عدم استقرار شخصيته الرئيسية.
ينتقل السرد بحرية بين طفولة نيكسون، وصعوده السياسي، ورئاسته، وسقوطه، لبناء حلقة نفسية سوف يدور فيها الرئيس، فهو حبيس ماضٍ يطارده.
إعلانتسود الفيلم إضاءة قمعية وظلال داكنة، وأماكن داخلية معتمة. عرضت السلطة تحت ضوء النهار في مشاهد قليلة جدا، في حين تهيمن المكاتب والممرات والغرف الخاصة على مشاهد العمل، مما يعزز الشعور بأن السلطة تعمل في عزلة. يبدو البيت الأبيض في الفيلم أقرب إلى ملجأ.
ويعزز تصميم الإنتاج شعور الكآبة والاختناق، وخاصة في مشاهد المكتب البيضاوي التي صورت بأطر ضيقة، واقتراب الجدران المتكرر من حواف الشاشة، وحتى عندما كان نيكسون يخاطب الجماهير، تسرع الكاميرا بإعادته إلى عزلته. الخروج من العزلة عابر، والبقاء فيها هو القاعدة.
ولم يكن دور المونتاج أقل أهمية في هذا السياق، إذ منع التقاطع بين مشاهد النجاح ومشاهد الانهيار الشخصي، لمنع المشاهد من الغرق في إيقاعات السرد المنتصرة. وكأن كل انتصار يحمل في طياته صدى خسارة وشيكة.
هوبكنز يسرق روح ريتشارد نيكسونأثار أداء أنتوني هوبكنز لدور نيكسون الكثير من اللغط، فالممثل الكبير لم يقلد حركات الجسد فقط، بل استطاع أن يجسد التناقض داخل الشخصية، وأن يصور الغطرسة وانعدام الأمان في شخص واحد وفي لحظة واحدة.
صرح هوبكنز، خلال جولة الترويج للفيلم في أكثر من مقابلة صحفية وتلفزيونية، أبرزها مقابلته مع برنامج تلفزيوني وكذلك في حوار لصحيفة نيويورك تايمز (New York Times)، قائلا إنه تعامل مع نيكسون "كرجل لم يؤمن يوما بأنه محبوب" وهذا التفسير يشكل ملامح حقيقة الأداء. فصمت نيكسون، والفك المشدود، ونوبات الغضب المفاجئة، توحي بشخصية تتأهب باستمرار للخيانة.
ولم يكن أداء جوان ألين، التي تجسد شخصية بات نيكسون، يوحي بأنها شريكة سياسية، وإنما مرآة عاطفية، تمتص في كثير من الأحيان غضب نيكسون ويأسه دون أن تبدي أي رد فعل.
يظهر هنري كيسنغر، الذي يؤدي دوره بول سورفينو، شخصية باردة وهادئة، أكثر من كونه مخططا استراتيجيا، مما يبرز تقلبات نيكسون العاطفية.
تتميز موسيقى جون ويليامز لفيلم "نيكسون" بالرزانة والكآبة، وهي ذات طابع رثائي غير مألوف بالنسبة لدراما سياسية. فبدلا من أن تؤجج التوتر، تبرز الموسيقى حتمية المصير. توحي ألحان آلات النفخ النحاسية بالطقوس، لكنها غالبا ما تقوض بمقاطع هادئة تؤكد على الوحدة بدلا من الانتصار.
ولا يقل أهمية عن ذلك استخدام ستون للصمت. فالمشاهد الرئيسية – وخاصة تلك التي يظهر فيها نيكسون بمفرده – تجرد من الإشارات الموسيقية. ويجبر غياب الصوت الانتباه على التنفس وخطوات الأقدام والضوضاء المحيطة. يشير الفيلم إلى أن السلطة صاخبة في العلن، لكنها هادئة بشكل مرعب في الخفاء.
أما الحوار، فهو مختصر ومكثف. فالمحادثات غالبا ما تكون صدامية ومقتضبة ومفعمة بالمشاعر. يتجنب ستون المونولوجات التفسيرية؛ وبدلا من ذلك، يفسح المجال لظهور جنون الارتياب من خلال التكرار – حيث تتكرر الإشارات إلى الأعداء والتسريبات والمؤامرات والمظالم التاريخية حتى تشكل رؤية للعالم".
لا يقدم أوليفر ستون الرئيس نيكسون على أنه فاسد، وإنما يقدمه باعتباره شخصا يعاني من أزمة هوية، إذ يتوحد بشخصه مع الدولة، وبالتالي فإن أي معارض لسياساته خائن بالضرورة. ويعبر المخرج عن ذلك بالصور المتكررة للمراقبة، التي تعمل كامتداد نفسي لخوف نيكسون، ذلك الامتداد الذي طبع حياته كرئيس في النهاية.
إعلانذكر الباحث السينمائي روبرت كولكر، في تحليله للفيلم ضمن كتابه "سينما الوحدة"، أن العمل يقدم ما يمكن وصفه بـ"مأساة تضخيم الذات"، حيث لا يصور أوليفر ستون رئيسا أطاح به خصومه بقدر ما يرسم شخصية صنعت أسطورتها الخاصة ثم انحبست داخلها. لا يظهر نيكسون في الفيلم كما لو كان وحشا، ولكنه رجل ينمو إحساسه بالعظمة بالتوازي مع إحساسه بالضعف.
كان أحد أكثر الانتقادات شيوعا التي وجهت لفيلم "نيكسون" عند عرضه هو تحريفه للحقائق التاريخية. وقد أقر ستون صراحة بهذه الانحرافات، مؤكدا أن السينما تسعى إلى الحقيقة العاطفية، ولا تؤرخ. وكما صرح في مقابلة عام 1995: "الحقائق تخبرك بما حدث. الدراما تخبرك لماذا كان ذلك مهما".
هذا التمييز أساسي لفهم القيمة الدائمة للفيلم. لا يغني "نيكسون" عن السجل التاريخي، بل يخضعه للتحليل. من خلال إعطاء الأولوية للحالات الداخلية على التسلسل الزمني الخارجي، يدعو الفيلم المشاهدين إلى التفكير في كيفية نشوء الكوارث السياسية، ليس في المؤسسات فحسب، بل في عقول تشكلها المخاوف والاستياء والطموح.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أولیفر ستون أکثر من
إقرأ أيضاً: